نظم الحكم والإدارة والمجتمع

في الدولة الإسلامية خلال العصور الوسطى

عطا الله سعيد قبطي

طبعة جديدة مزيلة، ومنقحة

حقوق الطبع، والنشر محفوظة للمؤلف

2008

صفحات بخط عادي 7-194

الناسخة ميسون طه

المكتبة المركزية للمكفوفين

وذوي عسر القرائي

نتانيا  اسرائيل  2017

نسخ أو نقل النسخة الملائمة معارضة لأوامر قانون تنسيق الاعمال، تنفيذ وبث للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة 2014 تشكل خرقًا لحقوق المنتجين

مُحتويات الكتاب

مقدمة ج

مُختصرات ورموز د

الباب الأوّل: نُظم الحُكم ه

الفصل الأوّل: رئاسة الدّولة الإسلاميَّة صفحة 9

أ. كومة الرسول (صلى الله عليه وسلم) صفحة 9

ب. الخلافة صفحة 13

ج. الخلافة الرّاشديَّة ومميزاتها صفحة 32

د. الخلافة الأمويَّة ومميزاتها صفحة 35

ه. الخلافة العبّاسيَّة ومميزاتها صفحة 39

و. الفِرَق الإسلاميَّة والخلافة صفحة 46

الباب الثاني: نظام الإدارة صفحة 55

الفصل الثاني: الوظائف والمؤسسات الإداريَّة صفحة 57

أ. الوزارة صفحة 57

ب. الحِجابة صفحة 66

ج. الدّواوين صفحة 69

الفصل الثالث: القضاء في الإسلام صفحة 77

أ. الشريعة الإسلاميَّة، ومصادرها الرّئيسة صفحة 77

ب. المذاهب السُّنّيَّة الأربعة، وتطوّرها صفحة 83

ج. تطور القضاء في الإسلام حتّى نهاية العصر العبّاسيّ صفحة 89

د. محكمة النَّظر في المظالم صفحة 97

ه. الحِسبَة والمحتسب صفحة 101

الفصل الرابع: ماليَّة الدّولة الإسلاميَّة صفحة 107

أ. في تعريف (بيت مال المسلمين) ونشأته صفحة 107

ب. موارد (بيت مال المسلمين) صفحة 107

ج. مصروفات (بيت مال المسلمين) صفحة 113

الباب الثالث: نظام المجتمع صفحة 115

الفصل الخامس: مراحل تبلور المجتمع الإسلاميّ، وتطوره صفحة 117

أ. العرب المسلمون صفحة 117

ب. الموالي صفحة 120

ج. أهل الذِّمَّة صفحة 127

د. الرِّقّ في الإسلام صفحة 138

ه. التّوزيع الطبقيّ للمجتمع الإسلامي صفحة 148

الفصل السادس: المدينة الإسلاميَّة صفحة 153

أ. دوافع وأهداف إقامة المدينة الإسلاميَّة صفحة 153

ب. ميزات المدينة الإسلاميَّة صفحة 154

ج. معالم المدينة الإسلاميَّة صفحة 155

د. نماذج من المُدن الإسلاميَّة؛ البصرة، الكوفة صفحة 169

الفصل السابع: مدينة بغداد وطبقتا الخاصّة والعامّة فيها صفحة 173

أ. دوافع بناء مدينة بغداد صفحة 173

ب. تخطيط مدينة بغداد صفحة 175

ج. طبقتا العامّة والخاصّة صفحة 178

ملاحق: صفحة 195

ملحق 1: أسماء الخلفاء الأمويّين صفحة 195

ملحق 2: أسماء الخلفاء العباسيّين صفحة 196

مقدمة

إنَّ موضوع (نظم الحكم، والإدارة، والمجتمع في الدولة الإسلاميَّة خلال العصور الوسطى)، هو أحد المواضيع الإلزاميّة لامتحان البجروت، ضمن وحدة (تاريخ العرب والمسلمين، وتاريخ الشرق الأوسط)، وفق ما أقرَّته وزارة المعارف والثقافة، حسب نظام الوحدات.

عرضنا مادة الكتاب في ثلاثة أبواب: تناول الباب الأول (وهو نظام الحكم)، شمل الفصل الأوَّل، وتناول رئاسة الدولة الإسلاميَّة، مؤسسة الخلافة، من حيث نشوئها، وتطورها على مرِّ التاريخ الإسلامي. ثم اختلاف الفرق الإسلاميَّة حول البيت الذي يُعيَّن منه الخليفة. والباب الثاني (وهو نظام الإدارة) شمل الفصل الثاني، عن الوظائف والمؤسسات الإداريَّة، والفصل الثالث، عن القضاء في الإسلام، والفصل الرابع، عن ماليَّة الدولة الإسلاميَّة. والباب الثالث (وهو نظام المجتمع)، شمل الفصل الخامس، عن مراحل تبلور المجتمع الإسلامي، وتطوره، والفصل السادس، عن المدينة الإسلامية، والفصل السابع، عن مدينة بغداد، وطبقتي الخاصّة والعامّة فيها.

ذيّلنا كل فصل من فصول الكتاب السبعة بأسئلة ونصوص، تساعد الطالب على تذويت المادة المدروسة.

إن هذا الكتاب، الذي نضعه بين أيدي طلابنا في المدارس العربية، هو ثمرة عملنا في مرحلة تدريس موضوع التاريخ، لطلبة المدارس الثانوية في البلاد، ويجئ تطبيقا لمواضيع منهاج تدريس التاريخ في المرحلة العليا المعدَّل، والصادر عام2007.

آمل أن نكون قد وُفقنا وما التوفيق إلا من الله تعالى في تبسيط المادة لطلابنا. وفي الوقت ذاته، أودّ أن أشكر الخوريين: الأستاذ جريس خوري، والدكتور جريس خوري، لمراجعتهما اللغويَّة لمسوَّدة الكتاب، وإبدائهما الملاحظات القيِّمة. كما وأوجه شكري إلى الزملاء، مدرسي موضوع التاريخ، إذا ما تفضلوا مشكورين، بإبداء الاقتراحات البناءة حول شكل الكتاب ومضمونه.

حيفا في 2008

د. عطالله سعيد قبطي

مختصرات ورموز

م.س. يساوي مرجع سابق (أي: ذُكر من قبل)

ن.م. يساوي نفس المرجع السابق (أي: ما قبله مباشرة)

ب.م. يساوي بدون مكان صدور الكتاب

ب.ت. يساوي بدون تاريخ صدور الكتاب

(صلى الله عليه وسلم) يساوي صلى الله عليه وسلم

(رضي الله عنه) يساوي رضي الله عنه

ه يساوي هجريَّة

م يساوي ميلاديَّة

ج يساوي جزء


*7*

الباب الأوَّل: نظام الحكم


*7*

(وأعظم خلاف بين الأمَّة، خلاف الإمامة، إذ ما سلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدةٍ دينيّةٍ، مثلما سلَّ على الإمامة (أي: الخلافة)، في كلِّ زمانٍ) (المرجع: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشَّهر ستاني، الملل والنِّجل، القاهرة، 1967، ج 1، ص 24).


*8*

صورة لزخرفة اسلاميَّة

شرح بمساعدة المعلمة


*9*

الفصل الأوَّل: رئاسة الدَّولة الإسلاميَّة


*9*

أ. حكومة الرَّسول (صلى الله عليه وسلم):

أنشأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) للعرب، في الجزيرة العربيَّة، دينًا ودولة في آنٍ واحدٍ؛ أمَّا الدين: فهو الإسلام، وأمَّا الدولة: فهي الدولة الإسلاميَّة، ومقرها مدينة يثرب التي أصبحت تعرف في الإسلام بالمدينة المنوَّرة، أو (دار الهجرة)؛ (وقد نقلت في خلافة علي بن أبي طالب إلى الكوفة، لتحلَّ بغداد، عقب بنائها عام 145 ه / 762 م، عاصمة للخلافة العباسيَّة). ثم توسعت حدود الدولة الإسلاميَّة، لتشمل في عهد الخلفاء الراشدين (11-41 ه / 632-661 م)، لا الجزيرة العربيَّة فحسب، بل ومناطق خارجها؛ وذلك في أعقاب الفتوحات الكبرى التي بدأت زمن الخليفة الراشدي الأول: أبي بكر الصَّدِّيق؛ وبذلك أصبحت إمبراطوريَّة. ثم استمر خلفاء بني أميَّة (61-132 ه / 661-750 م)، في الفتوحات، وفي توسيع حدودها، لتمتدَّ من حدود الصين والهند شرقا، حتى جبال البرانيس (إسبانيا) غربًا، ومن جبال طورس (تركيَّا اليوم) شمالًا، وحتى المحيط الهندي جنوبًا. والسؤال الذي يسأل هو: ما هو نوع نظام الحكم الذي قام في هذه الدولة؟

لقد اكتملت مقوِّمات الدولة الإسلاميَّة بمجرد استقرار المسلمين في المدينة المنوَّرة، فالسلطات الدينيَّة، والسياسيَّة، والتنفيذية، كانت بيد الرسول (صلى الله عليه وسلم). أمَّا سكان الدولة الإسلاميَّة فقد تألفوا، ثلاث طوائف هي; أ. المسلمون من المهاجرين والأنصار. ب. اليهود من قبائل: بنو قينقاع، وبنو النَّضير وبنو قريظة. ت. من العرب الذين ما زالوا على الكفر، فأراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يخلق جوًّا من التعاون والتسامح بين هذه الطوائف، وخاصَّة اليهود ذوي النفود الكبير في المدينة المنوَّرة، لا سيَّما في المجال الاقتصادي؛ فوضع للجميع (صحيفة)،


*10*

عُرفت أيضًا بعهد الأمَّة (تشكلت الأمَّة، في مفهومها الأوَّلي وهو مفهوم سياسي (أمَّة سياسيَّة)، من سكان المدينة المنوَّرة كافة، بما في ذلك اليهود، والكفار، كما أشارت الصحيفة، ثم اشتهرت، فيما بعد، لتعني: جماعة المؤمنين برسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) (أي أمَّة دينية، وهي جماعة المسلمين)؛ إذ ورد في القرآن الكريم (كنتم خير أمَّةٍ أُخرِجَت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (سورة آل عمران: آية 110)، هذا ووردت لفظة أمَّة في القرآن الكريم حوالي 62 مرة. كما وردت لفظة أمَّة في أحاديث نبوية مثل: (لا تجتمع أمَّتي على ضلالة) أنظر 863-859. Vol .10 (2000) pp، (Ency. Oflslam (new edition-i محمد عمارة (مفهوم الأمَّة في الحضارة الإسلاميَّة)، الفن العربي الإسلامي-المداخيل (تونس، 1994)، ص 23-39). في المضارة الإسلامية)، الفن العربي الإسلامي - المداخيل (تونس، 1994)، ص 23-39)، تُنظّم العلاقات بين كافة فئات مجتمع المدينة المنوَّرة. ولكي تتعرف إلى ذلك، اقرأ بعض ما اقتبسناه منها، في السطور التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ (صحيفة)، من محمد النبي (صلى الله عليه وسلم)، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم (أي: قاتل في سبيل الله)، إنهم أمَّة واحدة من دون الناس ألا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمن دونه إن المؤمنين المتَّقين على من بغى (أي: اعتدى منهم) وابتغى دسيعة (أي: عظيمة) ظلم، أو إثمٍ، أو عدوان، أو فسادٍ بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمنٌ مؤمناً في كافرٍ، ولا ينصر كافرًا على مؤمنٍ؛ إن ذمَّة الله واحدة يجير عليهم أدناهم: وإن المؤمنين بعضهم مولى بعضٍ دون الناس. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم، وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم منهم، فإنه لا يوتغ (أي: يهلك) إلا نفسه، وأهل بيته. وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر لبن الإثم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين: وإن يثرب حرامٌ (أي: مقدَّسة) جوفها (أي: داخلها). لأهل هذه الصحيفة وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثٍ، أو اشتجار، يخاف فساده، فإن مردّه إلى الله عزَّ وجلَّ، وإلى محمَّدٍ رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وإنه لا تجار (أي: يطلب حمايتها) قريش، ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم (أي: اقتحم) يثرب وإنه من خرج آمنٌ، ومن قعد آمنٌ بالمدينة، إلا من ظلم، أو أثم (المرجع: ابن هشام، السيرة النبويَّة، ج 2، ص 106-108).

أسئلة:

1. عدِّد فئات سكان المدينة التي شملتها (الصحيفة).

2. تنظِّم (الصحيفة) العلاقات بين فئات سكان المدينة التي شملتها. وضِّح.

3. تؤكد (الصحيفة) على زعامة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة؟ وضِّح ذلك.


*11*

وبالطبع لم يستطع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ممارسة سلطاته هذه وحده، لذلك اتخذ له المساعدين في المدينة من الصحابة، مثل:

1. الكتبة: نفذ كتبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) مهام مختلفة: فمنهم من كتب ما ينزل على الرسول (صلوات الله عليه) من الوحي؛ ومنهم من كتب له الوثائق، والمراسلات، والعقود، والمعاملات المالية، فيسجل المنح والإقطاعات التي تعطى إلى الأمراء والأجناد، أو إلى من يرغب في إحياء الأرض واستصلاحها، أو ما يجمع من أموال الزَّكاة (أو الزَّكوة كما وردت في القرآن الكريم)، أو يكتب قوائم المحاربين ومقدار العطاء الذي يخصّ كل محارب، أو ما يحتاجه من تجهيز نفسه للحرب من خيل وآلات القتال.

2. المترجمون: وهم الذين كانوا يقومون بأعمال الكتابة باللغات غير العربيَّة، إلى غير العرب. وأيضًا بترجمة الرسائل غير العربيَّة الواردة إلى الدولة الإسلاميَّة. وكانوا يقومون بالترجمة بين يدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) للخطب، والأحاديث المتبادلة في حضرة السفراء، والوفود القادمة من خارج الجزيرة العربيَّة. ومن كتبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) البارزين كان زيد بن ثابت، الذي ترجم من الفارسيَّة، والروميَّة، والقبطيَّة، والحبشيَّة. ويعتقد أنَّه تعلم تلك اللغات في المدينة من أهل هذه اللغات.

3. السفراء: كانوا يحملون رسائل الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى الأمراء والملوك.

4. الشعراء: تصدّوا إلى دعايات الخصوم وأكاذيبهم، فكانوا بمثابة الصحيفة، أو جهاز الإعلام في أيامنا، كحسان بن ثابت الأنصاري، شاعر الرسول (صلى الله عليه وسلم).

5. الخارص: وهو الذي يقدر الثروة للشخص، لتحديد ما عليها من الضرائب.

6. الفارض: وهو من يتولَّى عملية حساب المواريث (بموجب الشرع الإسلامي). بالإضافة إلى ذلك، فقد كان هناك موظف خاصّ، يتولى مراقبة السوق، وقوانينه، وأسعار السلع. وهي الوظيفة التي أصبحت تعرف في الدولة الإسلاميَّة فيما بعد بالمحتسب. أمَّا زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقد عرفت بعامل على السوق، أو (صاحب السوق)، كما سنوضِّح


*12*

ذلك لاحقًا في حديثنا عن الحسبة والمحتسب. هذا وعرفت دولة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في المدينة المنوَّرة، نظامًا شبيهًا بالشرطة، يدعى (العسس) وتعمل ليلا، أي بمثابة (حرَّاس الليل).

مخطط النظام السياسي في الإسلام، استعن بالمعلم


*13*

ب. الخلافة:

تشكل نظام الحكم في الدولة الإسلاميَّة، تدريجيًّا، بما يتلاءم والعقيدة الإسلاميَّة، والفترة الزمنيَّة للدولة الإسلاميَّة؛ فتكونت مؤسسات الحكم، والوظائف الإداريَّة فيها، خلال العصور الإسلاميَّة المختلفة، حسب حاجة الدولة لها، وكِبَرِ حجمها. وكانت تنطلق من أسس الحكم؛ العامَّة والأساسيَّة التي وردت في القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الشريفة، أي أنَّ هدفها كان دينيًّا أوَّلا وقبل كل شيء.

كان منصب رئيس الدولة الإسلاميَّة (الخليفة)، من المناصب التي مرت بذلك التطور. فما معنى مصطلح الخلافة؟ وكيف نشأت في الدولة الإسلاميَّة؟

ب. 1. في معنى مصطلح الخلافة: الخلافة لغة من مصدر: خلف، أي: جاء بعده، وحلَّ

محلَّه. وعرّفها أبو الحسن الماوردي (ت.450ه / 1058م) بأنها: (موضوعة لخلافة النبوة (نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم) في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (أبو الحسن، الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة (بيروت، 1987)، ص 5). وجاء تعريف عبدالرحمن بن خلدون (ت.807ه / 1406م) للخلافة ليؤكد تعريف الماوردي السابق، وبشكل أوضح، إذ قال: (هي حمل الكافَّة (كافة المسلمين) على مقتضى النظر الشرعي (الشريعة الإسلاميَّة) (عن مفهوم الشريعة الاسلامية انظر موضوع القضاء في الإسلام)، في مصالحهم الآخرويَّة (الحياة الآخرة)، والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلُّها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي، في الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع (الرسول صلى الله عليه وسلم) في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) (عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت، ب.ت). ص 191).

يفهم من التعريفين السابقين أن للخليفة صلاحيات دينيَّة وسياسيَّة في آنٍ واحدٍ، لكن المهم هو

أن الخلافة هي: نوع من أنواع الحكم الذي تفرَّد به الإسلام، وهو من مستحدثاته.

ب. 2. كيف نشأت الخلافة؟ بينما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم)، يحتضر (أي: على فراش الموت)، كان الأنصار قد اجتمعوا في المدينة المنوَّرة، في مكان يسمَّى سقيفة بني ساعدة، لتداول أمر اختيار رئيسٍ للدولة الإسلاميَّة خلفًا للرسول (صلى الله عليه وسلم). وكانوا يريدون اختيار زعيم الخزرج سعد


*14*

ابن عبادة. وفي الوقت ذاته، ترامت أخبار ذلك إلى زعماء المهاجرين، وعلى رأسهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح؛ فتقدموا إلى السقيفة، فدار بينهم وبين زعماء الأنصار جدال تمحور حول من يستحق الخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في رئاسة الدولة الإسلاميَّة؟ وكان في هذه الأثناء قد انتقل إلى جوار ربِّه. وقد عبّر عن وجهة نظر الأنصار، زعيم الخزرج: سعد بن عبادة، فبيَّن استحقاقهم للخلافة وذلك في خطبته التي ألقاها في السقيفة، وتتلخص في: أنهم الذين دافعوا عن الإسلام، وحموه بأنفسهم وأموالهم، وهم أصحاب الدار (المدينة المنوَّرة)، كما أنَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) مات وهو عنهم راضٍ. أمَّا المهاجرون، فقد لخَّص استحقاقهم للخلافة أبو بكر الصديق، كما عبّر عن ذلك في خطبته في السقيفة بأنهم (المهاجرون)، هم أوَّل من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهم الذين صبروا معه على شدّة أذى قومهم وتكذيبهم إيَّاهم، وكل الناس له مخالف محتقر، فلم يشعروا بالغربة لقلة عددهم، وبُغض الناس لهم، ومقاومة قومهم لهم، فهم أولياء الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعشيرته وأحقِّ الناس بخلافته. واستند المهاجرون، بما فيهم أبو بكر الصديق، على الآية القرآنيَّة الكريمة التي تضع المهاجرين في الصف الأول بين المسلمين، ثم يأتي بعدهم الأنصار، وهي: (والسَّابقون الأوَّلون مِنَ المُهاجرين والأنصَار) (سورة التوبة: آية 100). وعليه، فقد اقترح أبو بكر الصديق: بأن يكون المهاجرون هم الأمراء (اي: الزعماء)، ويليهم الأنصار، بأن يكونوا الوزراء (أي: المساعدين)، كما استندوا إلى حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): (الأئمة من قريش). (رواه الطبراني بسند جيد. انظر صبحي الصالح، النظم الإسلامية: نشأتها وتطورها (بيروت، 1965)، ص 86-87، 258).

على ضوء هذين الموقفين، ظهر موقف ثالث وسط، عبَّر عنه الحباب بن المنذر، من زعماء

الأنصار. إذ اقترح أن تكون الخلافة ثنائية في آنٍ واحدٍ، أي: من الأنصار أميرٌ، ومن المهاجرين أميرٌ. فعارضه في ذلك عمر بن الخطاب، وأصرَّ على استحقاق المهاجرين لخلافة الرسول (صلى الله عليه وسلم). وعندما اشتدَّ الجدل بين الطرفين، اقترح أبو بكر أن يختاروا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بدلا منه، ظنًّا منه أن سبب امتناع الأنصار الاعتراف باستحقاق المهاجرين للخلافة، يعود إلى معارضتهم لشخصه. فرفض عمر وأبو عبيدة وأصرّا على


*15*

استحقاق أبي بكر، لأنه أفضل المهاجرين، ورفيق الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة، ولما تعرَّض من مخاطر خلالها، وكان كذلك خليفة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة (عند مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأخير)، إذ قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس!)، فلا ينبغي أن يتقدمه أحدٌ في هذا المنصب؛ فبايعاه بالخلافة، ثم بايعه الأوس والخزرج، إذ أقرَّ اثنان من زعمائهم (أنَّ محمدًا (صلى الله عليه وسلم) من قريش وقومه أحقّ به وأولى). ثم تبعهم بقيَّة الأنصار، فبايعوا أبا بكر، وهي التي تعرف بالبيعة الخاصَّة. وبعدها جلس أبو بكر في المسجد ليتقبل بيعة المسلمين التي عرفت بالبيعة العامَّة. وبذلك تكون وجهة نظر المهاجرين هي التي انتصرت. أمَّا الحقيقة التي برزت في اجتماع السقيفة، فهي أنَّ موقف آل البيت، وبالذات موقف علي بن أبي طالب، لم يتمثل فيها.

أسئلة:

1. بين ادِّعاء كل من الأنصار والمهاجرين في استحقاقهم لخلافة الرسول (صلى الله عليه وسلم).

2. لماذا اختير أبو بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولم يختر أحدٌ غيره من المهاجرين والأنصار؟ وضِّخ

ب. 3. طرائق تعيين الخليفة:

يتبين، مما ذكرناه سابقا، أن المجتمعين في السقيفة لم يختلفوا حول وجوب منصب الخليفة في الإسلام (وقد أصبح هذا الوجوب رأي الأغلبية العظمى من المسلمين، مقابل بعض فئات إسلاميَّة نادت بجوازها)، بل اختلفوا حول البيت الذي يختار منه الخليفة. كما وظهرت، على مرّ التاريخ الإسلامي، أربع طرائق في تعيين الخليفة، وهي:

أ. طريقة الاختيار (أو الانتخاب الاستشاري): وهي الطريقة التي تمَّ بواسطتها اختيار

أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة (خلف 11-13ه / 632-634 م)، كما بينا سابقا،

ليصبح أوَّل خليفةٍ راشديٍّ. وقد تبين من خلال هذه الطريقة أنه لم يتَّبع فيها نظام الوراثة، أو القرابة من النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل برز فيها اعتماد الاختيار على أسس الصفات الذاتيَّة لأبي بكر:


*16*

أ. سابقته في قبول الإسلام. ب. تصديقه لدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ت. دعمه للدعوة عمليًا وماليًا. ث. مرافقته الرسول (صلى الله عليه وسلم) في طريق الهجرة إلى يثرب ح. سِنُّه: إذ كان أكبر الصحابة سنّاً.

أ. 1. سياسة الخليفة أبي بكر الصديق: اعتاد الخلفاء، منذ الخليفة أبي بكر، إلقاء خطبة في المسلمين، عند توليهم الخلافة، يشرحون فيها أسس السياسة التي سيتبعونها في الأمَّة، وقد ألقى أبو بكر خطبته في اليوم التالي لاجتماع السقيفة، وجاء فيها:

أيها الناس! قد ُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسات فقوِّموني (أي: أعيدوني إلى الطريق المستقيم). الصِّدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتَّى (إلى أن) أريح عليه حقَّة، إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيفٌ عندي حتَّى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع (أي: يترك) قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذُّل. أطيعوني ما (أي: ما دمت) أطعت الله ورسوله. فإذا عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله (المرجع: ابن هشام، م. س، ج، ص 228).

- سؤال:

1. ما هي الأسس التي عيَّنها أبو بكر لسياسة الأمَّة الإسلاميَّة؟ اشرح.

ب. 4 طريقة العهد: وهي الطريقة التي اختير بموجبها الخليفة عمر بن الخطاب. إذ عهد إليه أبو بكر الصديق، بالخلافة قبيل وفاته؛ لأنه خشي أن تحصل فتنة بين المسلمين حول هذا المنصب، كما حدث في السقيفة، فتختلف كلمتهم في الفترة التي كانت جيوشهم في الفتوحات، تقاتل الإمبراطوريتين: الساسانيَّة والبيزنطيَّة. ولكنَّ أبا بكر لم ينفرد بقراره هذا، بل استشار فيه كبار الصحابة الذين عرفوا، فيما بعد، بأهل الحلّ والعقد (هم فئة من المسلمين على درجة من الدين، والخلق، العلم بأحوال الناس، وتدبير الأمور، وعرفوا ايضا بأهل الشورى. فكانوا أولا من كبار الصحابة، وبيدهم تعيين، أو عزل الخليفة، وقد اختلف في عددهم. انظر الماوردي، الأحكام السلطانيَّة، ص 6-7)، فمنهم من تخوّف من غلظة عمر بن الخطاب، كعبد الرحمن بن عوف. أمَّا عثمان، فأثنى على هذا الاختيار، وعندها توجه أبو بكر إلى المسلمين قائلًا: (أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليِّت ذا قرابةٍ، وإني قد استخلفت عمر بن الخطّاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا). ثم أملى أبو بكر كتاب العهد على عثمان بن عفان، فكتبه. وهكذا


*17*

تمَّت عملية اختيار عمر، خليفة راشديًا ثانيًا (خلف 13-23ه / 634-644م)، وبرزت فيها الأسس التالية:

1. ترشيح من الخليفة القائم.

2. استشارة كبار الصحابة، وقد عرفوا بأهل الحلّ والعقد.

3. موافقة عامَّة المسلمين، ورضاهم على ما اتَّفق عليه كبار الصحابة.

سياسة الخليفة عمر بن الخطاب:

اشتهر الخليفة عمر بالحزم في الحقِّ، وبالعدل؛ فقد عرف عنه أنه كان شديدًا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف)؛ ولذا لقب بالفاروق لتفريقه بين الحقِّ والباطل. والخطبة التي ألقاها، عقب توليه الخلافة، تلقي ضوءًا على بعض صفاته، إذ ورد فيها، قوله: إنما مثل العرب مثل جملٍ أنفٍ؛ اتبَّع قائده (وضعت بأنفه خشبة ولشدة توجعه يسير وراء قائده)، فلينظر قائده حيث يقوده، وأمَّا أنا فوربِّ الكعبة لأحملنَّهم على الطريق). (ابن هشام، م.س، ص 661).

ب. 5 طريقة الشورى: عندما كان الخليفة عمر بن الخطاب يحتضر، بعد أن طعنه فيروز أبو لؤلؤة، وهو مولىً (أي: عبد محرَّر. وهو من أصل فارسي) للمغيرة بن شعيبة، دخل عليه بعض الصحابة فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت! فقال لهم: (لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيًا لاستخلفته، فإن سألني ربِّي قلت: سمعت نبيَّك يقول: إنه أمين هذه الأمَّة). وكان أبو عبيدة قد مات بطاعون (عمواس) (أو عمواس: تقع الى الغرب من بيت المقدس-فلسطين) سنة 15ه / 636م؛ لذلك أشار عمر بن الخطاب إلى ستة من الصحابة من (المبشَّرين بالجنَّة)، لكي يختاروا واحدًا من بينهم ليكون خليفة، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفَّان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء (أهل الشورى) وعرفوا أيضا بأهل الحلِّ والعقد. ثم أضاف إليهم ابنه عبد الله، شريطة ألا يختار، بل تكون الخلافة للشخص الذي يقع عليه الاختيار من الفريق، ممن في صفٍّ عبد الله، في حالة تساوي عدد الأصوات. فإن لم يرضوا بحكم عبد الله، فليكونوا مع


*18*

الذين منهم عبد الرحمن بن عوف. وحذرهم عمر من الاختلاف، لكن لم يستطع (أهل الشورى) التوصل إلى اتفاق في اختيار الخليفة؛ فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه منها، وتولى هو عملية اختيار الخليفة. فأجرى مشاورات، وسأل الصحابة، فاثنوا على اثنين من الستة، هما: عثمان وعلي. فدعا عبد الرحمن عليّا، وقال له: (هل أنت مبايعي لتعملنَّ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، وسيرة الخليفتين من بعده؟) فأجابه عليٌّ: (أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي). ثم دعا عثمان وأخذ بيده، وردّد عليه السؤال: فأجابه (اللهم! نعم)، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، وقال ثلاثا: (اللهم اسمع واشهد). ثم قال: (اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك، وجعلته في رقبة عثمان). كذا بايعه عبد الرحمن بالخلافة؛ أمَّا علي بن أبي طالب، فقد اختلفت الروايات في موقفه من بيعة عثمان؛ فأشار بعضها إلى مباركته الفورية والطَّوعيَّة لعثمان؛ وأبرز بعضها الآخر تردُّده؛ مما جعل عبد الرحمن بن عوف إلى دعوته للالتزام بقرار الجماعة. وادّعت رواية ثالثة أنه أعطى بيعته مجبرًا، بعد تهديده بالمجاهدة من قبل أعضاء مجلس الشورى (أنظر عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب والفتنة الكبرى: القرن الأول القرن الرابع الهجري دراسة تاريخية منهجية، بيروت، 1998، ص 91-92؛ جعيط، م. س، ص 59). وقد عبّر صاحب كتاب الإمامة والسياسة، عن الرواية الأخيرة، مقتبسًا خطبة لعلي بن أبي طالب، يقال إنه عبّر خلالها عن موقفه، وهي، كالتالي:

والله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي، أنَّ العرب تعدل هذا الأمر عني، فما راعني (اي: أخافني) إلا إقبال الناس على أبي بكر، وإجفالهم عليه، فأسكت يدي، ورأيت أني أحقُّ بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور عليّ، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام (أي: الرّدَّة) يدعون إلى محو دين محمَّد، وملّة إبراهيم (عليهما السلام)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى في الإسلام ثلمًا (أي: صدعًا) وهدمًا، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولاية أمركم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت معه في تلك الإحداث، حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، وإن يرغم الكافرون. فتولى أبوبكر تلك الأمور فيسِّر، وسدِّد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، واطعته فيما أطاع الله فيه جاهدًا؛ فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا واطعنا، وبايعنا وناصحنا،


*19*

فتولَّى تلك الأمور، فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة أيام حياته، فلما احتضر قلت في نفسي: ليس يصرف هذا الأمر عني، فجعلها عمر شورى، وجعلني سادس ستَّة، فما كانوا لولاية احد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنهم كانوا يسمعونني وأنا أحاجٌ أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، ويعرف السُّنَّة، فخشوا أن ولِّيت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر (أي: الخلافة) نصيب، فبايعوا إجماع رجل واحدٍ، حتى صرفوا الأمر عني لعثمان، فأخرجوني منها، رجاء أن يتداولوها، حين يئسوا أن يتداولوها، ثم قالوا لي: هلمّ فبايع عثمان، وإلا جاهدناك، فبايعت مستكرهًا، وصبرت محتسبًا (المرجع: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، (منسوب له)، ج 1، ص 154-155).

سؤال:

1. لماذا تاخَّر علي بن أبي طالب عن مبايعة عثمان؟ إشرح.

وهكذا، فقد كان اختيار عثمان، بطريقة الشورى، بداية الخلاف بينه وبين عليٍّ، والتي وانتهى بالفتنة على عثمان، ثم مقتله، كما سنرى في السطور القادمة.

1. الفتنة على الخليفة عثمان (خلف 23-35ه / 644-656م): وردت لفظة (فتنة) في اللغة، والقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، في معاني مختلفة. وما يعنينا هنا من تلك المعاني، هو ما ورد في الحديث النبوي الشريف على أنها: الفرقة والاختلاف وانقسام وحدة الأمَّة الإسلاميَّة السياسيَّة، واختلاف أرائهم لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف)، (أحمد بن حنبل، المسند، ج 5، ص 292) ولذلك ذمَّها القرآن الكريم على أنها (اشدُّ أو أكبر من القتل) (أنظر الآيتين الكريمتين: 191، 217 من سورة البقرة).

كان عثمان في السبعين من عمره عند اختياره خليفة، وجاء بعد الخليفة عمر بن الخطاب ذي الشخصية القوية في الحقِّ. وقد امتدت خلافته اثني عشر عامّا: كانت الأعوام الستة الأولى حسنة، وبانتهائها توقفت الفتوحات؛ وأمَّا الأعوام الستة الأخرى، فكانت صعبة عصيبة؛ حدثت فيها الفتنة التي أدت إلى مقتله. فما هي أسباب هذه الفتنة؟


*20*

ظهرت المعارضة للخليفة عثمان في مدن الأمصار (مفردها مصر) (اختلف في تعريف مصطلح (مصر)، قال المقدسي: (قالت الفقهاء (مصر) كل بلد جامع يقام فيه الحدود ويحله أمير. بنفقته ويجمع رستاقه مثل: عثر، نابلس، وزوزن. وعند أهل اللغة (مصر) كل ما حجز بين جهتين مثل: البصرة، والرقة، وأرَّجان. والمصر عند العوام: كل ما حجز بين جهتين مثل: الريِّ، والموصل، والرملة. وأما نحن - يعني المقدسي - فقد جعلنا (مصر): كل بلد حلَّه السلطان الأعظم، وجمعت أليه الدواوين، وقلدت منه الأعمال، وأضيف إليه مدن الأقاليم مثل: دمشق، والقيروان، وشيراز. أنظر كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (القاهرة، 1991)، ص 37) مثل: البصرة والكوفة (في العراق) والفسطاط (في مصر) (أنظر الخارطة في الصفحة القادمة)؛ إذ أدَّى توقُّف الفتوحات أدَّى إلى توقف مصادر دخل مالي (المقاتلة القدامى)، جراء حصولهم على الغنائم؛ كمصدر هامٍّ لديهم، إذ تدفقت أموال الغنائم من الذهب والأقمشة الفاخرة والرّقيق (انظر موضوع الرِّقّ لاحقًا)، نتيجة هذه الفتوحات؛ مما أدى إلى ثراء البعض، حتى أبسط المقاتلة؛ فتكونت ثروات ضخمة في المدينة المنوَّرة؛ وبذلك تغيرت مناهج الحياة وأحدثت تباينا مثيرا، مقارنة مع حياة البساطة في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو أبي بكر، أو عمر (جعيط، م.س.، ص 60-61، أيضا صفحات 62-65). فجاء توقف الفتوحات، وحرمانهم من هذه الثروات سببًا إلى إبداء تذمُّرهم من حرمانهم من مدخولات أرض السَّواد (وهي منطقة خصبة في جنوب العراق دعيت بالسواد لشدة اخضرارها)، إذ اعتبروها أرض غنيمة (أنظر موضوع المالية)؛ وكان الخليفة عمر بن الخطاب قد حولها إلى أراض للدولة؛ وهي التي كانت تابعة للدولة الساسانيَّة سابقا، إذ اعتبروا إدارتهم لتلك الأراضي كملك لهم تمنحهم حق التمتع بمدخولاتها. لكن عثمان رأى أن للمقاتلة، من الأنصار والمهاجرين، الذين اشتركوا في فتحها وعادوا إلى الحجاز، حقا في ملكيتها؛ ولذا سمح لهم بالهجرة إلى هذه الأراضي وامتلاكها، فثار عليه المقاتلة القدامى هناك. أمَّا المقاتلة القدامى في مصر، فقد تذمروا من سياسة توزيع الغنائم التي اتبعها والي عثمان الجديد، وهو عبدالله بن أبي السَّرح، وهو ابن عمّ عثمان وأخوه في الرضّاعة؛ إذ منح المقاتلة الجدد نصيبًا كبيرًا من الغنائم. ولم ينجح عثمان في إرضاء المقاتلة القدامى. وهناك رواية تتحدث عن مؤامرة حاكها عبدالله بن سبأ، وهو يهودي من أصل يمنيّ، تقول: إنه قد تجول في مدن الأمصار، قبل أن يستقرّ في مصر، محرضًا على عثمان، داعيا بالوصية إلى علي بن أبي طالب والقائلة بأنه وريث النبي (صلى الله عليه وسلم) الشرعي؛ أي يجب أن تعود الخلافة له منذ


*21*

(صورة لخريطة استعن بالمعلم)

خارطة الإمبراطوريَّة العربيَّة الإسلاميَّة خلال الفتنة على الخليفة عثمان بن عفّان (عن كتاب هشام جعيط، الفتنة: جدليَّة الدين والسياسة في الإسلام المبكِّر (بيروت، 1993)

شرح بواسطة المعلمة.


*22*

البداية (هذه رواية الإخباري سيف بن عمر التميمي التي يرفضها هشام جعيط ويقول: إن ما ذكره ابن سبأ عن (الوصية) هي موضوعات للتشيع العقائدي المقبل والمتأخر، من المستحيل تصورها في تلك المرحلة. ويضيف أن نقدا خارجيا وداخليا للروايات التي يرويها سيف وحده عن ابن سبأ، إنما يدل على أن هذا الشخص لو يوجد أبدا وأنه بدعة توهيمية من بنات الخيال. انظر كتابه الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، بيروت: دار الطليعة، 1993، ص 109. أمَّا الباحث المحدث محمد أمحزون فقد جعل دعوة ابن سبأ سببًا حقيقيا لقيام الفتنة على عثمان حتى إنه صدَّر هذا السبب قائمة الأسباب الحقيقية للفتنة على عثمان. انظر كتابه، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة: من روايات الإمام الطبري والمحدِّثين (الرياض، 1994)، ص 325-339). على كل حال، فقد ثار المقاتلة القدامى في مصر على عثمان، مع ثوار البصرة، والكوفة، كما أن سكان المدينة المنوَّرة، تذمروا من سياسة عثمان؛ إذ عابوا عليه معيشته المترفة، وقارنوا ذلك بمعيشة عمر بن الخطاب المتواضعة، فأجابهم عثمان: (يرحم الله عمر، ومن يطيق ما كان عمر يطيق (أي: أن يعيش عيشته المتواضعة)). ثم اخذ على عثمان مطاعن (أي: مآخذ) تعود بجذورها إلى الحوادث الواقعة في السنوات الست الأولى من خلافته، ولكن لم يعبَّر عنها إلا بالسنوات الست الأخيرة لخلافته، ومنها: تعيينه لأقربائه في الوظائف؛ حتى تسلطوا على زمام الأمور في عهده. وتوزيعه الأموال على أقربائه، وعزله لولاة عمر بن الخطاب، وتوليته من لم يصلح للولاية، وإسرافه في الإنفاق من أموال بيت المال، وجمعه القرآن الكريم على قراءة زيد بن ثابت، وإحراقه القراءات الأخرى للقرآن الكريم (مع أنَّ مصحف عبد الله بن مسعود لم يحرق)، وإحداثه الأذان الثالث يوم الجمعة، وتقديمه الخطبتين في العيدين على الصلاة، وغيرها من المطاعن والتي رفضها عثمان، حتى إن محمد بن جرير الطبري (ت. 31 / 923م)، وصف القائمين عليها ب (المنحرفين) (الطبري، م. س، ج 5، ص 336، 355-357؛ ثم جعيط، م.س.، ص 60-76. وقد رفض القاضي ابن العربي (ت. 468ه / 1090م) مآخذ منتقدي الخليفة عثمان معتبرا إياها ذريعة للفتنة عليه. أنظر كتابه العواصم دين القواصم: في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) (الدار البيضاء،1986)، ص 56، 60، 79، 63). ومن تلك المطاعن أيضا، تذمَّر بعض الصحابة من ممارسات عثمان وانتقالهم لها، منهم: أبو ذرٍّ الغفاريُّ؛ لأنه اتهم عثمان، بما كانوا يتهمونه به عمومًا، وبشكل خاصّ: تعيينه شبابًا في الوظائف الرسمية، وتمييزه أعداء النبي (صلى الله عليه وسلم) السابقين؛ وأضاف بأنه لا يجوز للأغنياء أن (يقتنوا مالا)، ثم عبد الله بن مسعود، وعمَّار بن ياسر، حيث نكَّل بهما بشدَّة (تقول روايات أخرى: إن أبا ذر نفى نفسه إلى الصحراء تخوفا من تكاثر البذخ واستفحاله. انظر جعيط، م.س.، ص 75-77). ويرى بعض


*23*

الباحثين المحدثين أن عثمان ذهب ضحية ظروف، لم تكن من صنعه، وإنما نتيجة تطور الأمَّة الإسلاميَّة، وتبدُّل ظروفها (عبد العزيز الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام (بيروت، 1961)، ص 57. هذا ويرفض هشام جعيط رأي الدوري أن الفتنة على عثمان تعبر عن صراع بين تيارين: إسلامي متجسد في الخليفة عثمان وقبلي، بدوي يمثله قاتلوه ويقول عنه: إنه تفسير خاطئ، والأرجح ان يكون العكس صحيحًا. انظر كتابه، م.س.، ص 67).

اجتمعت وفود الأمصار من الكوفة، والبصرة، ومصر، في موسم الحجّ في مكة. ثم عاتبوا الخليفة عثمان على سوء إدارته، وطالبوه بالإصلاح. حاصروا داره أربعين يومًا، ولم يكن بنيتهم قتله، بل كانوا يرغبون فقط بالضغط عليه حتى يتراجع ويسلم. في بداية الحصار، كاتبه مروان بن الحكم، فرفض؛ (تقول إحدى الروايات (وقد ذكرها أيضا محمد بن عمر الواقدي): إن الوفد المصري العائد إلى مصر ضبط رسولا للخليفة عثمان وهو يحمل رسالة إلى واليه في مصر يأمره أن يصلب زعماء الوفد المصري، أو يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم. فعادوا إلى المدينة وعاد معهم الوفد الكوفي والبصري، فقالوا لعثمان: كتبت فينا بكذا وكذا فأنكر ذلك وقال: ما كتبت ولا أمللت ولا علمت. فطلبوا من الخليفة عثمان أن يسلمهم كاتبه، وهو مروان بن الحكم، لاعتقادهم انه مسؤول عن كتابة الرسالة، فرفض. انظر الطبري، م.س.، ج 5، ص365، 36، 378-389. لكن في المؤرخ جعيط (إنه قد ثبت ضعف هذه الرواية ولذلك يجب إسقاطها ورفضها) (انظر كتابه، م.س.، ص 117) عندئذ طلبوا منه أن يخلع نفسه من الخلافة فأجابهم: (لا أخلع قميصًا قمَّصّنيه الله). (وفي رواية اخرى (لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله، أو لا انزع قميصا ألبسنيه الله (عزَّ وجلَّ) انظر الطبري، م.س.، ج 5، ص 383-388. وان صحت هذه العبارات يكون عثمان هو أول من وضع نظرية (التفويض الإلهي) في الدولة الإسلامية. والتي تعني اختيار الله تعالى له بالخلافة لا البشر). فحاصروا داره، ومنعوا عنه الطعام، والشراب، وحتى السماح له بالخروج للصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم). فتسور الثوار سور دار الخليفة عثمان وقتلوه، وهو يقرأ القرآن، في 18 ذي الحجة سنة 35ه / 17 حزيران 656م؛ وبذلك أصبح عثمان أوَّل خليفة، في الإسلام، يُقتل بسبب الخلافة. ودعيت حادثة مقتله في تاريخ الإسلام ب (يوم الدَّار)، ولقِّب بخليفة الباب المفتوح؛ لأن مقتله فتح باب الصراع بين المسلمين حول الخلافة، وكما قال الشهر ستاني (ت. 529 / 1135م): (وأعظم خلاف، بين الأمَّة، خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيفُ في الإسلام على قاعدةٍ دينيَّةٍ مثلما سُلَّ على الإمامة في كُلِّ زمان) (الشهر ستاني، الملل والنَّحل، ج 1، ص 24).

أسئلة:

1. ما هي أسباب الفتنة على الخليفة عثمان؟ اشرح.

2. ماذا كانت نتيجة الفتنة على الخليفة عثمان؟ وضِّح ذلك.


*24*

ب. 6. بيعة عليِّ بن أبي طالب (36-41ه / 656-661م):

كان علي بن أبي طالب قد رفض طلبا عمَّه العباس، بان يدخل على الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند اشتداد المرض عليه (صلى الله عليه وسلم)، ليجعل الخلافة في بني هاشم، قائلا: (والله لئن سألناها رسول الله (صلى الله عليه سلم) فمنعناها، لا يعطيناها الناس أبدًا، فوالله، لا أسأله أبدا) (ابن هشام، م.س.، ج 4، ص 223؛ احمد بن حنبل، المسند (شرح احمد محمد شاكر)، ج 2، حديث رقم 2374 (إسناده صحيح)). ومع ذلك اعتبر نفسه أحقّ المسلمين بالخلافة (راجع نصَّ الخطبة التي أوردناها سابقا)، لأنه ابن عمِّ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأوَّل من آمن به من الصبيان، وهو صهر الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ زوج بنته فاطمة، ومع ذلك لم يختر للخلافة ثلاث مرات. وعند مقتل الخليفة عثمان، بويع بالخلافة. وممن بايعه الأشتر النَّخعيُّ ومن معه، وهو ممن شملهم الطبري من بين (المنحرفين على عثمان)، (الطبري، م.س.، ج 5، ص 336-338. ومع ذلك فإن جعيط يعتبر الأشتر: من القوى الاجتماعية الأكثر اعتدالا، والأقل تورطا في قتل الخليفة عثمان) (انظر م.س.، ص 142) كما ذكرنا آنفًا، ولكل بيعة عليٍّ هذه، كانت (شرعيَّة، مبتورة، جراء رفض أغلبيَّة كبار الصحابة لها)، (جعيط، م.س.، ص 141-143) فقد تردَّد في بيعته بعض الصحابة؛ كسعد بن أبى وقَّاص، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، كما وكان بعضهم في الأمصار، كعمرو بن العاص، الذي كان في فلسطين يوم مقتل عثمان (عن قائمة الذين امتنعوا عن مبايعة علي انظر إحدى روايات الطبري، م.س.، ج 5، ص 453). كذلك لم تبايعه عائشة، أم المؤمنين، التي كانت في مكة ليالي حوصر عثمان، ولمَّا سمعت نبأ مقتله، قالت: (إن عثمان قتل مظلومًا)، فطالبت بدمه، والاقتصاص من قاتليه، وانضم إليها طلحة والزبير؛ لأن عليًّا كما تقول إحدى الروايات رفض تولية الأول الولاية على الكوفة، والثاني على البصرة. وقد طلبا أداء العُمْرة العمرة: زيارة الكعبة على مدار السنة عكس الحجّ المحدد موعده كل سنة)، فصدَّقهما علي وسمح لهما بالخروج إلى مكة، فانضمَّا إلى دعوة عائشة أمّ المؤمنين التي نادت بالاقتصاص من قتلة عثمان (ن.م.، ص 146). وقرَّر الجميع الانتقال إلى البصرة، فالتقى علي بهم في موقعه الجمل سنة 36ه / 656 م، وهي التي أسفرت عن مصرع طلحة، ثم الزبير؛ أمَّا عائشة، فقد أمر بإعادتها إلى المدينة معزّزةً مكرَّمةً.


*25*

والمشكلة الثانية التي واجهها علي بن أبي طالب، هي؛ رفض والي الشام، معاوية بن أبي سفيان، تنفيذ قرار الإقالة الذي كان قد أصدره إليه؛ لأنه من أقرباء الخليفة عثمان. وبدل ذلك قام معاوية بتحريض أهل الشام للأخذ بثأر الخليفة عثمان من قتلته، رافعا قميصه الملطخ بالدم، على المنبر، لتحريض مسلمي الشام عليه. فالتقى الطرفان في وقعه صيفين سنة 37ه / 657م. ولما كاد جيش علي أن ينتصر على جيش معاوية، أمر الأخير جنده، باستشارة عمرو بن العاص، داهية العرب، برفع المصاحف على أسنّة الرماح؛ طلبًا لتحكيم القرآن الكريم في النزاع بينهما.

قبل على مطلب معاوية بالتحكيم؛ ليجنح إلى السلم والعودة إلى تحكيم القرآن الكريم (جعيط، م.س.، ص 209 هناك رأي أخر رواه أبو مخنف، وهو شيعي، يقول: إن الإمام عليا قد أرغم لقبول التحكيم وقبول أبي موسى الأشعري حكمًا. انظر الطبري، م.س.، ج 5، ص 662-664) في هذا النزاع. فاختار أهل العراق وهم أتباع علي (الذي قبله مضطرًا)، أبا موسى الأشعري حكما من طرفهم؛ (اختار اهل العراق ابا موسى الأشعري رغم احتجاج علي إذ كان ابو موسى حياديا مما كرهه إلى علي وحجبه إلى أهل العراق وقال علي: (إذا، وقعنا فيما حذرنا منه). انظر يوليوس ولهاوزن، الخوارج والشيعة: المعارضة السياسية الدينية، ترجمة عبد الرحمن بدوي (القاهرة، ب.ت) أمَّا معاوية فاختار عمرو بن العاصر مندوبه في عمليَّة التحكيم. فاجتمع الحكمان في أدرح (وهي بين البتراء ومعان في شرقي الأردن)، أو دومة الجندل (وهي جوف في الصحراء السوريَّة)؛ أمَّا نتيجة التحكيم فتشير المصادر العراقيَّة الشيعيَّة عن حصول خدعة حاكها عمرو بن العاصر لأبي موسى الأشعري؛ بأن قدَّمه عنه ليعلن ما اتفقا عليه من التحكيم وهو أن يخلع (أي: يعزل) كل واحد صاحبه، فيرجع أمر اختيار الخليفة إلى الأمَّة. فأعلن أبو موسى الأشعري عن خلع عليٍّ، ثم تقدم بعده عمرو بن العاصر فخلع عليًّا، وثبَّت معاوية للخلافة (مع أن عليًّا كان هو الخليفة؛ أمَّا معاوية، فكان واليًا؛ لكنه أقرب المطالبين بدم الخليفة عثمان (أي: الوليّ)، فله بذلك السلطان أي الخلافة) (استند معاوية في حقه بالخلافة، بعد مقتل الخليفة عثمان، إلى الآية الكريمة (ومن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا) (سورة الإسراء 17:33). (الولي هو: من تقع عليه مسؤولية الأخذ بالثأر، ويكون اقرب الأشخاص من اسرة المقتول)). هذا ولا نعرف ماذا تقول الرواية، الشاميَّة (أي: أتباع معاوية) عن ذلك. ومهما يكن، فقد حصل انشقاق في صفوف جند الخليفة عليّ، إذ خرج عنه اثنا عشر ألقا من الجند، والتجأوا إلى حروراء (وهي


*26*

قرية قرب الكوفة، في العراق)، وأمَّروا عليهم زعيمهم عبد الله بن وهب الراسبي، وهم الذين أصبحوا يعرفون في تاريخ الإسلام بالخوارج (أنظر السطور القادمة). فاضطرَّ الخليفة عليّ إلى محاربة الخوارج؛ فاشتبك معهم في موقعة النَّهروان وهزمهم، إلا أنه لم يقض عليهم تمامًا. وكانت نهايته على يد احدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم، فقد اغتاله بينما كان يهمُّ لدخول مسجد الكوفة للصلاة. ومرقده المقدس في النَّجف الأشرف (في العراق). وبمقتل الخليفة عليٍّ، مُهِّدت الطريق أمام تولِّي معاوية الخلافة. وقد حدث ذلك بعد أن تنازل الحسن ابن عليّ لمعاوية عن حقّه بالخلافة، فيما عرف في تاريخ الإسلام بعام الجماعة أي: عام 41ه / 661م، لاجتماع كلمة المسلمين لأول مرة بعد مقتل الخليفة عثمان. هكذا أصبح معاوية أوَّل خليفة أموي، وانتهى عهد الخلفاء الراشدين وبدأ بذلك عهد الدولة الأمويَّة التي حكمت في الفترة: 41ه-132ه / 661 م-750م.

ب. 7. التوريث: ظهرت هذه الطريقة في تعيين الخليفة بظهور بني أميَّة، وكان معاوية أول من اتبعها. وقد أثِر عنه أنه قال: (أنا أوَّل الملوك) عملا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فيما رواه عنه مولاه سفينة أبو عبد الرحمن: (الخلافة في أمَّتي (وفي رواية أخرى خلافة النُّبوَّة) ثلاثون عامًا، ثم مُلكًا بعد ذلك) (انظر مسند الإمام احمد بن حنبل، ج 4 (بيروت، ب.ت.)، ص 221). لكن خصوم بني أميَّة أطلقوا عليهم لقب (الملوك)؛ لأنه يحمل صفة الاستبداد والطغيان، وهو من ألقاب حكام الأعاجم. واستدلوا بذلك بأن معاوية قضى على نظام الشورى، الذي كان أساس انتخاب الخلفاء الراشدين؛ ليحلَّ محله نظام التوريث، المعمول به بالنظم البيزنطيَّة والساسانيَّة. وهدف في خطوته هذه إلى تفادي الخلاف على الحكم بعد موته، فورَّثه لابنه يزيد، وطالب بمبايعته؛ كما ويستدل بعض المؤرخين على وصف حكم الخليفة معاوية بالملك (إضافة إلى تغييره نظام الشورى)؛ بتغييره لبساطة الخلافة الراشديَّة؛ إذ أقام لنفسه قصر الخضراء، والمقصورة في المسجد ليصلي فيها؛ ثم اتخذ الشرطة لحراسته؛ ووضع الحاجب على قصره، بعد محاولة اغتياله الفاشلة. وهذا كله (بما في ذلك التوريث) لم يحصل في الخلافة الراشديَّة (انظر مميزات الخلافة الأمويَّة، فيما


*27*

بعد) ولذلك فإنَّ العصر الأمويّ كان عصر انتقال من طور الانتخاب، إلى طور الوراثة المطلقة، كما هي الحال في الأنظمة الملكيَّة في الشرق القديم (انظر ابن خلدون، م.س.، ص 203-208).

وسار خلفاء الدولة العباسيَّة (132-656ه / 750-1258م)، على مبدأ التوريث الأموي، حتى إنهم بالغوا في ذلك بتوليه عهدهم اثنين، بل ثلاثة. وكان رجال الدولة ينقسمون بين ولاة العهد كل يناصر صاحبه. وفي هذه الأحوال كثرث الدسائس، والمؤامرات التي حيكت في بلاط الخلفاء، وتدخلت النساء في تولية العهد. فهذه الخيزران، زوج الخليفة المهدي (خلف 158-169ه / 775-785م)، ووالدة الخليفة الهادي قد استمرت في خلافة الأخير، كعادتها في خلافة زوجها المهدي، تتدخل في شؤون السياسة، والإدارة: (تأمر وتنهى وتشفع، والمواكب تروح وتغدو على بابها) (ابن الطقطقى، م.س.، ص 191). ولما منعها الهادي (أمرت جواريها بقتله؛ فجلسوا على وجهه حتى مات. وقيل: بل السبب أن الهادي عزم على خلع أخيه هارون الرشيد، والبيعة لابنه جعفر؛ فخافت الخيزران على هارون، وكانت تحبه، ففعلت بالهادي ما فعلت) (ن.م.).

واستمرت طريقة ولاية العهد زمن الخليفة هارون الرشيد (خلف 170-193ه / 786-809م)، فقد قسم الدولة بين أولاده الثلاثة؛ فجعل الأمين على العراق، والمأمون على خراسان، والمؤتمن (المعتصم بالله) على الجزيرة الفراتيِّة؛ وعهد بالخلافة إلى الأمين (خلف 193-198ه / 809-813م) ثم المأمون (خلف 198-218ه / 813-833م)، ثم المعتصم بالله (خلف 218-227ه / 833-842م)، على التوالي. إلا أن الحرب الأهليَّة نشبت بين الأخوين: الأمين والمأمون؛ لأن الأمين حاول تولية ابنه موسى ولاية العهد؛ فحاصرت قوات المأمون العاصمة بغداد مدة أربعة عشر شهرا؛ فكان من نتائج هذا الحصار أن نُكبت المدينة نكبة عظيمة؛ فخرِّبت أحياء برمَّتها في القسم الغربي من المدينة، وأحرقت دور الحكومة، وقصور الأمين خاصَّة. وثار سكان بغداد ضد محاولة المأمون نقل العاصمة إلى مرو (في خراسان)، فاضطر الحضور إلى بغداد سنة 204ه / 819م.


*28*

ب. 8. شروط الخلافة:

الخلافة، إمَّا أن تكون (إختياريَّة)، أو (قهريَّة). ففي الاختياريَّة، يتم اختيار الخليفة عن طريق الأمَّة، وبيعتها، ورضاها، وتسمى أيضًا بالخلافة الصحيحة. وعندها يشترط في من يكون مستحقا لها، أن تتوفر فيه الصفات التالية:

1. العِلم، أي: أن يكون ذا عِلمٍ، يستطيع بواسطته أن يجتهد رأيه.

2. العدالة، أي: أن يكون المرشح للخلافة مستقيمًا في حياته، وسيرته الشخصيَّة، متجنبًا للمعاصي.

3. الكفاية، أي: أن يكون قادرًا على إقامة حدود الله (ما نصَّ عليه القرآن الكريم من أحكام)، وقادرًا على القيام بالحروب، وصاحب رأي وتدبير (أي: التفكير في عواقب الشيء).

4. سلامة الحواس والأعضاء: أي: أن يكون سليم الحواس، والأعضاء، لأن فقدان البصر، أو اليدين، أو الرجلين؛ يمنع تسلم الخلافة، أو الاستمرار بها.

5. النسب، وقد اختلف المسلمون حول هذا الشرط؛ هل يكون الخليفة من قريش فقط، أم من بني هاشم (أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم)، أم من كافة المسلمين دون تمييز؟ وفي سقيفة بني ساعدة، حسم الخلاف في مسألة النسب، بأن اقتصِرَ على قريش؛ وذلك بفضل اختيار أبي بكر.

أمَّا الخلافة القهريَّة: فهي، التي حصلت بالقوة، وتدعى (الناقصة). ويرى بعض الفقهاء جواز انعقادها، ولزوم الطاعة لصاحبها؛ حقنًا للدماء، كي لا تؤدي الى فتنة بين المسلمين.

ب. 9. البيعة: وتعني الطاعة، من جانب المسلمين، لشخص خليفة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، الذي دعا القرآن الكريم إلى طاعته؛ وأن عقدا قد تم بينه وبينهم، بمقتضاه يتولى الحكم برضاهم. وقد عرَّفها ابن خلدون بقوله: هي (العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يُسلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه، فيما يكلِّفه به من الأمر على المُنشِط (أي: المحبوب عند الله سبحانه وتعالى)، والمكره (أي: مكروه عن. الله سبحانه وتعالى)، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد،


*29*

فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسميت (بيعة) مصدر (باع)، وصارت مصافحة بالأيدي) (انظر المقدمة، ص 209).

كانت البيعة تتم عن طريق المصافحة، أو القسم، تأكيدا للطاعة؛ ونؤخذ في مسجد المدينة المنوَّرة من وجوه أهلها؛ ثم يُرسل الخبر إلى الأمصار؛ للحصول على الموافقة قبل توليته؛ ثم تجدَّد عند توليه منصبه. وكانت تُستخدم في أخذها وسائل الترهيب، والترغيب؛ أمَّا في العهد العباسي، فقد دخلت البيعة تقاليد وعادات غريبة عن الإسلام، تشبه ما كان عند الفرس، والبيزنطيين؛ فقد كان الخليفة يتزيا بعمامة مزدانة بالجواهر، شبيهةٍ بالتاج؛ فيبايعه الناس بتقبيل الأرض، أو اليد، أو الرِجل، أو الذيل (أي: الثوب)؛ في حفل يحضره جميع المسؤولين في الدولة. وكانت بيعة الخليفة تُعلن في المساجد؛ ولاسيَّما في الحرمين الشريفين - مكة والمدينة.

ب. 10. ألقاب الخليقة:

تقسم الألقاب، التي عرف بها رئيس الدولة الإسلاميَّة، إلى قسمين: ألقاب رسميَّة عامَّة، وأخرى رسمية خاصَّة.

أ. الألقاب الرسميَّة العامَّة:

1. الخليفة: أوَّل من لُقّب بذلك هو أبو بكر الصديق، وقد قيل: إنه دعي أوَّلًا (خليفة الله)، فكره ذلك، ونهى عنه، وقال: (لست خليفة الله، ولكنني خليفة رسوله). وعن هذا انبثقت في العصر العباسي، ألقاب أخرى مثل: (ظلُّ الله)، وسلطان الله، وخليفة الرحمن، وأمين الله، وحُجَّة الله وغيرها.

ب. الألقاب الرسميَّة الخاصَّة:

انفرد الخلفاء العباسيون، دون غيرهم من خلفاء الدولة الإسلاميَّة، باتخاذ القاب خاصَّة اشتهروا بها، مثل: السفَّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والمأمون، والأمين


*30*

والمعتصم، وغيرها. وقد أضافوا الى غالبيتها اسم الجلالة (الله، مثل: المعتصم بالله)، بهدف إضفاء الصفة الثيوقلراطية عليها (أي: الحكم الديني).

2. أمير المؤمنين: كان عمر بن الخطاب أوَّل من لُقِّب بأمير المؤمنين، إذ بعد موت أبي بكر، قيل لعمر: خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال المسلمون: فمن جاء بعده، قيل له: خليفة، خليفة، خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيطول هذا، فقال بعض الصحابة: (نحن المؤمنون وعمر قائدنا)، فلُقِّب (أمير المؤمنين). وكانت كلمة (أمير) عند عرب الجاهلية تعني: (قائد الجيش).

3. الإمام: كان عليّ بن أبي طالب، أوَّل من لُقِّب بهذا اللقب، وهو يحمل الصبغة الدينيَّة؛ لأنه يعني إمامة المسلمين في الصلاة؛ ولهذا دُعيت الخلافة بالإمامة الكبرى، تمييزًا لها عن إمامة الصلاة التي دعيت بالإمامه الصغرى. وقد اكثر الشيعة، بالذات من استعمال هذا اللقب ليؤكِّدوا على الصبغة الدينيَّة للمنصب، وأن لا دخل للأمة في اختيار الإمام، فهو يولَّى من قِبَل سابقه، وحسب النّص والتعيين (نظر نظريتهم في الخلافة، فيما بعد).

ب. 11. صلاحيَّات الخليفة:

كان تصرّف الخلفاء في أمور الدولة يكاد يكون مطلقًا في بعض الأحيان؛ يستثنى من ذلك الخلفاء الراشدون، ومن قلدهم من الخلفاء الأمويِّين والعباسيين. لكن ما يقيِّد صلاحياته هي أحكام الشريعة الإسلاميَّة، فهو مقيّد بتطبيقها، وتشمل صلاحياته هذه: الأمور الدينيَّة والدنيويَّة، في أنٍ واحدٍ، وتتلخص في:

1. حفظ الدين: فالخليفة يأخذ المسلمين بإقامة الصلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وتسيير الحجيج، ويعاقب المُرتدِّين، والبغاة، ويدعو إلى الجهاد في سبيل الله، ويعزِّر الدين وأهله.

2. إقامة حدود الله، والقضاء، أي: إنزال العقوبات بمستحقيها بموجب حدود الله، التي نصَّ عليها القرآن الكريم، وفصل الخصومات التي تنشأ بين الناس في القضايا المدنيَّة. فكان الخليفة يتولَّى تنفيذ ذلك بنفسه في مركز الخلافة، وينوب أمراؤه عنه في الأمصار.


*31*

3. الأمن، والدفاع: كان الخلفاء يهتمون بتنظيم قوى الحرس، والشرطة التي تسهر على الأمن في الداخل، ويبذلون قصارى الجهد في ترتيب الجيوش وتجهيزها وتحصين الثغور (أي: الحصون على الحدود) بالعُدَّة، والعدد، وقيادة جهاد أعداء المسلمين. وكان الخليفة هو القائد الأعلى لقوى الأمن والدفاع، يولي القواد ويعزلهم ويعين لهم أماكن الغزو. وربما أشار عليهم بالخطط التي يجب اتباعها في السير والنزول وحرب الأعداء. كما يُعنى بتوفير أرزاق الجيش وما يلزمه.

4. جباية الضرائب وإنفاقها: كان الخليفة يهتم بأمر فريضة الزَّكاة وجباية الضرائب (أنظر فصل ماليَّة الدولة الإسلاميَّة)، وينفقها في الوجوه التي يراها، دون أي رقيب عليه سوى أحكام الإسلام والرأي العام أحيانًا.

5. تعيين موظفي الدولة: يحق للخليفة تعيين الموظفين، كبيرهم وصغيرهم، ثم إقالتهم. وربما جعل تولية صغار الموظفين للكبار منهم، كالوزراء والولاة والقضاة، غير أن هذا لا يمنع الخليفة من حق عزلهم متى شاء.

6. الإشراف على أعمال الدولة: كان الخلفاء الأوائل يشرفون على أعمال الدولة، من حاضرة الخليفة، ويستعينون بالبريد لمعرفة ما يجري في الأمصار. ولكنَّ العباسيين، حين أحدثوا منصب الوزارة، ترك كثير منهم تدبير شؤون الدولة للوزراء.

ب. 12. حقوق الخليقة:

تتلخص هذه الحقوق في: طاعته بالمعروف، ونصرته فيما يراه ويأمر به، وتعيين راتب له يكفيه للمعيشة هو وأهله، معيشة كريمة من غير بخلٍ، أو تبذير.

ب. 13. مدة خدمة الخليفة: تكون مدة خلافة الخليفة مدى الحياة ولكن هناك حالات حدَّدها المُشرّع المسلم لانتهاء مدته هذه، وهي:

1. الموت: إذ عندما يموت الخليفة ينتهي عقد الخلافة.

2. التنحي أو الاستقالة: يحق للخليفة وحده أن يتنحى، أو يستقيل عن الخلافة.


*32*

3. السقوط أو العزل: وهي على نوعين:

أ. لأسبابٍ؛ معنويَّةٍ، مثل: 1. الارتداد عن الإسلام. 2. فقد صفة العدالة بالفسق: إمَّا الفسق الظاهر على سلوكه الخارجي، أو الفسق المعنوي، أي فقدانه للعدالة (في سيرته الذاتية)، أو تجاوز سلطته وخروجه عن الأصول الشرعيَّة.

ب. لأسبابٍ جسمانيَّةٍ، مثل:

1. فقد أحد الحواس، كفقد العقل، أو البصر (البصر في العينين الإثنتين معًا).

2. فقد الأطراف، مثل: اليدين، أو القدمين: لكونه عائقًا كاملًا عن العمل، أو الحرية.

3. فقد حرية التصرف: بأن يكون خاضعًا لإرادة أخرى غير إرادته ولذلك تسقط ولايته، أو أن يكون مأسورًا في يد عدوٍ قاهرٍ لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع ذلك عقد الخلافة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين.

ب. 14. الخلافة الراشديَّة ومميزاتها (11-41ه / 632-661م):

كانت خلافة أبي بكر قصيرة الأمد (خلف 11-13ه / 632-634م)، شغلته فيها حروب الرِّدَّة؛ إذ عقب وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ارتدَّت غالبيَّة القبائل العربيَّة عن الإسلام، لأسبابٍ، منها: أ. اتباع بعضهم للأنبياء الكذبة الذين أدَّعوا النبوَّة منذ زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقادوا قبائلهم، ب. عدم اعتراف بعض القبائل بزعامة قريش في الإسلام، أو زعامة أبي بكر، ت. اعتبار أنَّ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، نهاية لاتفاقهم معه. ث. امتناع بعض القبائل دفع فريضة الزَّكاة؛ إذ اعتبرتها أتاوة (أي: ضريبة) مهينة لها. ومع أنهم يقرُّون بالشهادتين أي أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله - إلا أن أبا بكر اعتبرهم ضمن المرتدِّين.

أصرَّ أبو بكر على طلب الإذعان والخضوع من المرتدِّين، ولمَّا رفضوا وجَّه أحد عشر قائدًا لمقاتلتهم، استطاعوا أن يقضوا على القبائل المرتدَّة، بعد أن رفضت نداء قادة الجيش بالرجوع إلى حظيرة الإسلام دون قيد، أو شرط، وقد انتشر الإسلام نتيجة هذه الحروب إلى مناطق من الجزيرة العربيَّة لم يدخله زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم).

وبعد القضاء على المرتدين، وجه أبو بكر قوى المسلمين إلى الفتوحات الكبرى، إلى الهلال الخصيب، الذي تقاسمته آنذاك الإمبراطوريتان: البيزنطيَّة والساسانيَّة، فسيطرت


*33*

الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة على بلاد الشام (أي: سوريا الكبرى)، وعلى مصر، أمَّا الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، فسيطرت على العراق العجمي والعربي.

إن توجيه أبي بكر للجيوش الإسلاميَّة لغزو هاتين الإمبراطوريتين، في آنٍ واحدٍ، ليدل على حُسن سياسته وقوة عزيمته؛ إذ كانت هاتان الإمبراطوريتان في مرحلة من الضعف والإنهيار لاستبداد الحكام، والخلافات الدينيَّة، والتنافس على الملك فيهما، فضلا عن الصراع المستمرّ بينهما.

وفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب (خلف 13-23ه / 634-644م)، تقرَّر مصير الإمبراطوريتين، فالساسانيَّة منهما قد تقرر مصيرها في ثلاث معارك مشهورة: 1. معركة الحيرة، سنة 12ه / 633م، التي قرَّرت مصير إقليم العراق العربي. 2. معركة القادسيَّة، سنة 16ه / 637م، قرَّرت مصير العراق العجمي. 3. ومعركة نهاوند، سنة 21ه / 642م، قرَّرت مصير الهضبة الإيرانيَّة المركزيَّة. ثم واصل الخلفاء، فيما بعد، فتوحاتهم داخل فارس شمالا أمَّا الجزء البيزنطي، من الهلال الخصيب، فحُسم مصيره في معركة اليرموك، سنة 15ه / 636م. إذ ودَّع هرقل، على أثرها، سوريا، قائلًا: (عليك السلام يا سوريا، سلامًا لا اجتماع بعده). كما فتح عمرو بن العاص مصر؛ التي كانت تحت سيطرة البيزنطيين.

هكذا، وفي أقل من عشر سنوات، على موت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أصبحت الدولة، التي أقامها (صلوات الله عليه) في الجزيرة العربيَّة، إمبراطورية شملت: بلاد الشام، والعراق، وفارس، ومصر، وكان يقودها أعظم شخصية عربية بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، هو: الخليفة عمر بن الخطاب.

ثم استمرَّت عمليَّة الفتوحات زمن الخليفة عثمان (خلف 23-35ه / 644-656م) حتى وصل مداها إلى حدود الهند شرقا، ونهر جيحون، والحدود الروسيَّة شمالا، وحتى تونس غربًا. وفي هذه الفترة انتزع العرب السيادة البحرية على البحر الأبيض المتوسط من أيدي البيزنطيين؛ بعد إندحار اسطولهم على يد الأسطول العربي الإسلامي في موقعة (ذات السواري) (وتكتب أيضا: الصواري) سنة 34ه / 655م.


*34*

أمَّا على الصعيد الداخلي، فقد شغل الخليفة عثمان، آخر خلافته، في الفتنة (كما أوضِّحنا سابقًا)، والتي أودت بحياته. هذا ولم يكن خليفته؛ على بن أبي طالب بأحسن حظ منه؛ إذ شغل في القضاء على فتنة طلحة والزيف (في وقعة الجمل)، وفي محاربة الوالي معاوية بن أبي سفيان (في وقعة صفِّين)، فهذه الأسباب جميعا ساعدت على التراجع في عملية الفتوحات.

ب. 15. مميِّزات الخلافة الرَّاشديَّة:

كانت حياة العرب في صدر الإسلام، بسيطة وادعة، لقربهم من عهد النبوَّة، ولعدم اختلاطهم الكبير بسكان البلاد المجاورة، فعكس ذلك كله على مميزات منصب الخليفة الراشدي، وهي:

1. إنَّ انتخاب الخلفاء الراشدين كان يتمشى مع مبدأ الشورى، الذي جاء به القرآن الكريم، واشارت إليه السُّنَّة النبويَّة، ولا أثر فيه للوراثة، كما أن تصرفات الخلفاء الراشدين كانت تخضع للشُّورى.

2. لم يحاول أحد من الخلفاء الراشدين أن يجعل الخلافة وراثية، حتى إنَّ عمر بن الخطاب، لما رأى أن يكون ابنه عبدالله مع الستة الذين عينهم ليختاروا احدهم خليفة، لم يجعل له إلا المشورة فقط، لا الترشح للاختبار.

3. كان الخليفة عقب انتخابه يخطب في الناس مبينًا لهم منهجه في الحكم، وسياسته التي قرر السير عليها.

4. لم يكن الخليفة مقيَّدًا برأي من يستشيرهم؛ لكنه كان ينزل عند رأي المسلمين في كل أمر، ليس فيه نصّ في القرآن الكريم، أو السنَّة النبويَّة.

5. كانت سلطة الخليفة مقيَّدة بالعمل بما في كتاب الله، وسنَّة رسوله، وفي رضاء الأمَّة.

6. إنَّ بقاء الخليفة في منصبه غير مقيَّد بمدة زمنيَّة محدودة، كما هي الحال في منصب رئيس الجمهورية في أيامنا (راجع عن مدة حكم الخليفة)

وعلى العموم، كانت الخلافة، في العهد الراشدي، حكومة (ديموقراطيَّة)، فالخليفة يعتبر نفسه مثل أيِّ واحدٍ من المسلمين، يجلس معهم، ويختلط بهم، ويستطيع أي فردٍ منهم أن


*35*

يتحدث إليه في كل ما يريد. وحياته، كحياة غيره من المسلمين في غاية البساطة، بعيدة عن أبَّهة الملك ومراسيمه. وكان لا يقطع رأيًا دون استشارة كبار الصحابة (أنظر نص رقم 10).

ب. 16. الخلافة الأمويَّة ومميزاتها (61-132ه / 661-750م):

كان بنو أميَّة سادة قريش في الجاهليَّة؛ وقاوموا الإسلام عند ظهوره أشدّ مقاومة، وعلى رأسهم والد معاوية، وهو مؤسس هذه الدولة (خلف 41-61ه / 661-680م)، وهو أبو سفيان. ولما يئسوا من المقاومة أسلموا عقب فتح مكة سنة 8ه / 630م. لذلك عرفوا بالطُّلقاء، لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أطلق سراحهم من العقاب، كباقي أعدائه من القرشيين بعد فتح مكة، قائلا لهم: (إذهبوا فأنتم الطلقاء). وقد حسُن إسلامهم، فقد كان يزيد، وهو الابن الأكبر لأبي سفيان، أحد قادة فتوح الشام؛ أمَّا أخوه معاوية، فقد كان أحد كتبة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومن الصحابة الذين رووا أحاديث يسيرة عنه (صلوات الله عليه).

حكم هذه الدولة أربعة عشر خليفة (أنظر ملحق رقم 2) كان أشهرهم المؤسس الأول: معاوية، ثمَّ عبد الملك بن مروان (خلف 65-86ه / 685-705م)، الذي يعتبر المؤسس الثاني للدولة الأمويَّة، ثم الوليد بن عبد الملك (خلف 86-96ه / 705-715م)، وعمر بن عبد العزيز (خلف 99-101ه / 717-720م)، وابن آخر لعبد الملك، هو: هشام (خلف 105-125ه / 724-743 م) (إضافة إلى يزيد وهشام، هناك ولدان آخران لعبد الملك تقلدا الخلافة، هما: سليمان (خلف 96-99ه / 715-717م)، ثم يزيد الثاني (خلف 101-105ه / 720-724م). ولهذا لقب عبد الملك ب (أبو الملوك)).

نجح معاوية في أن يوطِّد الخلافة؛ ويحولها وراثيَّة بفضل براعته السياسيَّة، واستخدامه أسلوب التسامح تارة، والحزم تارة أخرى مع خصومه، وقد لخَّص هو نفسه سياسته هذه عندما قال: (لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنَّ بيني وبين الناس شعرةً ما انقطعت، إذا مدّوها خليتها، وإذا خلّوها مددتها). (فيليب حتِّي، تاريخ العرب (المطوَّل) (بيروت، 1965)، ص 260). ثم اعتمد على ثلاثة من دهاة العرب: زياد بن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شُعبة.


*36*

وتولى الخلافة بعد معاوية ابنه يزيد (خلف 60-64ه / 680-683م)، ومن أبرز الأحداث في عصره، كان مقتل الحسين بن علي في كزبلاء، (تقع على بعد خمسة وعشرين ميلًا الى الشمال الغربي من الكفة - في وسط العراق) سنة 61 / 680م، إذ كان قد رفض مبايعة يزيد، ثم انتقل إلى العراق، حيث أنصاره هناك.

مرقدا الإمامين: الحسين بن عليّ والعباس بن عليّ (عليهما السلام) في مدينة كربلاء العراق

يوجد صورة، شرح بمساعدة المعلمة.

وعلى أثر مقتل الحسين، بقي عبدالله بن الزبير المنافس الوحيد ليزيد، فبايعته الحجاز بالخلافة؛ ولهذا وجه يزيد جيشًا لمقاتلته؛ فاستطاع هذا الجيش احتلال المدينة بعد موقعة الحرَّة 63ه / 683م، واستباحها الجند مدة ثلاثة ايام. توجه بعدها لمحاصرة مكة، حيث عبدالله يتحصَّن فيها؛ إلا أن موت يزيد المفاجئ خلص المدينة المقدسة من نفس المصير الذي تعرَّضت له مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم).

واشتدَّ أمر عبدالله بن الزبير؛ فبويع بالخلافة في الحجاز، ثم في العراق، وجنوب الجزيرة العربيَّة، وحتى بعض أنحاء الشام. فكانت إحدى المهام الملقاة على عاتق الخليفة الجديد، أي: عبد الملك بن مروان، هي: إعادة سيادة بني أميَّة على هذه المناطق. وبالفعل نجح بالقضاء


*37*

على مصعب أخي عبدالله بن الزبير الذي عيّنه واليًا على العراق. ثم سيّر قائده المشهور، الحجَّاج بن يوسف إلى الحجاز، فاحتل مكة سنة 72ه / 692م بعد أن ضربها بالمنجنيق، وقتل عبدالله بن الزبير، ثم قضى على ثورات العلويِّين والخوارج في العراق.

وبعد خلافة يزيد بن معاوية، تولى ابنه معاوية الثاني الخلافة عام 64ه / 684م؛ لكنه تنازل عنها في العام نفسه؛ فاجتمع بنو أميَّة في مؤتمر الجابية (من أعمال حوران - سوريا)، وبايعوا مروان بن الحكم بالخلافة. فانتقلت بذلك الخلافة، من الفرع السفياني، إلى الفرع المرواني.

عيَّن مروان بن الحكم (خلف 64-65ه / 684-685م) ابنه عبد الملك خليفة. وفي عهده، وعهدي ولديه: الوليد، وهشام، بلغت الدولة الأمويَّة أوج عزها ومجدها؛ وقد وصلت حدودها شرقًا حتى الحدود الصينيَّة. وعند نهر سيحون، اصطدم الجيش الإسلامي بحركة التوسع الصينية، في معركة طلس (التي حدثت بعد سقوط الدولة الأمويَّة بسنة أي سنة 133ه / 751م)؛ الحدّ الفاصل بين منطقة نفوذ الإسلام، ومنطقة نفوذ الصينيِّين، على جانبي جبال ألتاي؛ أمَّا على الجبهة البيزنطيَّة، فلم يتجاوز الفتح الإسلامي جبال طورس، ولا بعض المقاطعات الأرمنية؛ ومع ذلك فقد استمرت غزوات الجيش الإسلامي داخل الحدود البيزنطيَّة، وقد نظِّمت في فصلين: الصيف، والشتاء؛ ولهذا دعيت بالصوافي لأنها تجري وقت الصيف، والشواتي، لأنها تجري وقت الشتاء. كما قام الأمويون في ثلاث محاولات فاشلة لفتح العاصمة البيزنطيَّة (القسطنطينيَّة) بحرًا.

وأمّا على الجبهة الغربية، فقد وصل نفوذ الإسلام بفضل القائد عقبة بن نافع حتى شاطئ المحيط الأطلسي. ثم فتح طارق بن زياد اسبانيا سنة 92ه / 711م، ودعاها العرب باسم (الأندلس)، نسبة إلى المقاطعة الجنوبية المعروفة باسم (فاندلوسيا). وثمَّ واصل الجيش الإسلامي زحفه شمالا، حتى جبال البرانيس؛ وقام بشن غارات داخل حدود الدولة الفرنجيَّة؛ فمني بهزيمة أمام القوات الفرنجيَّة بقيادة شارل مارتل (المطرقة)، وذلك في موقعة بين تور وبواتيه سنة 114ه / 732م، وهي التي دعاها العرب باسم (بلاط الشهداء). وكان هذا أقصى حدٍّ وصلت إليه القوات الإسلاميَّة داخل أوروبا.


*38*

كان هشام بن عبد الملك آخر أعظم خلفاء الدولة الأمويَّة، وبموته سنة 125ه / 743م، دبَّ الضعف، في الدولة؛ فسقطت في عهد مروان بن محمد، آخر خلفاء هذه الدولة. وقد وصفت فترة خلافته بأنها أيام فتن وفوضى؛ ولم تطل أيامه حتى هزمته الجيوش العباسيَّة، في موقعة الزَّاب سنة 132ه / 750م؛ وتعقبت أثره؛ فقتل بقرية اسمها بوصير، في صعيد مصر.

ب. 17. مميزات الخلافة الأمويَّة:

1. أصبحت الخلافة في هذا العهد أقرب إلى السياسة منها إلى الدين؛ واستحالت إلى ملك؛ فأصبح الخليفة يعين ولي عهده، ويأخذ البيعة له من وجوه الناس، وكبار القواد في حضرته، كما وتؤخذ في الأمصار بحضور الوالي، نيابة عن الخليفة (عن تحوُّل الخلافة الأمويَّة إلى الملك انظر ابن خلدون، م.س.، ص 203-208؛ أمَّا الشيخ احمد حسن الباقوري، فيقسم الخلافة إلى ثلاثة أطوار: الخلافة الراشدة، والملك العضوض، والعصبية الجامحة. ويقصد بالأول خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، والثاني، فخلافه الأمويين، وأمَّا الثالث، فخلافه العباسيين. انظر كتابه مع القرآن (القاهرة، 1970)، ص 14-22).

2. ابتعدت عن البساطة، التي تحلت بها خلافة الراشدين، وأخذ الخلفاء الأمويون (عدا عمر ابن عبد العزيز) يظهرون بمظاهر الأبَّهة، على غرار الملوك. وكان معاوية أول من:

أ. اتَّخذ السرير للملك، وهو سرير يجلس عليه الخليفة على طريقة حكام الفرس.

ب. أقام الشرطة لحراسته؛ مع العلم أنه لم يكن للخلفاء الراشدين حرس خاص.

ت. اتَّخذ المقصورة في المسجد خوفًا على حياته؛ فأصبح يصلي منفردًا عن المصلين في المسجد، فإذا سجد قام الحرس على رأسه رافعي السيوف.

ث. احتجب عن الرعية، إذ وضع على باب قصره موظفا سمي (الحاجب) (أنظر موضوع الحجابة لاحقا)، يأذن بالدخول لمن يرغب فيه الخليفة.

اعتبر الأمويون الخلافة مؤسسة مقدَّسة، مصونة بحفظ الله، وحماية رسوله (صلى الله عليه وسلم)؛ وأنها وسيله لإحقاق الحقِّ، والعدل، وتطبيق الشريعة، ورعاية المصالح العامّة للمسلمين؛ ويتبع هذا طاعة الخليفة الأموي، ومعناها طاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم). فالثورة عليه تعني معصية الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).


*39*

ب. 18. الخلافة العباسيَّة ومميزاتها (132-656ه / 750-1258م):

ينتسب العباسيّون إلى العباس عمِّ النبي (صلى الله عليه وسلم). وقد طالبوا بالخلافة لآل البيت؛ واستقطبوا لأجل ذلك جميع العناصر المستاءة من الحكم الأموي، ولاسيَّما الموالي من الفرس (اعتقد عدد من المؤرخين أن الدولة العباسيَّة قامت على أكتاف الفرس. انظر حسن إبراهيم حسن، النظم الإسلامية، ص 49؛ الرفاعي، النظم، ص 36؛ الصالح، النظم، ص 962؛ حتى، تاريخ العرب، ج 1، ص 35، ص 358، لكن البحث الحديث اظهر خطأ هذا الاعتقاد وكان منبع خطأ المؤرخين هذا في تفسير عبارة (أهل خراسان) على أنهم الفرس، والصحيح أنهم العرب المقاتلة الذي استوطنوا إقليم خراسان بعد الفتوحات، فتسميتهم بأهل خراسان ما هي إلا تسمية جغرافية لا قومية، انظر فاروق عمر، طبيعة الدعوة العباسية (بيروت، 1970)، ص 56، 40، 38، 62، 63). ومرت دعوتهم على مرحلتين: مرحلة الدعوة السِّريَّة التحضيريَّة، وقد بدأت منذ القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد، وكان مقرها قرية الحميمة (الواقعة إلى الشرق من البحر الميت)، ونشاطها في الكوفة ومرو. ثم مرحلة الدعوة العلنيَّة، وقد بدأت بانضمام أبي مسلم الخراساني، وانتهت بفوز العباسيين بالخلافة سنة 132ه / 750م.

حكمت الدولة العباسيَّة مدة خمسة قرون، موزَّعة على عصرين متباينين، هما: العصر العباسي الأول والعصر العباسي الثاني.

أ. العصر العباسي الأوَّل (132-232ه / 750-847م):

وهو يعتبر العصر الذهبي للدولة العباسيَّة، وحكم خلاله تسعة خلفاء أشهرهم: أبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد وابناه: المأمون والمعتصم (أنظر ملحق 2).

يعتبر أبو جعفر المنصور (الخليفة العباسي الثاني) المؤسس الحقيقي للدولة العباسيَّة؛

إذ استطاع أن يوطد حكم العباسيين بعد أن قام ب:

1. تصفية التبعية الباقية من الدعاة الثوار، وعلى رأسهم أبو مسلم الخراساني قائد الثورة العباسيَّة في خُرَاسان.

2. القضاء على عمِّه عبد الله بن علي، الذي كان أبو العباس السفاح (الخليفة العباسي الأول)، قد وعده بالخلافة من بعده.

3. القضاء على حركات المعارضة، وعلى رأسها الراونديَّة (من أتباع عبد الله الرَّاوندي، وهم: خراسانيّون؛ آمنوا بتناسخ الأرواح)، والعلويين، ثم الخوارج والأمويِّين والفرس.


*40*

أمَّا عصر هارون الرشيد، فيعتبر وبحق (العصر الذهبي) للدولة العباسيَّة؛ فعلى الصعيد الخارجي، فقد حمى حدود الدولة مع البيزنطيين بأن أقام خطين للدفاع: سمي الأوَّل بالثغور، وسمي الثاني بالعواصم؛ لأن المسلمين يعتصمون بها من الثغور؛ أمَّا على الصعيد الداخلي، فقد تخلَّص من نفوذ البرامكة، بنكبتهم ومصادرة أموالهم (انظر موضوع الموالي). وفي المجال الثقافي، شجع العلم، والثقافة، وترجمة الكتب إلى اللغة العربيَّة؛ فأقام لهذا الغرض بيت الحكمة الذي جعله مركزًا للكتب والوثائق، ومعهدًا للترجمة من اللغات الأجنبيَّة إلى العربيَّة؛ وأرسل بعثات لجلب الكتب النادرة من بلاد الروم.

إن عصر الرشيد الذهبي هذا، لم يُعدم بعض نواحي الضعف فيه؛ إذ بدأت في المغرب حركة انفصاليَّة عن جسم الخلافة، بدأت منذ سنة 139ه / 756م في الأندلس، ثم الأدارسة في شمال أفريقيا سنة 172ه / 788م، وقد اضطرَّ الرشيد إلى أن يعترف بالأغالبة، في أفريقيا، سنة 184ه / 800م، وذلك مقابل دفع مقدارٍ معينٍ من المال للخزينة المركزيَّة. ومع ذلك، فإن عصر الرشيد الذهبي، بكل ما فيه من مظاهر القوة السياسيَّة النسبيَّة والمظاهر الحضاريَّة، وهو يمثل بدايات التدهور الإداري، والتفكُّك السياسي. إن هذا الصر الذهبي كان يحمل في طياته أسباب قوته، وعوامل ضعفه في آنٍ واحدٍ؛ ويرجع بعض السبب في ذلك إلى شخصيَّة الرشيد نفسه، كما يرى بعض المؤرخين.

أمَّا المأمون، فقد واصل الاهتمام بالحركة العلميَّة التي بدأها والده، وقد دعاه بعض المؤرخين بأستاذ الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، وقد تميز عصره بمظاهر ثلاثة، هي:

1. محاولته نقل مركز الدولة إلى مرو، وهي عاصمة إقليم خُرَاسان.

2. سياسته التوفيقيَّة تجاه العلويين، حيث بايع لعلي الرِّضا بولاية العهد.

3. اتخاذه مبدأ الاعتزال مذهبًا للدولة، واتباعه لسياسة العنف تجاه المذاهب الأخرى.

وخلف المأمون، في الحكم، أخوه المعتصم بالله (218-227ه / 833-842م) وكانت أهم ظاهرة في عهده هي: كثرة استخدامه للأتراك، واستكثاره منهم، وإقامة ديوان خاصً للاهتمام بشؤونهم، أسماه: (ديوان الموالي والغِلمَان). لكن أهل بغداد تضايقوا منهم؛ فثاروا على المعتصم بالله؛ فبنى لهم مدينة شمال بغداد سُمِّيت سُرَّ من رأى (سامراء).


*41*

كانت السلطة في العصر العباسي الأوَّل بيد الخليفة، وكانت هيبته عظيمة، كفى شاهدًا على ذلك نكبة الرشيد للبرامكة، رغم نفوذهم الواسع (أنظر موضوع الموالي).

ب. العصر العباسي الثاني (232-656ه / 847-1258م):

يتميز هذا العصر بضعف سلطة الخلفاء، بشكل عام، وفقدانهم لسلطتهم التنفيذية، لتسلط القادة العسكريين من: أتراك، ثم بويهين، ثم سلاجقة، على السلطة في العاصمة. ومر هذا العصر على مراحل تاريخية، هي:

2. 1. مرحلة النفوذ التركي (232-333ه / 847-945م):

إنَّ النتائج السلبيَّة، لاستكثار المعتصم بالله للأتراك في الجيش، بدأت تظهر زمن الخليفة المتوكل (خلف 232-247ه / 847-861م)، الذي ضاق ذرعًا بالأتراك؛ فبدأ في تقليل نفوذ القادة منهم؛ لهذا تآمروا مع ابنه المنتصر عليه؛ وقتلوه ونديمه الفتح بن خاقان؛ وبايعوا بالخلافة لابنه المنتصر، الذي لم يبق طويلًا في هذا المنصب حتى سمّوه.

إنَّ مقتل المتوكل (وهي أوَّل مؤامرة قتلٍ، دُبِّرت على خليفة عباسي) كان بداية منعطف جديدٍ في سير الخلافة العباسيَّة، إذ اشتدت فيه سيطرة قادة الجند الأتراك، يختارون الخليفة، ثم يقتلونه، أو يعزلونه؛ ولم يبق للخلفاء شيء من النفوذ السياسي. ومن مظاهر هذا الاستبداد بالخليفة ما آل إليه مصير الخليفة المُعتَزِّ (252-255ه / 866-869م)، إقرأ النصَّ، التالي:

إنَّ الأتراك ثاروا عليه وطلبوا منه مالًا، فاعتذر إليهم وقال: ليس في الخزائن شيء. فاتفقوا على خلعه وقتله، فحضروا إلى بابه، وأرسلوا إليه، وقالوا له: أخرج إلينا. فاعتذر بأنه شرب دواء، فهجموا عليه وضربوه بالدبابيس، وخرَّقوا قميصه، وأقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدَّة الحرِّ، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، ثم جعلوه في بيت، وسدّوا بابه، حتى ما لبثوا أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه (المرجع: ابن الطِقطقى، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلاميَّة، عكا، ب.ت.، ص 243).

ولم يكن مصير الخليفة القاهر (خلف 320-322ه / 932-934م) بأحسن منه، فقد (هجموا عليه (أي: الجند)، وخلعوه، وسملوه (أي: فقؤوا عينيه)، فسالت عيناه على خديه. ثم حُبس في دار السلطنة؛ ومكث في الحبس مدة؛ ثم أُخرِج منه عند تقلب الأحوال. وكان مرة يُحبس،


*42*

ومرة يُفرج عنه؛ فخرج يومًا؛ ووقف في جامع المنصور يطلب الصدقة من الناس فرآه بعض الهاشميين؛ فمنعه من ذلك؛ وأعطاه خمسمائة درهم) (ابن الطِقطقى، م.س.، ص 246).

2. 2. مرحلة النفوذ البويهي (333-447ه / 945-1055م):

بنو بويه من أهالي الدّيْلم (إلى الجنوب الغربي من بحر قزوين)، كانوا جنودًا، مغامرين، مرتزقة من أصل فارسي، دخلوا الإسلام على مذهب الشيعة الزَّيديَّة. استدعى الخليفة المستكفي (خلف 333-334ه / 944-946م) زعيمهم أحمد بن بويه، كي يخلَّصه من سيطرة القادة الأتراك، فقدم على بغداد سنة 333ه / 945م، وقضى على النفوذ التركي. وعلى أثر ذلك عيَّنه الخليفة أميرًا للأمراء؛ لكن سرعان ما خاب أمل المستكفي في استعادة سلطته السياسيَّة؛ فلم يحترم البويهيُّون الخليفة العباسي؛ فخلعوا المُستكفي بعد فترة وجيزة من دخولهم بغداد، إذ (تقدم اليه رجلان من الديلم بمواطأة معزّ الدولة (أمير من الديلم)، فمدا أيديهما نحوه، فظن المستكفي أنهما يريدان تقبيل يده؛ فمدّ يده فجذباها ونكَّساه من السرير، ووضعا عِمَامته في عنقه وسحباه ودخل الديلم إلى حرم الخليفة، وحُمل المستكفي إلى دار مُعِزِّ الدولة، فاعتقل بها، وخُلع عن الخلافة، ونهبت داره وسُملت، عيناه، حتى توفى) (ن.م.، ص 287).

لقد أبقى البويهيُّون على الخلافة، لكنهم انتزعوا من الخليفة كل سلطة تنفيذية، وانطلقوا يستأثرون بالأموال، حتى عينوا للخليفة راتبًا، ولم يكتفوا بذلك، بل خصُّوه بكاتب، أو أمين سرّ، بينما جعلوا لأمير الأمراء البويهي وزيرًا لا كاتبًا، وكانت اعتباراتهم، على إبقاء الخلافة، سياسية محضة، سايروا بها الرأي العام في ذلك العصر؛ إذ لم يكونوا، هم شيعة زيدية، يعترفون للعباسيين بأي حقِّ في الخلافة.

وفي الوقت الذي كان الخلفاء يُعيَّنون، أو يعزلون، بإرادة المتنفذين من البويهيِّين، كانت السلطات التنفيذية تُوكَّل إلى أمير الأمراء البويهيِّين من قِبَل الخليفة نفسه وقد أبى البويهيُّون إلا أن يشاركوا الخليفة حتى في الخطبة والسِّكَّة (سكَّ أيضا صكَّ ضرب اسمهم على


*43*

العملة)، كأنهم استكثروها عليه، إذ أصدروا أوامرهم بذكر اسمهم مع الخليفة على المِنبر، وصكُّوا اسمهم على النقود إشارة إلى مشاركتهم الفعلية في سلطات الدولة.

ومما يدل على تدهور مؤسسة الخلافة في هذا العصر؛ أن ظهر ثلاثة خلفاء يتنازعون السيادة في العالم الإسلامي، وهم: الخليفة العباسي (في بغداد)، والخليفة الفاطمي الشيعي (في القاهرة)، والخليفة الأموي (في قرطُبة - الأندلس).

واجهت الخلافة العباسيَّة في هذا العصر حركات تمرّد، ونزعات شبه استقلاليَّة. فكانت ثورة الزنج سنة 255ه / 869م، وحركات القرامطة في العراق، واليمامة، والبحرين، وبادية الشام، وحركات الاسماعيليَّة في اليمن، والمغرب. وبدأت أطراف الدولة بمحاولات الانفصال التدريجي؛ فظهر الطاهريون في مشرق الدولة وتلاهم الصفَّاريون، ثم السامانيّون؛ واستولى البريديّون على الأهواز؛ وظهر البويهيون (كما رأينا)؛ أمَّا في الجزيرة الفُراتيَّة، فقد سيطر الحمدانيون، وامتد نفوذ الإخشيديّين من مصر إلى الشام، ثم حلَّ محلَّهم الفاطميّون سنة 358ه / 969م. وهكذا لم يصل للحكومة المركزيَّة في بغداد، من وارداتٍ، وضرائب، ومؤن هذه الأقاليم، إلا الشيء القليل.

2. 3. مرحلة النفوذ السلجوقي (447-547ه / 1055-1152م):

السلاجقة: هم من قبائل الغُزّ التركية، وينسبون إلى سلجوق بن دُقاق (أي: القوس الحديدي)، وقد اعتنقوا الإسلام على المذهب السنِّي.

استغل الخليفة القائم (خلف 442-467ه / 1031-1075م) الصراع الذي دار بين القائد الشيعي البساسيري، الموالي للفاطميِّين الشيعة في مصر، وبين وزيره ابن المسلمة، وطلب من طُغرُل بك، زعيم السلاجقة، القدوم إلى بغداد لتخليصها من سيطرة البساسيري الذي استبدَّ بالسلطة، ونقل شارات الخلافة للدولة الفاطمية في مصر؛ وقد نجح طغرل في القضاء على فتنة البساسيري؛ فمنحه الخليفة العباسي لقب (سلطان وملك المشرق والمغرب)، وذلك سنة 452ه / 1060م.

لم تكن حالة الخلفاء في أيام السلاجقة تختلف اختلافا جوهريًّا عما كانت عليه أيام البويهيّين، فقد اعتاش الخلفاء، في هذا الصر من اقطاعات مقررة، يديرها عُمَّال على


*44*

رأسهم الوزير وكاتب الإنشاء، كما هي الحال في زمن البويهيّين. ولم يكن للخلفاء في الأمر شيء، سوى ذكر اسمهم في الخطبة. وكانوا يقضون أوقاتهم في حياة القصور. على أن معاملة السلاجقة السنيِّين للخلفاء العباسيِّين، كانت أفضل كثيرًا من معاملة البويهيّين الشيعة الزَّيديَّة لهم. وفي الحقيقة كانوا يحترمون الخليفة العباسي، ومع ذلك فقد أصبح ألعوبة في أيدي أمراء الأتراك أوَّلًا، ثم في أيدي بني بويه والسلاجقة ثانيًا، ورغم ذلك يجب ألا تغيب عن أذهاننا الحقيقة التالية، وهي: أنَّ منصب الخلافة لم يُلغَ أبدًا، بل ظلَّ قائمًا؛ لكن الخليفة العباسي، فقد سلطته السياسيَّة، في حين ظلَّ محتفظًا بسلطته الدينيَّة؛ لأنه ساد الاعتقاد بين الناس أنَّ الخلافة نظام لا بدَّ منه لصلاح العالم واستقامة أموره؛ وأن الخليفة هو مصدر السلطات. لهذا وجدنا أنَّ كثيرًا من الأمراء الذين حاربوا خلفاء بغداد، كانوا من العباسيِّين. حتى إذا انتصروا عليهم، واستقلوا ذاتيًا عن السلطة المركزية، بايعوهم، وتبركوا بهم؛ لأنهم كانوا بحاجة إلى بيعة الخليفة لهم لتثبيت سلطانهم، ولإضفاء الصبغة الشرعيَّة عليه.

2. 4. مرحلة استقلال الخلافة (547-656ه / 1152-1258م):

لقد ظلت السلطة بأيدي السلاجقة، حتى وفاة السلطان مسعود سنة 547ه / 1152م، ثم زالت عن العراق ولاسيَّما زمن الخليفة الناصر (خلف 575-622ه / 1180-1225م) الذي نجح بالقضاء على آخر سلاطينهم وبقيت الخلافة العباسيَّة مستقلة نحو ستٍ وستين سنة، حتى سقوط بغداد بأيدي المغول، بقيادة هولاكو سنة 656ه / 1258م.

2. 5. نهاية الخلافة العباسيَّة:

لما سقطت بغداد، بأيدي المغول، شعر المسلمون بالحاجة إلى زعيم ديني، فأدرك الظاهر بيبرس البُندُقداري، سلطان المماليك في مصر (ت. 676ه / 1277م)، ضرورة إحياء الخلافة لتثبيت مركزه، وإثباتًا لحقِّ المماليك في تولي شؤون مصر؛ فاستدعى إلى القاهرة أحمد بن الإمام الظاهر العباسي، الذي نجا من المغول، وبايعه بالخلافة سنة 656ه / 1261م، وصكَّ اسمه على العملة، وخطب له، وتقلد منه السلطنة الزمنية، فظلت مصر مركز الخليفة، حتى سقطت بأيدي السلطان العثماني سليم الأول سنة 923ه / 1517م.


*45*

2. 6. مميزات الخلافة العباسيَّة:

لقد طرأ تغيير جوهري على معنى الخلافة، خلال الفترة العباسيَّة؛ إذ أنَّ خلفاء العباسيين، وبفعل تأثير النظم الفارسيَّة، على ما يبدو، قد أكَّدوا على نظرية (التفويض الإلهي)، التي تعني: أنَّ الله، لا الشعب، يختار للحكم رجلًا، يتولى أمر الدولة طيلة حياته، ويعقبه في الحكم رجل من أسرته، ثم يليه آخر، وهكذا دواليك، بحيث لا يخرج المُلك عن نطاق هذه الأسرة. وإذا تولى الملك شخص لا يَمِتُّ بصلةٍ إلى البيت المالك، فإنَّه يعتبر، من وجهة نظرهم، مغتصبًا لحق غيره. ويدلنا على ذلك قول أبي جعفر المنصور: (إنَّما أنا سلطان الله في أرضه). وتغيَّرت سلطاتها وأصبح نظام الحكم مماثلا، إلى حدٍّ ما، لنظام الحكم الفارسي في النواحي التالية:

أ. الاستبداد بالسلطة، والتسلُّط على أرواح الرعيَّة.

ب. الاحتجاب عن الرعيَّة (أنظر موضوع الحجابة).

ت. اتِّخاذ الوزير والسيّاف.

ث. إحاطة شخص الخليفة بهالة خرافيَّة من القداسة، والجبروت المفتعل.

ج. اتِّخاذ الأزياء الفارسيَّة، والاحتفال بالأعياد الفارسيَّة: كالنَّيروز (النَّيروز (أيضًا النُّوروز): معناها (اليوم الجديد) وهو عيد مطلع السنة الشمسية لدى الفرس. ويحلّ في أول الربيع) والمهرجان (المِهرجان: مركبة من كلمة مهر أي (محبَّة) ومن جان وتعني (روح)، فيكون معناه (محبة الروح). وهو يقع في أوَّل الشتاء، بعد أربعة وتسعين يومًا في النيروز. يتبادلون فيه الهدايا من خِلعٍ (أي: الثوب المهدى)، وغيرها ويخصون السلطان بأثمنها).

ح. إتباع نمط حياة البلاط الفارسي: كإظهار الأبَّهة، والعظمة، وانحناء الداخل على الخليفة، وتقبيل الأرض بين يديه، وتقبيل ردائه (إذا اقترب منه).

خ. التوسل ببردة النبي (صلى الله عليه وسلم) لتأييد نظرية (التفويض الإلهي)؛ إذ كان الخليفة يلبسها عند توليه الخلافة، وأثناء الاحتفالات الدينية باعتباره نائبًا عنه. ولأجل نشر هذه النظريَّة بين الأمَّة، قرّب الخلفاء إليهم العلماء، ورجال الدين، حتى أصبح لهم شأن كبير في الحياة السياسيَّة للدولة.


*46*

د. السير على نظام تولية العهد لأكثر من واحد، والمغالاة في ذلك (تذكَّر تولية الرشيد لأولاده الثلاثة)، مما كان له أبلغ الأثر في انهيار نظام الخلافة، وبالتالي تحطيم لكيان الدولة السياسي، والجغرافي.

3. الفرق الإسلاميَّة والخلافة:

انقسم المسلمون حول تعيين الخليفة إلى فنات، وفرق، بعضها اصطبغ بصبغة سياسيَّة، وبعضها الآخر جمع بين المبادئ السياسيَّة والدينيَّة، وأصبح لكل فئة وفرقة منها نظريَّته الخاصَّة في الخلافة، أمَّا هذه الفئات والفرق، فهي:

3. أ. أهل السُّنّة: هم ممن ساروا على سُنَّة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وسيرة الحليفتين بعده: أبي بكر وعمر بن الخطاب. لقد عبَّر عن هذا الموقف المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة (كما أشرنا سابقا)؛ إذ رغم ما دار بينهم من نقاش واختلاف، فقد اتفقوا على وجوب تعيين خليفة للمسلمين بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لكنهم اختلفوا، فيما بينهم، حول البيت الذي يختار أدلتهم، وبرهنوا استحقاقهم في ذلك؛ أمَّا الأنصار، فقد اعترضوا على موقف المهاجرين، وأرادوا الخلافة أن تكون عامَّة بين المسلمين، وهم في مقدمتهم؛ للأدلة والبراهين التي تقدموا بها في اجتماع السقيفة. ومع ذلك ظلَّ موقف المهاجرين هو السائد على مر العصور الإسلاميَّة منه؛ فأراد المهاجرون، وقد نجحوا، في حصر الخلافة في قريش وقصرِها عليها، فقد قدموا

3. ب. الشيعة: الشيعة، لغة، هم: الأتباع والأنصار؛ وهم القائلون: (إنَّ عليًا، أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأحقَّهم بالإمامة (أي: الخلافة) وولديه من بعده (الحسن والحسين)، ومن خالفهم في ذلك فهو ليس شيعيا) (علي حسن الخربوطلي، الإسلام والخلافة (بيروت، 1969)، ص 61).

اختلف الكتَّاب حول بدء التشيُّع لعلي بن أبي طالب؛ فمنهم من يرى أن التشيُّع بدأ بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ ويذهب البعض الآخر إلى أنَّ الفكرة تكونت يوم مقتل الخليفة عثمان؛ ورأى فريق ثالث أنَّ التشيّع قد ظهر زمن فتنة طلحة والزبير في البصرة؛ وهناك فريق رابع، من الشيعة، يؤكدون أنَّ بذرة التشيّع كانت في مكة حين أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أنَّ يبلِّغ عشيرته الأقربين


*47*

بالدعوة، فجمع بني هاشم، وأنذرهم، ثم قال: (أيكم يُؤازرني ليكون أخي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فلم يجبه أحدٌ غيرُ عليِّ)، فأعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنَّ عليًا أخوه ووارثه ووزيره وخليفته) (ن.م. ص 61-62. يعلق ابن خلدون على ذلك فيقول: إنها نصوص يؤولها الشيعة على حسب مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع، أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة)، المقدمة، ص 197).

فالشيعة ترى أنَّ عليًّا أحقُّ المسلمين بالخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ لأنه ابن عمه، وصهره، وأوَّل من آمن به من الصبيان.

3. ب. 1. نظريَّة الشيعة في الخلافة:

تتلخص نظريّة الشيعة في تعيين الخليفة؛ بأنه يجب أن ينحصر في آل البيت، وفي سلالة عليِّ، ثم لأولاده من بعده عن طريق الوراثة. وحصل ذلك، حسب رأيهم، عن طريق النّصِّ والتَّعيين. وقد لخَّص نظريَّة الشيعة الإماميَّة هذه، الإمامي سعد الدين القمِّي ألأشعري، قائلا:

إنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) نصّ عليه (أي: عليٍّ)، وأشار إليه باسمه، ونسبه وعينه، وقلّد الأمَّة إمامته، وأقامه، ونصبه لهم علمًا، وعقد له عليهم إمرة المؤمنين، وجعله خليفته ووزيره في مواطن كثيرة، وأعلمهم أن منزلته منه في منزلة هارون من موسى، إلا أنَّه لا نبي بعده وجعله كنفسه، فمقام النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يصلح من بعده إلا لمن هو كنفسه، والإمامة من أجلِّ الأمور بعد الرسالة؛ إذ هي فرض من أجلِّ فرائض الله، فإذا لا يقوم الفرائض ولا يقبل إلا بإمام عدل وأنه لا بد مع ذلك من أن تكون تلك الإمامة دائمة جارية في عقبه إلى يوم القيامة تكون في ولده من ولد فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم في ولد ولده منها يقوم مقامه أبدا رجل منهم معصوم من الذنوب، طاهر من العيوب، تقي، نقي، مُبرّأ من الآفات والعاهات في الدين، والنسب، والمولد، يؤمن منه العمد (أي: قتل متعمد)، والخطأ، والزلل، منصوصٌ عليه من الإمام الذي قبله، مشارٌ إليه بعينه، واسمه وإن الإمامة جارية في عقبه، على هذا السبيل، ما إتصل أمر الله ونهيه ولزم العباد التكليف (المرجع: سعد الدين القُمِّي الأشعري المقالات والفرق، ص 17 نقلا عن أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي: من الشورى إلى ولاية الفقيه (لندن، 1997)، ص 56-57) (انظر أيضا الشهر ستاني (ت. 548ه / 1153م)، الملل والنحل (القاهرة، 1967)، ج 1، ص 146).


*48*

3. ب. 2. انقسام الشيعة إلى فِرَق متعددِّة:

تطورت مبادئ الشيعة بمرور الزمن، وتغيّر الظروف السياسيَّة، وظهور الفرق الدينيَّة، والسياسيَّة الأخرى، حتى ظهرت أواخر الدولة الأمويَّة في صورة تكاد تخالف تمامًا ما كانت عليه في دولة الخلفاء الراشدين، أو صدر الدولة الأمويَّة، فانقسمت على نفسها إلى عدَّة فرق أشهرها: السبئيَّة، والإماميَّة، والكيسانيَّة، والزيديَّة. وقد اختلفت هذه الفرق، فيما بينها، في التفاصيل، ولكنها اتفقت جميعها على أن عليًا أحقّ المسلمين بالخلافة، والقيام بالأمر في أمَّته.

وكانت الزيديَّة، وهم أتباع زيد بن حسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أكثر الشيعة اعتدالًا، إذ يرون: جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؛ وبموجب ذلك كان عليّ ابن ابي طالب أفضل من أبي بكر وعمر، إلا أنَّ بيعتهما، صحيحة. وتتلخّص نظريتهم في الخلافة في جعلها، بعد زيد، من حقِّ كل فاطمي (من نسل فاطمة، وهي ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وزوجة علي) عالم، شجاع، سخيِّ، قادرٍ على القتال في سبيل الحقِّ؛ ويخرج للمطالبة بها من الخلفاء المغتصبين؛ يصح له أن يكون إمامًا (أي: خليفة) (ن. م، 65).

قارع الشيعة الخلفاء الأمويِّين، واعتبروهم مغتصبين للخلافة. ولما قامت الدولة العباسيَّة، لم يرق لهم أن يظفر العباسيّون بالخلافة دونهم؛ إذ لولا اتحادهم معهم، ضد الأمويِّين، لما مُهِّدت الطريق أمامهم للحصول على الخلافة. ولهذا اضطهدهم الخلفاء، ونكَّلوا بهم، فاضطرهم ذلك إلى اللجوء للعمل السري، أي (التَّقيَّة) التي تعني كتم العقيدة الشيعيَّة وسترها، والتظاهر باعتناق العقيدة السائدة في البلد، إذا أكره (يعني: الشيعيُّ) على تغيير معتقده، وذلك حِرصًا على نفسه وعرضيه وماله.

4. 1. الخوارج: يرتبط ظهور الخوارج بقضية التحكيم بين عليٍّ ومعاوية، إثر موقعة صفِّين، سنة 37ه / 657م؛ إذ أنَّ جماعة من جند عليٍّ (وهم: القرَّاء، وكانوا أقليَّة)، قد رفضت مبدأ التحكيم؛ لأنَّه يعني التشكيك في شرعية إمامته، في حين اخلصوا له، وحاربوا إلى جانبه لأنه على حقٍّ، فخرجوا عليه، بعد عودته إلى الكوفة؛ لرفضه استمرار القتال، واستجابته لضغوط


*49*

الأكثريَّة في جنده الذين رغبوا في وقف القتال، لما رفع جيش الشام (جيش معاوية) المصاحف على أسِنّة الرِّماح.

وانتقلت هذه الجماعة إلى قرية حروراء، بالقرب من الكوفة، ولهذا دعيت بالحروريَّة، وعرفت بتسميات، مثل: (الشُّراة)، والمُحكَّمة إذ قالوا: (لا حُكم إلا الله).

كان الخوارج فرقةً ثوريةً صريحةً، تعتصم بالتقوى؛ فقد قدموا الدين على أي اعتبار آخر، ولم يقبلوا أيَّ تساهل في أمر الدين. لقد حاربهم عليٌّ وبطش بكافة حركاتهم. وما أكثر ما خاض معارك معهم، كانت تنتهي بالقضاء على جيوشهم برُمَّتها. فادى ذلك إلى قتله على يد احدهم؛ أمَّا في الدولة الأمويَّة، فقد لاحقهم ولاة الأمويِّين في كل مكان، وكانوا يقتلونهم بالتُّهمة والظنَّة، وتعقبوهم من بلد لآخر؛ لقتالهم، حتى استؤصلت فرق عديدة منهم، واختفت عن المسرح السياسي إلى الأبد.

ومما زاد في ضعف الخوارج، وفي مآلهم إلى هذا المصير، هو تفرقهم إلى فرق متناحرة، جاوزت العشرين فرقة، كلٌّ منها تكفِّر ما عداها، وأهمها: 1.الأزارقة، أتباع نافع ابن الأزرق، 2. النَّجدات، اتباع نجدة بن عامر، 3. الإباضية، أتباع عبدالله بن إباض، 4. الصُّفريَّة من أتباع عبدالله بن صَّفار.

لقد أدَّى تفرقهم هذا إلى تشتيت جهودهم، وأتاح لخصومهم ملاحقتهم، والقضاء على ثورتهم؛ حتى وصلت أحوالهم، في أواخر القرن الأوَّل للهجرة / السابع للميلاد، إلى حالة من الضعف، حيث استحال معها أن يواصلوا نشاطهم السياسي بصورته العلنيَّة؛ فكان عليهم أن يغيِّروا من أساليب كفاحهم بالعدول عن طريق الثورة العلنيَّة، إلى اتِّباع أسلوب الدعوة المستورة، وتنظيم العمل السري؛ ونقل ميدان نشاطهم إلى الأطراف، بعيدًا عن متناول قبضة الخلافة. وما زال قسم منهم يعيش في جبال ليبيا، ووادي الميزاب في صحراء الجزائر.

4. 2. نظريَّة الخوارج في الخلافة:

قال الخوارج بصحّة خلافة أبي بكر، وعمر، لصحة انتخابهما؛ وبصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى؛ فلما غيَّر، وبدَّل، ولم يسر سيرة الخليفتين من قبله، وجب عزله. واقروا بصحة


*50*

خلافة علي ولكنهم، قالوا: (إنَّه أخطأ لقبوله مبدأ التحكيم)، وكفّروا الحكمين، أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، في أعقاب وقعة صفَّين؛ أمَّا عن تعيين الخليفة، فقالوا:

1. إن الخلافة يجب أن تكون باختيارٍ حرٍّ من المسلمين.

2. وإذا اختير الخليفة، فلا يصحّ أن يتنازل عن الخلافة؛ أو يحكَّم فيها.

3. على الخليفة أن يخضع لأمر الله، وإلاَّ كان الخروج عليه حقًا وواجبًا.

4. ليس من الضروري أن يكون الخليفة من قريشٍ، فالخلافة حقٌّ لجميع المسلمين على حدٍّ سواء، حتّى الأرقّاء منهم. ويجوز أن تسند الخلافة إلى رجل، أو امرأة بدليل قوله تعالى: (يا أيُّها النَّاسُ إنّا خَلَقناكُم مِن ذكرٍ وأنثى وَجَعَلنَاكم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارفُوا إنَّ أكرَمَكُم عِندَ الله أتقَاكم وإنَّ الله عَلِيمٌ خَبيرٌ) (سورة الحُجُرات، آية 13) وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتَّقوى)، أو (اسمعوا وأطيعوا!، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسه زبيبة). وذهب البعض منهم إلى القول: (لا لزوم لإمام إذا صلحت الأمَّة بدُونِهِ).

5. 1. المُعتَزِلة:

المشهور، في تسمية هذه الفرقة بالمعتزلة (حسب أحد الآراء) إلى زعيمهم، واصل بن عطاء الذي اعتزل حَلقة الإمام الحسن البصري، أثناء حلقة درس للحسن، في مسجد البصرة؛ حيث دخل أحدُهم على الحسن، وسأله: كيف يحكم في فاعل الكبيرة (أي: الخطيئة) في الإسلام؟ وقبل أن يجيب، تكلم واصل، فقال: أنا، لا أقول إن فاعل الكبيرة مؤمنٌ مُطلقٌ، ولا كافرٌ مُطلقٌ، بل هو في منزلةٍ بين منزلتين؛ لا مؤمن، ولا كافر. ثم قام واصل واعتزل خلقة الحسن؛ فصاح الحسن بأعلى صوته: إعتزلَ عنّا واصل. فسارت هذه التسمية في كلِّ المجتمعات؛ فعُرف وأتباعه بالمعتزلة (الشهرستاني، م.س.، ج 1، ص 49؛ الصالح، م.س.، ص 151). وقد اعتزل واصل الى سارية (أي: عمود)، من سواري مسجد البصرة، حيث أقام عندها حلقته للدَّرس. أما الحسن، ومن تابعه؛ فقد كان رأيهم؛ أنَّ فاعل الكبيرة، مع فُسقه وفجوره، هو منافق (هو من يحلف بالله أنه من المسلمين ولكنه ليس منهم خوفا من أن يعامله المسلمون كالمشركين (أنظر سورة التوبة 9، آية 56)).

وللمعتزلة أصول خمسة يعتقدونها، هي: 1. العدل 2. التوحيد 3. الوعد والوعيد. 4. المنزلة بين المنزلتين ه (الأمْرُ بالمَعْروفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ) (سورة آل عمران، الآيتان 104، 110).


*51*

عارض المعتزلة الأمويِّين، فنظر شيوخهم الأوائل إلى حكم بني أميَّة بأنه ملك هرقليّ. كما أنه يجب على الجماعة الإسلاميَّة محاربتهم لاغتصابهم للخلافة، وذلك وفقا لنصّ القرآن الكريم: (الأمْرُ بالمَعْروفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ) (سورة آل عمران، الآيتان 104، 110)، وهو مبدأ أخذت به معظم الفرق المعارضة. لكن المعتزلة تنبهوا إلى أن الثورة المسلحة قد تودي بهم، كما حدث لغيرهم من المعارضين، وإلى القضاء عليهم. لهذا كانت سياستهم إزاء بني أميَّة والعباسيين الأوائل ذات شِقين: الأوَّل؛ محاولة احتواء الخلافة وترشيدها، أمَّا الثاني، فالعمل السري المنظَّم. ففي الأوَّل منها: نجح المعتزلة في سياسة احتواء الخلافة؛ وكسبوا إلى صفوفهم الخليفة الأموي يزيد بن الوليد، ثم الخليفة العباسي المأمون الذي اعتنق مذهبهم، وأقرَّ به مذهبًا رسميًّا للدولة؛ فَعَلت منزلة المعتزلة في زمنه؛ وحصلوا على أرقى الوظائف في الحكم والإدارة. وكان أشهر رجالهم هو أحمد بن داوود الذي وَزَر للمأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، من الخلفاء العباسيين؛ أمَّا الشق الثاني من سياستهم، فقد تمثل بالعمل السري المنظم في أواخر العصر الأموي؛ فاتخذ واصل البصرة مركزًا لهذه الدعوة؛ وأرسل الدعاة إلى شتى أنحاء الدولة الإسلاميَّة. وكانت دعوتهم هذه مبنيَّة على القول بضرورة وجود إمام يُنفِّذ الأحكام، ويقيم الحدود (أي: حدود الله)، ويعبئ الجيوش، ويقسم الغنائم والصدقات، وينصف المظلوم، وينتصف من الظالم، وينصف الولاة والقضاة في كل ناحية، ويبعث القُرَّاء والدعاة إلى كل طرف.

5. 2. نظريَّتهم في الخلافة:

يرى المعتزلة أن الإمامة اختيارٌ من الأمَّة؛ وذلك أن الله عزّ وجلَّ لم ينصّ على رجلٍ بعينه؛ وأن اختيار ذلك مفوَّض إلى الأمَّة، تختار رجلًا منها، ينفذ فيها أحكامه، سواءٌ كان قرشيًّا، أو غيره من أهل ملّة الإسلام، وأهل العدل والإيمان. ولم يراعوا في ذلك النسب ولا غيره. وعلى أهل كلِّ عَصْرٍ واجبُ فِعلِ ذلك (حسن إبراهيم حسن وآخرون، النظم الإسلاميَّة (القاهرة، 1962)، ص 12).


*52*

- أسئلة ونصوص

1. إقرأ النص التالي، ثم أجب عن الأسئلة التي تليه:

قال ابن خلدون في معنى الخلافة:

إن المُلك الطبيعي هو: حَمْلُ الكافة على مُقْتَضى الغرض والشهوة، والسياسي، هو: حَمْلُ الكافة على مُقْتَضى النظر العقلي في جَلْب المصالح الدنيويّة ودفع المَضَارِّ. والخلافة، هي: حَمْل الكافة على مُقْتَضى النظر الشرعيِّ في مصالحهم الأخرويّة والدنيويّة الراجعةِ إليها؛ إذ أحوالُ الدنيا تَرْجِع كُلَّلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة؛ خلافة عن صاحب الشرْع في حِرَاسةِ الدين وسياسة الدنيا به (المرجع: ابن خلدون، م.س.، ص 9).

أ. ما الفرق بين المُلك الطبيعي والسياسي من جهة وبين الخلافة من جهة أخرى؟ وضِّح ذلك.

1. ما هي طرائق تعيين الخليفة؟ إشرح: مبيِّنا رأيك في اختيار أبي بكر، خليفة.

2. هل تعتقد أن اختيار عثمان للخلافة، كان حلًا وسطًا؛ لاختلاف قادة المسلمين حول هذا المنصب؟ وضِّح ذلك.

3. ما هي عوامل ضعف مركز الخلافة في الفترة الثانية لخلافة عثمان؟ اِشرح.

4. ما هو موقف الخليفة علي من قضية التحكيم؟ اشرح

5. ماذا نعني بولاية العهد؟ وضِّح! ثم بين كيف أثّرت هذه الطريقة، على الوضع السياسي للخلافتين: الأمويَّة والعباسيَّة؟ إشرح.

6. ما هي أنواع الخلافة؟ وما شروط كل منها؟ اِشرح.

7. ما معنى البَيْعَة؟ وهل تعتقد أن طريقة الحصول عليها، قد عكست مركز الخلافة على مرِّ عصور التاريخ الإسلامي؟ وضِّح.

8. ما هي الأسباب التي تَمنع الخليفة من الاستمرار في خلافته؟ اِشرح.

9. إقرأ النصّ التالي، ثم أجب عن الأسئلة التي تليه:


*53*

واعلم إنها دولة لم تكن من دول الدنيا، وهي بالأمور النبوية والأحوال الأخروية أشبَه، والحقُّ في هذا أن زيّها قد كان زيَّ الأنبياء، وهَديُها هديَ الأولياء، وفتوحُها فتوحَ الملوك الكِبار، فأمَّا زيُّها فهو الخُشُونة في العَيش والتقلُّل في المَطعم والمَلبس، كان أحدُهم يمشي في الأسواق راجلًا وعليه القميص الخَلق المرقوع إلى نِصفِ ساقه، وفي رجله تاموسة (أي: نعل فارسي)، وفي يده دِرَّة، فمن وجب عليه حَدٌّ استوفاه منه، وكان طعامُهم من أدنى أطعمة فقرائهم واعلم إنهم لم يتقلَّلوا في أطعمتهم وملبوسهم فقرًا ولا عجزًا عن أفضل لباس وأشهى مطعم، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك مواساةً لفقراء رعيتهم، وكسرًا للنفس عن شهواتها، ورياضة لها لتعتاد أفضل حالاتها، وإلا فكل واحد منهم كان صاحب ثروة ضخمة ونخلٍ وحدائقَ وغير ذلك من الأسباب، ولكن أكثرُ خَرجِهم (أي: أنفاقهم) كان في وجوه البرِّ والقُربِ (إلى الله) وأمَّا فتوحها وحروبها فإن خَيْلَهَا بلغت أفريقية وأقاصي خُرَاسان وعبرت النهر (أي: نهر سيحون). (المرجع: ابن الطِقطقي، م.س.، ص 73).

1. ما هي مميِّزات الخلافة الراشديَّة، حسب رأي ابن الطِقطَقي؟ اشرح

10. اذكر أربعة أحداث هامّة في خلافة الراشدين.

11. اشرح أسلوبين اثنين أنتهجهما معاوية لتثبيت دعائم حكمة.

12. اذكر أسماء أشهر خلفاء الدولة الأمويَّة، ثم أهم الأعمال التي قاموا بها.

13. ما هي التغييرات التي طرأت على الخلافة الأمويَّة؟ اِشرح ثلاثة منها.

14. قارن بين صلاحيات الخليفة في العصر العباسي الأوَّل وصلاحياته في العصر الثاني.

15. كيف عكست النظم الفارسية، أثرها في الخلافة العباسيَّة؟ اِشرح.

16. ماذا كان موقف كل من: المهاجرين، والأنصار، من تعيين الخليفة؟ اِشرح.

17. كيف ظهرت الشيعة؟ وضِّح نظريتهم في الخلافة مقارنة بالخوارج والمعتزلة.

18. أكتب إنشاءً قصيرًا، تُحلِّل فيه قول الشهرستاني: (وأعظمُ خلافٍ بين الأمَّة، خلافُ الإمامةِ، إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام، على قاعدة دينية، مثلما سُلّ على الإمامة).


*54*

صورة لإناء من الفخار المطلي

شرح بمساعدة المعلمة


*55*

الباب الثاني: نِظام الإدارة


*55*

قال الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه):

(أيُّها الناسُ! إنِّي والله ما أُرسل إليكم عُمَّالا (أي: حكامًا، أمراء) ليضربوا أبشاركم (أي: جلودكم)، ولا ليأخذوا أعشاركم (أي: عُشر أموالكم)، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنَّتكم، فمَن فُعِل به شيءٌ سوى ذلك، فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسُ عمرَ بيده لأقصَّنَّه له منه) (المرجع: الطبري، م. س، ج 5، صفحة 20).


*56*

الصفحة فارغة


*57*

الفصل الثاني: الوظائف والمؤسسات الإداريَّة


*57*

يتناول موضوع نظام الإدارة، الحديث عن الوظائف، والمؤسسات الإداريَّة العاملة في الدولة الإسلاميَّة، منها: الوزير، والحاجب، ثم عن الدواوين من حيث ظهورُها، ومهامُّها في إدارة الدولة الإسلاميَّة، ثم عن مؤسستي القضاء في الإسلام، وماليَّة الدَّولة الإسلاميَّة.

أ. الوِزارة:

أ. 1. الوزارة ونشأتها: الوزارة، كلمة يرى البعض أنَّها مشتقَّة من: الوِزر: الثقل، لأنَّ الوزير يحمل أعباء الحكومة عن الملك؛ الأزر: الظَّهر، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بظهره؛ والوَزَر: الملجأ، والمُعتَصَم بالله، لأنَّ الحاكم يلجأ إلى رأيه ومعونته. ويرى آخرون أنَّ كلمة وزير مشتقَّة من الأصل الفارسي (وزير) (وتلفظ الواو بالفارسية ف - فزير) فهي، إذًا، كلمة فارسية (يرفض المستشرق الفرنسي، كلود كاهن، هذا الرأي ويقول: (لا يمكننا اثبات الأصل الفارسي لكلمة وزير، وهو الاشتقاق الذي أخذ به المؤرخون، كما لو كان أمرًا بديهيًا، على نحو ما جعلوا من الوزير الفارسي أصلًا للوزير العباسي. وقد أكد كل من غواتين وسورديل تأكيدًا قاطعًا على أنَّ أصل الكلمة عربي وأنها في أساسها تعني بصورة عامَّة ومبهمة (الإنسان الذي يساعد على تحمُّل الوِزر أو العبء). انظر كلود كاهن، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 82). وقد وردت لفظة وزير في آيات من القرآن الكريم، منها: قول موسى (عليه السلام) مخاطبًا ربَّه: (واجعل لِي وَزِيرًا مِن أهلِي هَارُونَ أخِي أشدد به أزْرِي) (سورة طه 20، آيات 29-31). وجاءت هنا لفظة (وزير) بمعنى النصير الذي يتحمَّل عن أخيه شيئا من أعبائه، لا بالمعني والمدلول السياسي، كما هي الحال في الدولة الإسلاميَّة، فهي مستحدثة في الإسلام. هذا وقد عَرَفها بنو إسرائيل والساسانيّون - الفرس، وربما غيرهم، قبل أن تُستَحْدث في الإسلام. وإذا أريد بالوزارة المساعدة، والمعاونة، والاستشارة، فإنها عُرفت لدى معظم


*58*

الدول المنظمة؛ فإن ملوك ما قبل الإسلام، في اليمن والحيرة والشام، كانوا يُسمُّون من يؤازرهم أعباء الحكم بالراهن؛ لأنه مرتهن بالتدبير، والزعيم، لأنه زعيم بصواب الرأي، والكافي، لأنه يكفي الحاكم مهمات الأمور، والكامل، لأنه يُفترض أنه كامل الفضائل.

وفي صَدر الإسلام، كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يشاور أصحابه في الأمور العامَّة والخاصَّة، ويخصّ ابا بكر ببعض الأمور. حتى مَن اختلط مِن العرب مع الروم، والفرس، والأحباش، قبل الإسلام، وعرفوا هذا الاسم عنهم، سَمّوا أبا بكر (وزير النبي (صلى الله عليه وسلم)).

وكذلك كانت الحال مع أبي بكر؛ فقد كان عمر يقوم بالقضاء وتوزيع الزَّكاة؛ وكذلك كان شأن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، مع عمر بن الخطاب؛ فإنه كثيرًا ما كان يستعين بهما، ويستنير بآرائهما، ويعهد إليهما القيام بكثير من شؤون الدولة وأعمال الرعية. فكان علي يقوم بكتابة الرسائل، والقضاء بين الناس، والنظر في أمور الأسرى، وفداء أسرى المسلمين.

أمَّا في العصر الأموي، فقد أصبحت الخلافة ملكًا يقوم على السياسة؛ فاحتاج الخلفاء إلى من يستشيرونه ويستعينون به في سياسة دولتهم ومهام أمورهم؛ فاختاروا بعض الرجال البارزين من ذوي الرأي والسياسة، ليقوموا بمثل هذا الغرض، فكانوا يقومون بمهام الوزراء (وإن لم يطلق عليهم هذا اللقب)؛ بل إن ملوكهم كانوا ينكرون ذلك. لأن الوزير مشتق من الوزارة، والخليفة أجلّ من أن يحتاج إلى المؤازرة، حسب رأي خلفاء بني أميَّة. وهكذا فإنَّ الاصطلاح (وزير) لا يتعدَّى في هذه المرحلة، من تاريخ الدولة الإسلاميَّة، عن معنى المشاورة والمؤازرة بالرأي والعمل.

ا. 2. الوزارة في العصر العباسي الأوَّل:

ومع بداية الدولة العباسيَّة، استمرت كلمة وزير تعني: المشاورة، والمؤازرة بالرأي، والعمل من جانب صحابة الخليفة العباسي، بما يخص السياسة العامّة للدولة، كما هي الحال


*59*

في العصر الأموي (فاروق عمر فوزي، الجذور التاريخية للوزارة العباسية (بغداد، 1986)، صفحة 15-17)، وبمرور الوقت، أصبحت الوزارة ثابتة المعالم، بحيث أنَّه: (لم تتمَهَّد قواعدها وتتقرر قوانينها، إلا في دولة بني العباس، فأمَّا قبل ذلك فلم تكن مقنّنة القواعد، ولا مُقرَّرة القوانين، بل كان، لكلِّ واحدٍ من الملوك، أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار بذوي الحِجَى (أي: العقل)، والآراء الصائبة؛ فكل منهم يجري مَجْرى وزير. فلما ملك بنو العباس تقرَّرت قوانين الوزارةِ وسُمِّي الوزيرُ وزيرًا، وكان قبل ذلك يسمى كاتبًا، أو مشيرًا) (ابن الطقطقى، م.س.، صفحة 153). وبذلك أصبحت وظيفة الوزير منصبًا رسميًا، لها قواعدها وقوانينها؛ فتطوُّر الدولة الإسلاميَّة، وتشعب مهام الخليفة (حيث حكم دولة مترامية الأطراف)، استدعت حصوله على المساعدة. وأوَّل وزير وَزَر لأوَّل خليفة عباسي، كان جعفر بن سليمان أبو سَلمَة الخلاَّل، استوزره السفاح، وفوّض إليه أمور الدواوين (أنظر، فيما بعد)، وكان يلقب (وزير آل محمد)، لكنه اغتاله بعد فترة وجيزة من تسلّمه لهذا المنصب؛ لاتهامه بالتجسس لأبي مسلم الخُرَاساني في البلاط العباسي. واستوزر السفاح بعده أبا الجَهْم، ثم استوزر خالد بن بَرْمَك، جدّ البرامكة الذين عظُم شأنُهم، واشتدّت سُطْوَتهم أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد، فنكبهم (أنظر موضوع الموالي صفحة 120).

كان الوزراء في العصر العباسي الأوَّل، يخافون على أنفسهم من بطش الخلفاء بهم؛ فكان كل منهم يتجنب أن يسمَّى وزيرًا، بعد أن سَمَّ أبو جعفر المنصور وزيره أبا الجَهْم لحقده عليه، إذ (دسّ لوزيره السُّم، فلما أحسَّ أبو الجَهْم قام لينصرف، فقال له المنصور: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثتني يا أمير المؤمنين) (ن.م. صفحة 156؛ فوزي، م.س.، صفحة 112). فالوزارة (لم تكن أيام أبي جعفر طائلة؛ لاستبداده برأيه وكفاءته، مع أنه كان يشاور في الأمور دائمًا، وإنما كانت هيبته تَصْغُر لها هَيْبَة الوزراء. وكانوا لا يزالون على خوف منه، فلا يظهر لهم أبَّهة ولا رَوْنق) (ن.م. صفحة 174).

بلغ نفوذ الوزير غايته في عهد هارون الرشيد، فقد اتخذ يحيى بن خالد البرمكي وزيرًا له وقال له: (قلدتك أمر الرعيّة، وأخرجته من عُنُقِي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمِل (أي: عيّن عاملًا) من رأيت، واعزل من رأيت، وامض الأمور على ما


*60*

ترى، فإني غير ناظر معك في شيء) (الطبري، م.س.، ج 10، صفحة 50، حسن إبراهيم حسن، النظم الإسلامية (القاهرة، 1962)، صفحة 119). ثم دفع إليه خاتمه الخاص، أي: سلّمه خاتم الخلافة، حتى صار بيده الحَلُّ والعَقدُ في كل شؤون الدولة. وأصبحت الدواوين في الدولة العباسيَّة تحت إشراف يحيى. فأعطى الرشيد خاتمه إلى يحي، مما يدلّ على ثقة الخليفة به، فهو رمز السلطة والنفوذ. ثم خلفه ابنه جعفر في الوزارة. فغلب على الرشيد غلبة صار لا يقدم عليه أحد. ففي عهده قبض البرامكة على أزِمَّة الحكم، وصار بيدهم الدخْلُ والخَرْجُ، حتى كان الرشيد يطلب البسيط من المال فلا يصل إليه إلا عن طريقهم، فغلبوه على أمره؛ وشاركوه في سلطانه. وقد عيَّن الرشيد جعفر البرمكي رئيسًا لحرس الخليفة وجعله مستشاره الخاص. ومن خلال هذا المنصب الأخير، لعب جعفر دورًا هامًّا في سير الإدارة والسياسة العباسيَّة. فقد أشركه الرشيد في النظر في المظالم، وإدارة البريد ودور الضرب (أي: صك النقود) والطِّراز. ولعل الإشراف على دور الضرب، من قبل جعفر، وبتخويل من الخليفة، حدث لأول مرة في تاريخ العباسيين، لأن هذه المهمَّة كانت من واجبات الخليفة الرئيسية، بل أكثر من ذلك؛ إذ ظهر اسم جعفر مطبوعًا على كل القطع النقديَّة في المشرق، ثم بعد ذلك على نقود الأقاليم الغربيَّة (فوزي، م.س.، صفحة 114). ويستدل ابن الطقطقى، على مدى نفوذ جعفر البرمكي، ودالته على الرشيد، بالخبر الذي أورده: أن رجلا من أقارب الخليفة الرشيد، يقال له عبد الملك بن صالح ابن علي بن عبدالله بن العباس قد حضر إلى باب جعفر ليخاطبه في حوائج له، فادخله حاجب جعفر خطأ، بينما كان الأخير في مجلس للشرب مع ندمائه؛ فظهر الخجل على وجه جعفر. جلس عبد الملك بن صالح، فباسط الحاضرين ومازحهم، فقال له جعفر: (ما حاجتك؟ قال: جئت أصلحك الله - في ثلاث حوائجَ، أريد أن تخاطب الخليفة فيها، أولها: أنَّ عليَّ دينًا مبلغه ألف ألف دِرْهَم (أي: مليون)، أريد قضاءه، وثانيها: أريد ولاية لابني، يشرُف بها قدره، وثالثها: أريد أن تزوِّج ولدي بابنة الخليفة، فإنها بنت عمِّه، وهو كُفء لها. فقال له جعفر: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أمَّا المال ففي هذه الساعة يُحمل إلى منزلك؛ وأمَّا الولاية فقد وليّت ابنك مصر؛ وأمَّا الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين، على صِداق (أي: مَهْر) مبلغه كذا وكذا، فانصرف في أمان الله ولما كان الغدُ حضر جعفر


*61*

عند الرشيد، وعرَّفه ما جرى، وأنه قد ولاه مصر وزوّجه ابنته؛ فعجب الرشيد من ذلك، وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر، وأحضر القضاة، والشهود، وعقد العقد) (ابن الطقطقى، م.س.، صفحة 206). فَقِس هذا الخبر على ما ذكرناه من نفوذ البرامكة الكبير في دولة الرشيد، هذا النفوذ الذي اضطر الرشيد أن يقضي عليهم في الحادثة المعروفة في تاريخ الإسلام بنكبة البرامكة (أنظر موضوع الموالي).

أ. 3. الوزارة في العصر العباسي الثاني:

تناسبت سلطة الوزير في هذا العصر، تناسبًا عكسيًا مع نفوذ القادة العسكريين، فكلما زادت سيطرة القادة العسكريين، واتسع نفوذهم في الإدارة، نقصت سلطة الوزراء، وتقلّص نفوذهم. كما ارتبطت سلطة الوزير بمدى قوَّة الخليفة، أو ضعفه.

ومما زاد من ضعف الوزارة في هذا العصر، ظهور وظيفة (أمير الأمراء) التي استحدثها الخليفة الراضي، عندما عيَّن أمير مدينة البصرة (ثم مدينة واسط سابقًا)، محمد بن رائق الحَمَداني، في هذا المنصب؛ وفوّض إليه تدبير المملكة؛ وأمر أن يُخْطَبَ له على المنابر؛ وأعطاه قيادة الجيش؛ فعلت بذلك مرتبته على مرتبة الوزير. (واستبد ابن رائق؛ فولَّي النُّظَّار والعُمَّال (أي: الولاة)؛ ورُفعت المطالعات إليه؛ ورُدّ الحكم في جميع الأمور إلى نظره (رأيه)؛ ولم يبق للوزير سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير) (ن.م.، صفحة 282).

وكانت سنة 333ه /945م، أهم سنة في تاريخ الوزارة، ففي هذا الوقت دخل بنو بويه بغداد؛ واستأثر أمراؤهم بالسلطة؛ وصاروا يعيّنون الوزراء وغيرهم من العمال: (ثم اضطربت أحوال الخلافة؛ ولم يبق لها رَوْنقٌ ولا وزارة؛ وتملَّك البويهيون، فصارت الوزارة من جهتهم والأعمال إليهم، وقرِّر للخلفاء شيء طفيف برسم إخراجهم) (ن.م. صفحة 288).

لقد أحدث البويهيّون تعديلا في نظام الوزارة، لم يكن معروفًا من قبل؛ فاتَّخد أحد أمرائهم، وهو عضد الدولة، وزيرين في آنٍ واحدٍ، هما: ابن منصور نصر بن هارون،


*62*

والمُطهّر بن عبدالله، فأبقى الأوَّل في فارس، وجعل الثاني في بغداد، وعلى الرغم من أن كلًا منهما كان مستقلا عن الآخر في عمله، إلا أن الخلاف كثيرا ما شب بينهما.

ومما يدلّ على سقوط هيبة الوزارة في عهد البويهيِّين، ضربهم لبعض وزرائهم: فضرب مُعزَّ الدولة وزيره أبا محمد المهلبي مائة وخمسين سَوْطًا، وحبسه؛ ولكنه لم يعزله عن وزارته؛ أما عَضُد الدولة، فقبض على وزيره أبي الفتح بن العميد، فسمَل عينيه، وقطع أنفه.

عانت الوزارة في هذا العمر من سياستين، هما: سياسة التضمينات وسياسة المصادرات؛ أمَّا التضمينات، فكانت أنه بسبب عجز مالية الدول، اضطر معه الوزراء إلى تعيين شخص ما في منصب، أو إقليم، على أن يضمن للخزينة مبلغًا متفقًا عليه من المال. وبمرور الزمن أصبحت التضمينات تُستتَغل للحصول على المناصب الحكومية، حتى إنَّ الطامعين إلى الوزارة منهم، أبدوا استعدادهم لسد عجز الخزينة، ليحصلوا على الوزارة.

أمَّا سياسة المصادرات، فهي الاستيلاء على أموال الوزراء، وكتّابهم، بعد إقصاء الوزير عن منصبه، حتى إنَّ الوزير كان يُفَهَّم، عند تسلمه منصبه، أنه ستُصادر أمواله عند عزله عن منصبه. ويعود سبب سياسة المصادرات إلى فراغ بيت المال، لعدم تدفق الواردات من الولايات، ثم لإسراف الفئة العسكرية والبلاط، والحاجة إلى المال لإخماد الثورات، أو حتى بهدف الانتقام الشخصي من بعض الوزراء (إقرأ نصّ رقم (8) ضمن الأسئلة والنصوص). هذا وكانت العوامل التي أثَّرت على سلطة الوزير في هذا العصر، كالتالي:

1. مدى ارتباط الوزير بالمحاور والتكتلات في الدولة.

2. قوة الخليفة، أو ضعفه.

3. موقف قادة الجيش من الوزير.

4. نوعيَّة العلاقة بينه وبين الحاشية والحريم في البلاط.

5. الأزمات الماليَّة، والإدارية، التي كان عليه أن يواجهها في فترة استيزاره.

6. الاضطرابات والفتن السياسيَّة التي شهدها عهده، وطبيعة معالجته لها.


*63*

وظلَّت سلطة الوزير على ما هي من الضعف، حتى زمن السلاجقة، حيث ظهرت وظيفة (السلطان)، التي حازها زعيمهم طُغْرُل بك السلجوقي، فقضت على ما للوزارة من نفوذ متبقٍ.

أ. 4. أنواع الوزارة: كانت الوزارة، في عهد العباسيِّين على نوعين، هما:

1. وزارة التفويض (أو وزارة السيف): وهي أن يَعهد الخليفة بالوزارة، بمحض اختياره، إلى رجل، يُفوِّض إليه النظر في أمور الدولة، والتصرف في شؤونها، بحريَّة. ولم يبق للخليفة بعد ذلك، إلا ولاية العهد، وسلطة عزل من يوليهم الوزير؛ فوزارة التفويض مثلا، هي وزارة آل بَرْمَك، ومع ذلك يتوجب على الوزير أن يطلع الخليفة على ما قرره؛ فيقرِّه، أو يرفضه.

2. وزارة التنفيذ (أو وزارة القلم): وهي التي تكون فيها مهمة الوزير تنفيذ أوامر الخليفة، وعدم التصرف في شؤون الدولة من تلقاء نفسه (عكس وزير التفويض)؛ بل كان يعرض شؤون الدولة على الخليفة، ويتلقى أوامره فيها. فهو، إذن، واسطة بين الخليفة ورعيَّته.

أ. 5. الفرق بين شروط الوزارتين وصلاحياتهما:

أ. شروط الوزارتين، وتتلخص فيما يلي:

1. الحريَّة؛ مُعْتَبَرَة في وزارة التفويض، وغير معتبرة في وزارة التنفيذ.

2. الإسلام؛ معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبر في وزارة التنفيذ.

3. العِلم بالأحكام الشرعيَّة؛ معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبر في وزارة التنفيذ

4. المعرفة بأمري الحرب والخراج (أنظر فصل ماليَّة الدولة الإسلاميَّة)؛ معتبرة في وزارة التفويض، وغير معتبرة في وزارة التنفيذ.

ب. صلاحيات الوزارتين، وتتلخص، فيما يلي:

1. يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم، والنظر في المظالم، ولا يجوز ذلك لوزير التنفيذ.


*64*

2. يجوز لوزير التفويض أن يستبدَّ (أي: ينفرد برأيه) بتفويض الولاة، ولا يجوز ذلك لوزير التنفيذ.

3. يجوز لوزير التفويض تسيير الجيوش، وتدبير الحروب، ولا يجوز ذلك لوزير التنفيذ.

4. يجوز لوزير التفويض أن يتصرف بأموال بيت المال، ولا يجوز ذلك لوزير التنفيذ.

يبدو، مما سبق، أن وزير التفويض في صلاحيَّاته، كالخليفة؛ يوجه سياسة الدولة؛ ويولي الموظفين ويعزلهم؛ ويجبي الأموال وينفقها؛ ويسيّر الجيوش ويجهزها؛ ويجلس للمظالم يفصل فيها. ولكي لا يكون كالخليفة تتوجب عليه القيود التالية:

1. أن يُطلع الخليفة على أعماله، حتى لا يكون استبداده بها، كأنه الخليفة.

2. ليس له أن يعزل مَن قلَّده الخليفة، ولكن للخليفة أن يعزل مَن قلَّده الوزير.

3. للخليفة وحده الحقّ في أن يستعفيَ مِن الخلافة، وأن يعهد إلى من يريده بها.

4. للخليفة الحقّ في عزل الوزير متى شاء.

5.للخليفة الحقَّ في أن يُبطِلَ أعمال الوزير.


*65*

- أسئلة ونصوص

1. ما هو أصل كلمة (وزير)؟ وضِّح ذلك.

2. متى ظهرت الوزارة، منصبًا رسميًا، في الدولة الإسلاميَّة؟ وضِّح.

3. إلى أي مدى وصلت سلطة الوزير، في العصر العباسي الأول؟ وضِّح.

4. ما هي عوامل ضعف سلطة الوزير، في العصر العباسي الثاني؟ إشرح.

5. قال ابن خلدون: (فانقسمت الوزارة، حينئذ، إلى وزارة تنفيذ، وهي: حال ما يكون السلطان قائمًا على نفسه، وإلى وزارة تفويض، وهي: حال ما يكون الوزير مستبَدًّا عليه) (المقدمة، ص 239).

أ. ما الفرق بين وزارة التنفيذ ووزارة التفويض، حسب رأي ابن خلدون؟ وضِّح.

6. ما هي شروط الوزارتين؟ وضِّح.

7. هل يعتبر وزير التفويض مطلق الصلاحيَّات؟ وضِّح.

8. إقرأ النص التالي، ثم أجب عمَّا يليه من أسئلة:

حدّث سليمان بن وَهْب قال: (كنت أنا والعباسُ بنُ الخَصيب، مع خَلْقِ من العُمَّال والكُتَّاب مُعتقلين في يدي محمَّد بن عبدَ الملك في آخر وزاراته (للخليفة) للواثق. نُطالب ببقايا مصادرات فقُبض عليّ، فلم أشكُ في أنه القتل، وفُتحت الأبوابُ وحَمَلني الفرَّاشون لثِقَلٍ حديديٍ، وحُمِلتُ إلى إسحاق بن إبراهيم، وكان صاحبَ الشرطةِ، فإذا فيه صاحبُ ديوان الخراج، وصاحبُ الضياع، وصاحبُ الزِّمَام، وبعض الكتَّاب، فطُرحت في آخِر المجلس، فشتمني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أقبحَ شَتمٍ، وقال: يا فاعلُ، ويا صانعُ تُعَرِّضني لاستبطاء امير المؤمنين؟ أين الأموالُ التي جَمَعْتَها، وحُبست بسببها؟ فاحتججت بنكبةِ ابن الزيَّات، فقال لي صاحب ديوان الضياع: أخذت من الناس أضعاف ما أدَّيتَ، وعادت يَدُك إلى كَتَبَة إيتاخَ، فأخذت ضياع السلطان واقطعتها (أي: أخذتها كإقطاع) لنفسك، وحُزْتَها سَرقةٍ اليك. وأنت تستغلُّها ألفي دِرْهم، وتتزيا بزيِّ الوزراء (التنوخي، الفرج بعد الشدة، ج 1، صفحة 43).

1. ما هي التهمة التي اعتُقل بسببها سليمان بن وهب؟ وضِّح.

2. ماذا تستنتج من النص السابق؟ وضِّح


*66*

ت. الحِجَابَة:

الحِجَابَة، لغة، هي: حَجْب الشيء أي سَتْرَه. ويُرادُ بها حَجْب الخليفة عن الناس. ويشرف على ذلك موظف يدعى (الحاجب) الذي يُغلق باب الخليفة دون الناس، أو يفتحه لهم. ثم تطورت وظيفته، فأصبح عمله تنظيم مقابلة المُراجعين للخليفة، وترتيبهم في الدخول عليه، مراعيًا في اذلك مركزهم الاجتماعي، وأهمية أعمالهم.

كان الخلفاء الراشدون لا يمنعون أحدا من الدخول عليهم؛ بل كانوا يخاطبون الناس على اختلافهم، بلا حجاب. وقصَّة الخليفة عمر بن الخطاب، مع رسول كسرى، مشهورة؛ إذ جاء إلى المدينة المنوَّرة يسأل عن الخليفة عمر؛ فلم يجده؛ فسأل عن مكان وجوده؛ فقيل له: إنه في ظاهرها (أي: خارجها)؛ فذهب؛ فإذا هو (أي: الخليفة عمر) قد افترش الأرضَ، ونام نومًا هادئًا، مطمئنًا؛ فنظر اليه رسول كسرى؛ وقال: (عَدَلْتَ، فأمِنْتَ، فَنِمْتَ أمَّا حُكَّامُنا، فَظَلَمُوا، فَخافوا، فاحْتَجَبُوا).

ب. 1. الحِجابة في العهد الأموي:

إذا صحَّ الخبر السابق المروي على لسان رسول كسرى، فإننا نستنتج، أن السبب الأوَّل الذي دفع حكام الفرس إلى اتخاذ (الحاجب)، هو نفس السبب الذي دعا الخليفة معاوية إلى اتخاذ الحاجب على بابه؛ إنَّه الخوف على حياته، بعد محاولة قتله الفاشله على يد أحد الخوارج (وفي العصر العباسي أُضِيف اليه سببان آخران، أنظر فيما بعد). وقد قلد خلفاء بني أميَّة، والولاة معاوية؛ في اتخاذ الحاجب على أبوابهم. فالحجابة، إذن، ظهرت، أوَّل ما ظهرت، زمن الأمويِّين، وعلى يد الخليفة معاوية؛ وفي ذلك يقول ابن خلدون: (إن هذا اللقب كان مخصوصًا في الدولة الأمويَّة والعباسيَّة بمَن يَحْجِب السلطان (أي: الحاكم) عن العامّة، ويُغْلق بابه دونهم، أو يفتحه لهم) (ن.م.، صفحة 240).

ولكي تتعرَّف إلى الصفات، التي يجب أن تتوفَّر في الحاجب، إقرأ النص التالي:


*67*

قال الخليفة المنصور لابنه المهدي: لا ينبغي أن يكون الحاجبُ جَهُلًا، ولا غبيّا، ولا عَبيّا (أي: عدم نطق الأحرف جيدًا)، ولا ذهُولًا ولا مُتَشاغلًا، ولا خامِلًا، ولا مُحتقرًا، ولا جَهمًا، ولا عَبُوسًا، فإنه إن كان جهولًا؛ أدخل على صاحبه الضَّرَر من حيث لا يُقدِّرُ المَنْفَعَة، وإن كان عَبيَّا؛ لم يؤدِ إلى صاحبه ولم يؤدِ عنه، وإن كان غبيّا؛ جهل مكان الشريف فأحلّه غير منزلته وحطَّه من مرتبته، وقدَّم الوضيع عليه، وجَهَلَ ما عليه وما له. وإن كان ذهولًا متشاغلًا؛ أضلّ بما يَحْتَاج إليه صاحبُه في وقته، وأضاع حقوق الغاشِّين لبابه، واستدعى الذَمَّ من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه، وإذا كان خاملا، محتقرًا؛ أحلَّ الناس صاحبه في محلِّه وقضوا عليه. وإذا كان جَهْمًا عَبُوسًا؛ تلقَّى كلَّ طبقة من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم، وأخلّ بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلت الغاشيِّة لباب صاحبه، فرارًا من لقائه (المرجع: الجاحظ، رسائل الجاحظ: كتاب الحُجّاب، صفحة 37-38).

كان الخلفاء، منذ زمن معاوية، يرتِّبُون الناس في الدخول عليهم، حسب طبقاتهم وأنسابهم؛ فكانوا يفضِّلون في الدخول أوَّلًا: أهل البيوتات (أي: النسب)؛ فإذا تساوت الأنساب فضَّلوا أهل السنِّ؛ فإذا تساوت فضَّلوا أهل الأدب والعلم. ومع ذلك، فقد نهج الخليفة عبد الملك بن مروان بالسماح لأربعة بالدخول عليه، دون إذن الحاجب، وهم: أ. المنادي للصلاة (أي: المؤذِّن)،

ب. طارق الليل (لخبرِ سوء يحمله)، ت. ورسول الثغر (من يحمل بريد الحصن على حدود الدولة). ث. وصاحب الطعام (لأنه إذا أعيد تسخينه فسُد).

ب. 2. الحِجابة في العهد العباسي:

إقتدى الخلفاء العباسيون ببني أميَّة؛ فاتخذوا الحجاب؛ وأوجدوا سببا آخر لمنع العامَّة من الدخول عليهم وهو فقط في الأمور الهامَّة وهو السبب الثاني لاتخاذ الحجابة، وهذا ما يسميه ابن خلدون بالحجاب الثاني. وصار في الخلافة العباسيَّة بين الناس والخليفة داران:

أ. دار الخاصَّة، فيها يستقبل: أقرباءه، ورجال دولته، وطبقة الأشراف، واتباعه.


*68*

ب. دار العامَّة، فيها يستقبل: فئات العامَّة التي تضمّ أصحاب الحرف والصناعات، والتجار، والأدباء، والشعراء، والحكماء والمغنُّين.

أمَّا السبب الثالث للحجابة، فهو ما يسميه ابن خلدون بالحجاب الثالث، وقد عمدوا إليه عند تدهور أوضاع الدولة العباسيَّة، وهو الحَجْر على صاحب الدولة؛ لأن أهل الدولة كانوا إذا نصبوا البناء، وأرادوا الاستبداد عليهم، فإنَّ أوَّل ما يفعلونه هو حجب البطانة وسائر الأولياء عنهم، ويوهمونهم أنَّ في مباشرتهم خَرقٌ لحجاب الهيبة، وفَسَادٌ لقانون الأدب، كما هي الحال في العصر العباسي الثاني.

عَلت مرتبة الحاجب، بارتقاء الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة أيام العباسيين؛ فأصبح يستشار في كثير من أمور الدولة. ومن أبرز الحُجَّاب في العصر العباسي الأوَّل، كان الفضل بن ربيع، الذي أوقع بالبرامكة عند الرشيد، فكانت نكبتهم؛ كما لعب دورًا بارزًا في إحداث الفتنة بين الأخوين: الأمين والمأمون؛ فقد أغرى الأمين على اخذ البيعة لابنه وخَلع أخيه المأمون عن ولاية العهد؛ أما في العصر العباسي الثاني فكثيرًا ما كان الحاجب يتدخل في أمور الدولة ويستبد بالنفوذ دون الوزير، ويلزم أصحاب الدواوين بالرجوع اليه في كل أمور الدولة، ويحتِّم عليهم بألا يبتّوا في الأعمال، إلا بعد موافقته.

- أسئلة:

1. ما هي أسباب ظهور الحِجابة في الدولة الإسلاميَّة؟ وضِّح

2. ماهي الصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يتقلد وظيفة الحاجب؟ إشرح.

3. لماذا سمح الخليفة عبد الملك بن مروان، بدخول رسول الثغور عليه؟ وضِّح

4. ما هي أنواع الحِجابة؟ وضِّح! مشيرًا إلى ظروف نشوء كلٍّ منها.


*69*

ت. الدَّواوين:

ت. 1. الدَّواوين في العهد الراشدي:

ت. 1. أ. في معنى (الديوان): اختُلف في أصل ومعنى كلمة (ديوان)، فقيل: إنَّه عربيّ ومعناه: الأصل الذي يرجع إليه، ويعمل بما فيه، ومنه قول عبد الله بن عبَّاس، عمّ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، (إنَّ الشعر، ديوان الخرب). وقيل: إنَّه فارسي معرَّب (من الكلمة الفارسيّة (ديوان)، ويلفظ حرف الواو بالفارسية (ف)، فيصبح: (ديفان)، ومعناه: سِجِل، أو دفتر، واطلق اسم الديوان من باب المَجَاز (أي: غير معناه الحقيقي) على المكان الذي يُحفظ فيه السجل. وعرَّف ابو الحسن الماوردي (ت. 450ه /1058م)، (الديوان) على أنه: (مَوْضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال، ومن يقوم بها من الجيوش والعمال) (الماوردي، م.س.، صفحة 199).

يقال: إنَّ الخليفة عمر بن الخطاب، كان أوَّل من أنشأ الديوان في الإسلام؛ أمَّا قبل عمر بن الخطاب، فلم يكن للدولة الإسلاميَّة شيء من هذه الدواوين. فلما كثُر دخل الدولة نتيجة للفتوحات زمن عمر بن الخطاب؛ أشار عليه بعض أصحابه باتخاذ الديوان. ولقد أورد المؤرخون ثلاث روايات عن كيفية اهتداء الخليفة عمر إلى فكرة إنشاء الديوان:

1. إنَّ الصحابي أبا هُريرة، عامِلة على البحرين، قَدِم، ومعه مال كثير، فلقي عمر بن الخطاب، فقال له عمر: (ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف دِرهِم (أو دِرهَم)، فاستكثره عمر، فقال له: أتدري ما تقول؟ قال: نعم؛ مائة ألف درهم (ردَّد ذلك خمس مرات)، فقال عمر: أطيّب هو؟ (يقصد أحلال هو؟)، فقال: لا أدري، فصعد عمر المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناسُ! قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كِلناه لكم كَيلًا، وإن شئتم عددناه عَدًّا، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدوِّنون ديوانًا لهم؛ فدوِّن أنت لنا ديوانًا) (ن.م.، صفحة 199: أبو يوسف، كتاب الخراج (القاهرة، 1382ه)، صفحة 45).


*70*

2. ويقال: إنَّ الذي أشار على الخليفة عمر، بوضع الديوان، هو أحد زعماء الفرس ممَّن أسلموا، إذ كان حاضرًا مجلس الخليفة، وقد رآه يرسل بعثًا (أي: جيشًا)، فقال له: (هذا البعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلَّف منهم رجل بمكانه، فما يدري صاحبك (أي: قائدك) به. وأشار عليه بوضع الديوان، وفسره له وشرحه؛ فأمر عمر بإنشاء ديوان الجند) (ن.م.، 201).

3. ويقال بأنَّ الصحابة: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفَّان، وخالد بن الوليد، هم الذين أشاروا على الخليفة عمر بأن يدوِّن الدواوين. فقال خالد بن الوليد، مثلا: (كنتُ في الشام؛ فرأيت ملوكها قد دوَّنوا ديوانًا وجنَّدوا جنودًا؛ فدوِّن ديوانًا، وجنِّد جنودًا؛ فأخذ بقوله) (ن.م.، 202).

وليكن مصدر فكرة الديوان ما يكون، فإن الحقيقة التاريخية، هي: أنَّ الخليفة عمر كان أوَّل من أنشأ الدواوين في الإسلام، وبشكل رسميٍّ. ونشأ في عهده ديوانان، هما:

1. ديوان الجُنْد: وقد سُجِّلت فيه أسماء الجند، وانسابهم، وقبائلهم، وحتى ألوانهم، وملامحهم، وسائر ما يميّز الجندي عن غيره؛ لئلا تتفق الأسماء؛ وليسهل استدعاؤهم. ثم عيّن مقدار العطاء (أي: راتب مالي) لكل واحدٍ منهم؛ وبذلك وضع الخليفة عمر أُسس الجند النظامي؛ فكان القائد إذا أرادَ الخروج للقتال أحضر سجل (الديوان)، واختارَ منه المقاتلين. وصار (الإلزام) نظامًا اساسيًّا في التجنيد، وتكوين الجيوش الإسلاميَّة، منذُ وضع عمر (ديوان الجند). والتزم (ديوان الجند) بإعداد المُعدّات الحربيَّة وتموين الجيوش، على حين تولى الجند أنفسهم صيانة السلاح من أرزاقهم وعطائهم.

2. ديوان الخَرَاج (أو الجباية، أو الاستيفاء): سُجِّلت فيه جميع واردات الدولة المالية، من الزَّكاة، والخراج، والجزية، والعُشور (أي: المكوس) (مكوس جمع مكس وهي كلمة سريانية (ماكسو)، وتطلق على الضرائب المفروضة على التجارة والصناعة) (أنظر أيضا موضوع مالية الدولة الإسلاميَّة)، ثم ما يُفرض لكل مسلم من العطا. فإنه عندما استقرَّ ترتيب المسلمين في الدواوين، في عهد عمر بن الخطاب، على قدر النسب المتصل برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحُدِّد العطاء على قاعدة القُرْبَى من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والسابقة في الإسلام؛ وكان يُفاضَل بين أقارب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في العطاء: فاذا تساوى إثنان في درجة القرابة من الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فضل


*71*

حسب السابقة في الإسلام؛ أمَّا في غير أقارب الرسول (صلى الله عليه سلم)، فحسب السابقة في الإسلام. ثم فرض لكلِّ مولود مائة درهم؛ فاذا ترعرع؛ فمائتين. كما فرض للنساء من المهاجرين والأنصار عطاءً يتناسب والمكانة التي وضع فيها أزواجهن. وعند إنقراض أهل السوابق في الإسلام، روعي مبدأ: المعارك الحاسمة (قبل معركتي: اليرموك والقادسيَّة، أو بعدهما): فمن أسلم قبل هاتين المعركتين، يحصل على عطاء أكبر ممن أسلم بعدهما؛ ثم صار حسب مبدأ التقدم في الشجاعة، والبلاء في الجهاد، وخدمة الدين. هذا ولم يقتصر فرض العطاء على العرب من المسلمين، بل إنه شمل بعض الأعاجم من المسلمين؛ هذا وقد حوم - حسب بعض الروايات - التجار؛ فقد، روي أنَّ الخليفة الأمويّ: عمر بن عبد العزيز، أمر باستثناء تجار المدينة المنورة من ديوان العطاء (خليل عثامنة، دراسات مختارة من حقول التراث العربي الإسلامي (باقة الغربية، 2008)، صفحة 57-99).

وتذكر بعض الروايات، أنه قد خطر للخليفة عمر، في آخر خلافته، تغيير طريقة تقسيم العطاء هذه؛ بان يَفْرض، لكل واحدٍ من المسلمين، أربعة ألاف درهم؛ ألف يجعلها لعياله إذا خرج إلى الحرب؛ وألف يتجهَّز بها؛ وألف يصحبها معه؛ وألف يرتفق بها (أي: ينتفع)، فمات الخليفة عمر، قبل إتمام هذا الرأي (ابن الطقطقى، م.س.، ص 84). (أنظر نص رقم 1 ضمن: أسئلة ونصوص).

وبالإضافة إلى دوافع نشوء الديوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فقد نشأت هناك دوافع خاصَّة لنشوء دواوين أخرى، على مرِّ العصور الإسلاميَّة، كما سنبيِّن ذلك عند الحديث عن تطور الدواوين في العهدين: الأموي، والعباسي.

ت. 2. تطوُّر الدواوين في العهدين: الأموي، والعباسي

لقد أتيح للأمويّين من الاتصال بالفرس والبيزنطيّين، أكثر مما أتيح للراشدين، فقد اتسعت رقعة الدولة في عصرهم ومعها مرافق الدولة؛ فاحتاجت إلى دواوين جديدة تنظم إدارتها، وتتلاءم مع تطورها. واستقرّت هذه الدواوين، وأخذت صبغتها النهائيَّة، في العصر العباسي.

وعليه، فقد استمرت عملية نشوء الدواوين في العهد الأموي، إضافة إلى ديواني: الجند والخراج، اللذين استُحدِثا في العصر الراشدي. ومن هذه الدواوين التي استُحدِثت نذكر:


*72*

1. ديوان الرسائل؛ وغلب عليه اسم ديوان الإنشاء. وكانت مهمته إعداد المكاتبات الرسميَّة التي تصدر عن الخليفة وصياغتها: كالرسائل، والمراسيم، والتعيينات، والوصايا، والأوامر الإداريَّة، وكذلك تحرير المكاتبات الرسميَّة للدول الأجنبيَّة.

وكان يشترط في صاحب ديوان الرسائل أن يكون سلمًا، حسن الديانة، سليم العقل، عالمًا بفنون الكتابة، حافظًا للقرآن الكريم، والسيرة النبويَّة، وأخبار العرب القدماء، حافظًا للأشعار، بليغًا، فصيحًا، وقورًا، مهيبًا، ذا معرفة بعلوم بالنحو، محبًا للعمل، كاتمًا للسِّر. وكان كاتب الرسائل من أهم الكتَّاب في الدولة، لأنه، بحكم مهنته، كان يطَّلع على أسرار الخليفة. وكان أوَّل الداخلين عليه وآخر الخارجين عنه؛ ولهذا حَرِص الخلفاء ألا يولُّوا هذا المنصب إلا أقرباءهم وخاصَّتهم. وظلّوا على ذلك إلى أيام العباسيين؛ أمَّا مهام وواجبات صاحب ديوان الرسائل، فأصبحت على مرِّ العصور الإسلاميَّة، تشمل التوقيع على الرسائل المرسلة إلى جميع الولايات والموظفين، والنظر في الرسائل الواردة إليه، وفي الألقاب التي تكتب في الرسائل حتى لا يُزاد أو يُنقَّص فيها، والإطلاع عل ما يُكتب في ديوانه وموَّقع عليها (أي: ما تحمل من تعليق على مضمونها)، وعلى أمر البريد، والنظر في أبراج حمام الزَّاجل، من السُّعاة الذين يوصلون الرسائل، وفي المناور، والمحروقات (وهي أمكنة على رؤوس الجبال توقد فيها النار للمخابرات)، والنظر في أمر العيون (أي: الجواسيس)، والنظر في الأمور العامَّة، والردّ على الأجوبة في يومها.

2. ديوان الطِّراز: الطِّراز، هو رسم أسماء الخلفاء والأمراء، أو علامات تختص بهم على أطراف ثيابهم الرسمية. وقد أخذ الأمويون ذلك عن البيزنطيّين، الذين اعتادوا كتابة عبارة (باسم الأب والإبن والروح القدس) على الطراز، فلما جاء الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، أمر باستبدال تلك العبارة بشهادة (لا إله إلا الله) ثم أقيمت الدور لنسج الأثواب، وأشرف عليها عامل خاصّ دعي (صاحب الطِّراز). وكان قرار الخليفة عبد الملك هذا تمشيًا مع سياسته في تعريب الجهاز الإداري للدولة الإسلاميَّة.


*73*

3. ديوان البريد: كان معاوية أوَّل خليفة استحدث نظام البريد في الدولة الإسلاميَّة، وكان البريد مخصصًا في الأصل لخدمة أغراض الدولة، لنقل أوامر وأخبار السلطة المركزيَّة إلى الولايات وبالعكس. وكانت أحدى مهمات صاحب البريد، التجسُّس على الولاة. ولهذا كان من بين من سُمِح لهم أن يدخلوا على الخليفة دون إذن الحاجب. هذا وسُمح للرعيَّة فيما بعد، نقل رسائلهم بواسطة البريد وأصبح البريد على ثلاثة أنواع:

أ. البريد البرِّي، كانت طرقه تتفرع من عاصمة الدولة إلى أطرافها وتكون هناك محطات للبريد، تتألف كل محطة من خانٍ، ومسجدٍ، وسقايةٍ (الماء)، ودوابّ البريد، من بغالٍ وخيل.

ب. البريد البحري: وقد اقتُصر على البلاد البحرية بصفة خاصَّة؛ وكان صاحبه يزوَّد عادة بمراكب خفيفة سريعة، لاستغلالها في نقل البريد؛ وكان الاعتماد على هذا النوع ضعيفًا؛ ولا يُلجأ اليه إلا عند تعذر الطرق البرية.

ت. البريد الجوي: بواسطة حمام الزَّاجل، وبرز ذلك في العهد الفاطمي خاصَّة (297-567ه /909-1171م).

4. ديوان الخاتم: استحدثه الخليفة الأموي معاوية. وهو ديوان معتبر من أكابر الدواوين. ولم تزل الطريقة جارية به حتى أواسط دولة العباسيين، فأسقط لتحوُّل الأعمال إلى الوزراء، والسلاطين، وغيرهم. ومعناه أن يكون ديوان وبه نواب؛ فإذا صدر توقيع من الخليفة، بأمر من الأمور، أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، واثبت نسخته فيه، وحُزِم بخيطٍ، وختم بشمع، وختم بخاتم صاحب الديوان، فإذا فتحت الرسالة، قبل أن تصل إلى مرجعها، عُرف ذلك. وكان سبب استحداث معاوية لهذا الديوان؛ أنه أحال رجلا على واليه، زياد بن أبيه، في العراق، بمائة ألف درهم، فمضى ذلك الرجل، وقرأ الكتاب، وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة، فجعل المائة مائتين (حيث كتب المبلغ بالأرقام أي 100 لا بالكلمات). فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية؛ أنكر ذلك، وقال: (ما أحلته إلا بمائة ألف)؛ ثم استعادها منه، ووضع ديوان الخاتم؛ وصارت التواقيع تصدر منه مختومة لا يدري أحد ما فيها، ولا يتمكن أحد من تغييرها. ويحتفظ ديوان الخاتم، بنسخة عن كل ما يُوقع من رسائل وحسابات؛ وكذلك


*74*

فعل الولاة؛ وذلك للرجوع اليها والمطابقة والمقارنة، وخاصَّة في العصر العباسي الثاني؛ حيث نكب عدد كبير من الوزراء، بدعوة الرشوة، والتلاعب، والغنى غير المشروع. أمَّا العباسيّون، فقد تأثروا بالنظم الإدارية الفارسية، كما أن الأمور تشعبت بعد العصر الأموي؛ فأنشئت دواوين عديدة، إضافة لما عرف زمن الراشدين والأمويِّين. ومنذ خلافة أبي العباس السفاح، الخليفة العباسي الأول، جُمعت الدواوين لأوَّل مرة، في دفاتر، أو سجلات، بدلًا من أن تبقى صُحُفًا مبعثرة. ومن بين الدواوين المستحدثة في العصر العباسي نذكر:

5. ديوان الأزِمَّة: سمِّي ديوان الأزِمَّة في العاصمة، وديوان الزِّمَام في الولايات. أنشأه الخليفة العباسي المهدي (خلف 158-169 / 775-785م). وكانت دواوين الأزِمَّة عبارة عن دوائر صغيرة، تشرف على أعمال الدواوين الكبيرة، وكأنها دواوين محاسبة؛ لأنها تُعنى، بالدرجة الأولى، بالتدقيق في الحسابات والشؤون الماليَّة لكل ديوان. كما أنشئ في عهده ديوان زمام الأزِمَّة، ينتظم فيه جميع دواوين الأزِمَّة؛ وكان صاحبه يشبه وزير الماليَّة في يومنا؛ فهو يجمع أنواع الواردات كلها، وأنواع النفقات كلها، ويقيم الموازنة بينها.

6. ديوان الموالي والغِلْمَان: استحدثه الخليفة العباسي المعتصم بالله بهدف تسجيل أسماء مواليه، وغلمانه من المماليك الأتراك، والاهتمام في الاستكثار منهم. وقيل: (إن المعتصم بالله استكثر من المماليك (الأتراك)؛ فضاقت بهم بغداد؛ وتأذى بهم الناس؛ إذ زاحموهم في دورهم؛ وتعرَّضوا بالنساء؛ فكان في كل يوم ربما يُقتل منهم جماعة؛ فركب المعتصم بالله يومًا فلقيه رجل شيخ؛ فقال للمعتصم: يا أبا إسحاق، فأراد الجند ضربه؛ فمنعهم المعتصم بالله وقال له: ما لك يا شيخ؟ فقال: جئتنا بهؤلاءٍ العُلوج (العُلوج: جمع عِلج وهو حمار الوحش السمين القوي، وتطلق على الرجل الضخم القوي من كفار العجم أي الفرس، انظر لسان العرب، المجلد الثاني (بيروت، ب.ت). صفحة 326) من غلمانك الأتراك؛ فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا؛ وأرملت نساءنا؛ والله لنقاتلنَّك بسهام السحر: يعني الدعاء، والمعتصم بالله يسمع ذلك) (ابن الطقطقى، م.س.، ص 231)؛ ولهذا قرَّر بناء مدينة سامرَّاء لجنده الأتراك؛ ليبعدهم عن بغداد. وكان المارّ بها يُسرُّ لجمالها، لذا عُرفت ب (سُرَّ من رأى)، واختصرت، فقيل: (سامرَّاء). ثم أصبحت حاضرة الدولة العباسيَّة في الفترة بين سنة 221ه /836م حتى 262ه /876م.


*75*

واحتفظت سامرَّاء بعظمتها، ورونقها، حتى نهاية خلافة المعتضد (خلف 279-289ه /892-903م). ثم خربت، فسميت: (ساء من رأى).

http://www.islamichistory.net/editions/july/fresco.htm

وكان يُعهد بإدارة كل ديوان إلى مدير يسمى (الرئيس) أو الصدر؛ أمَّا مراقبتها، فكانت تجري من قبل مفتشين أطلق عليهم اسم المشرفين، أو النَّظَّارة، فكانوا يفتشون من حين لآخر على الدواوين، ويرفعون التقارير الوافية للخليفة.

أصبحت إدارة الدولة العباسيَّة، في القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد، تنقسم إلى ما يشبه وزارتين: أحداهما للداخلية، وهي ديوان الأصول، والأخرى للمالية، وهي ديوان الأزِمَّة. ثم انقسم كل ديوان كبير إلى أقسام كثيرة، تسمى دواوين أيضًا، لأنه لكل ناحية ديوانها. ومن الجدير ذكره، أن الإدارة في الدولة الإسلاميَّة، لم تصل إلى تعيين الحدود الفاصلة بين الدواوين بدقة؛ كما أنه منذ عهد الخليفة المعتضد، أصبحت الدواوين في بغداد، تغلق يومي الجُمُعَة والثُلاثاء.

ت. 3. تعريب الدواوين: كان لقلة خبرة العرب، في أوَّل أمرهم، بأمور الإدارة، أن تَرَك الخلفاء الراشدون، وأوائل الأمويِّين، لسكان المناطق المفتوحة، الاستمرار في كتابة الدواوين بلغاتهم المحليَّة: فكانت لغة الدواوين في فارس بالفارسيَّة، وفي الشام باليونانيَّة، أو السريانيَّة، وفي مصر بالقبطيَّة، أو اليونانيَّة، حتى أمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، بتعريبها (أي: نقلها إلى العربيَّة)؛ لظهور الحاذقين من العرب، على عهده، ومواليهم في الكتابة


*76*

والحساب؛ أو للعداوة التي نشبت بينه وبين اثنين من قياصرة الروم، حسب رأي آخر؛ واستمرت سياسة تعريب الدواوين، في عهد ابنه الوليد، ومَن جاء بعده من الخلفاء الأمويِّين. كان لتعريب الدواوين أثر كبير من الناحيتين السياسيَّة والأدبيَّة، فقد أصبحت لغة الدواوين هي العربيَّة، وقد ساعد ذلك على تقليص نفوذ أهل الذِّمَّة (النصارى واليهود بشكل خاص)، بعد أن انتقلت مناصبهم إلى يدي المسلمين العرب؛ أمَّا من الناحية الأدبية، فقد أصبحت اللغة العربيَّة لغة التدوين، واللغة الرسمية في السياسة، والإدارة؛ ونقلت إليها كثير من الاصطلاحات الفارسيَّة، والروميَّة، والقبطيَّة؛ وأخذت طبقة الكتاب تظهر منذ ذلك الحين.

- أسئلة ونصوص

1. اقرأ القطعة التالية، ثم أجب عن الأسئلة التي تليها:

ثم إن عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السبق إلى الإسلام وإلى نصرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في مواطن حروبه. ثم استخدم الكتاب للدواوين وأمرهم بترتيب الطبقات وضبط العطاء، فقالوا؛ بمن نبدأ يا أمير المؤمنين؟ فأشار ناس من الصحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقالوا: أنت أمير المؤمنين وتقديمك واجب. فكره عمر ذلك وقال: ابدأوا بالعباس عمّ رسول الله (صلوات الله عليه)، وببني هاشم ثم بمن بعدهم طبقة بعد طبقة، وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم الله (عزّ وجلَّ). فاعتُمِد ما أشار به وجرى الأمر على ذلك مدة خلافته وخلافة عثمان، ثم في آخر خلافته خطر له تغيير هذا الرأي، وأن يقرض لكل واحدٍ من المسلمين أربعة آلاف، وقال: ألف يجعلها لعياله إذا خرج إلى الحرب، وألف يتجهز بها، وألف يصحبها معه، وألف يرتفق بها. فمات عمر، قبل اتمام هذا الرأي (المرجع: الطبري، م.س.، ج 4، صفحة 442).

أ. ماذا تعني كلمة (ديوان)؟ وضِّح!، ثم بين كيف اهتدى الخليفة عمر إلى فكرة الديوان؟

ب. ما هي الأسس التي عينها الخليفة عمر للعطاء من (بيت مال المسلمين)؟ إشرح

2. ما هي التغييرات التي طرأت على الدواوين في العهد العباسي؟ اشرح.


*77*

الفصل الثالث: القضاء في الإسلام


*77*

أ. الشريعة الإسلاميَّة، ومصادرها الرئيسيَّة:

أ. 1. في تعريف الشريعة الإسلاميَّة: الشريعة، لغة، تعني: مورد الماء؛ أمَّا لدى علماء المسلمين فهي: مجموعة الأحكام (حُدود الله)، التي سنَّها الله تعالى - جلَّ جلاله لعباده لتنظيم صلاتهم به وتعرف بالعبادات، ثم علاقتهم ببعضهم، في نواحي الحياة المختلفة: اجتماعيَّة، وسياسيَّة، واقتصاديَّة، ودوليَّة، وأخلاقيَّة وتعرف بالمعاملات. فالشريعة، هي: مصدر الأحكام التي يتوصل إليها القضاة في الدولة الإسلاميَّة، ويسير بموجبها كافة موظفي الدولة، وعلى رأسهم الخليفة.

أ. 2. مصادر الشريعة الإسلاميَّة: تستند الشريعة الإسلاميَّة على أصلين وفرعين، أمَّا الأصلان، فهما: القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، كما ورد في حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حجَّة الوداع: (إني تركت فيكم أمرين إن تمسَّكتُم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدًا، هُمَا: كتابُ الله، وسُنَّتِي). وأمَّا الفرعان، فهما: الإجماع والقياس، ولكن يجب أن يستندا إلى القرآن الكريم والسنَّة النبوية الشريفة. وعليه فقد حدَّد علماء المسلمين مصادر التشريع الإسلامي، بأربعة مصادر رئيسيَّة، هي: القرآن الكريم، والسنّة النبوية الشريفة، والإجماع، والقياس.

1. القرآن الكريم: هو المصدر النقلي الأساسي الأوَّل للتشريع الإسلامي، لا يُعدل عنه إلى سواه؛ لأنه كلام الله المنزل على رسوله العربي الأمين، محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم)، عن طريق الملاك جبرائيل، حين بلغ الأربعين من عمره. وكانت بداية نزول القرآن الكريم في ليلة 17


*78*

رمضان سنة 13 قبل الهجرة / تموز سنة 610م (الشيخ محمد الخضري، نور اليقين في سيرة سيد المرسلين (بيروت، 1982)، صفحة 29)، وهي المعروفة ب "ليلة القَدْر". واستمرَّ نزوله على فترات متقطعة، مدة تقارب ثلاثًا وعشرين سنة؛ وبلغت سوره مائة وأربع عشرة سورة، تقسم الى قسمين: السور المكيَّة، وهي التي نزلت على الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل الهجرة، والسور المدنيَّة، وهي التي نزلت على الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد الهجرة.

تناولت السور المكيَّة أسس العقيدة والإيمان، وآياتُها قصيرة مسجوعة، بينما تناولت السور المدنيَّة الجوانب التشريعيَّة، وهي طويلة الفقرات خالية من السجع.

بُدئ بجمع القرآن الكريم، زمن الخليفة أبي بكر؛ ولكنه بقي في صحف مبعثرة؛ حتى جاء الخليفة عثمان بن عفّان؛ فجمعه في مصحف واحد؛ فاشتهر بمصحف عثمان.

دعا القرآن الكريم المسلمين إلى عمل المعروف ونهاهم عن عمل المُنكر، ونصّ على العقوبات لمن يتعدَّى حدود الله (تعالى)، قال تعالى: (تِلكَ حُدُودُ اللهِ فلَا تَعتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) (سورة البقرة: آية 229). كما وحثَّ القرآن الكريم على إتِّباعه وإتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، منها قوله تعالى: (وَمَا آتاكُم الرَّسول فَخُذُوهُ، وَمَا نَهاكُم عَنه

فانتَهُوا واتَّقُوا الله إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَاب) (سورة الحَشر: آية 7).

2. السُّنَّة النبويَّة الشريفة (الحديث النبوي الشريف): السُّنَّة (والحديث): هما الأصل

الثاني في التشريع الإسلامي؛ فالسنَّة تعني في اللغة: الطريقة، أو السيرة، أو منهج الحياة؛ وَعَرَّفها علماء المسلمين على أنها: كل قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ أقرَّه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو صِفَةٍ للرسول (صلى الله عليه وسلم). أما الحديث فهو اسم من التحديث، وهو الإخبار، ثم سمي به قولٌ، أو فعلٌ، أو تقريرٌ نُسب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم). والرأي السائد بين المُحدِّثين، لاسيما المتأخرين منهم، أن السنَّة والحديث مصطلحان مترادفان متساويان، يوضع أحدهما مكان الآخر (صبحي الصالح، علوم الحديث، ومصطلحه (بيروت، 1997)، صفحة 3).

تنَاوَلَ القرآن الكريم الأمور المُجملة ولم يتطرق إلى التفاصيل؛ فجاءت السُّنَّة النبوية لتملأ هذا الفراغ الذي تركه القرآن الكريم (أنظر: سورة الحشر 95، آية 7 وقد وردت أعلاه).


*79*

حَفِظ الصحابة (الذين صَحِبوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته) كلٌّ حسب عِلمه، السُّنَّة النبويَّة الشريفة، ثم سمعها عنهم التابعون (الذين تبعوا الصحابة وعرفوا عنهم سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم) وإنها لم تُجمع؛ لنهي الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك إذ قال (صلوات الله عليه): (لا تكتبوا عنِّي، ومن كتب عنِّي غير القرآن (الكريم)، فليمحه وحَدِّثوا عنِّي، فلا حَرَج. ومن كَذَب علي متعمّدا، فليتبوأ مقعَدَه من النار). ولكن عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلاميَّة بسبب الفتوحات، ودخلت

شعوب جديدة في الإسلام؛ نشأت قضايا لم يستطع المسلمون إيجاد حلٍّ لها في القرآن الكريم؛ فلجأوا إلى السُّنَّة النبوية، بوصفها مصدرًا ثانيًا للتشريع؛ فأوعز الخليفة الأموي، عمر بن عبد العزيز (خلف 99-101ه /717-720م)، إلى واليه على المدينة، ليجمع السُّنَّة؛ لكن مضت فترة خلافته ولم تُجمع السُّنَّة كاملة؛ فقام بذلك محمد بن شِهاب الزُّهري (ت. 123ه / 741م) الذي يعتبر الجامع الحقيقي للسُّنَّه النبويَّة الشريفة.

2. 1. تصنيف الأحاديث: كان لعدم تدوين السُّنَّة النبويَّة الشريفة، وجمعها؛ أثر كبير في ظهور أحاديث موضوعه (أي: مختلقة، مصنوعة)؛ وقد وضعها البعض لأسباب سياسيَّة؛ كالخصومة بين علىٍّ وعثمان، وبين علي ومعاوية، وغيره، أو لأسباب كلاميَّة فقهيَّة؛ كاختلاف علماء الكلام (الذين بحثوا في مسائل التوحيد، وصفات الله عزَّ وجلَّ) في القدر والجبر (أي: هل أفعال، مَن يعبد الله تعالى، مقدّرة له، أي: هل هو مُخيّر بها، أم هي مجبرة من عند الله؟)، أو لأسباب لغويَّة، أو دينيَّة، وغيرها. إزاء ذلك تصدّى علماء المسلمين لهذه الأحاديث؛ فاوجدوا عِلم الجَرح والتَّعدِيل، لتمييز تلك الأحاديث من حيث الصحَّة، أو الوَضع. ويقوم هذا العِلم على فحص سلسلة الإسناد، لإظهار عدالة الرَّاوي (أي: تعديله)، أو إظهار عيبه وضعف روايته (أي: تجريحه)، وبناءً عليه فقد صنَّفوا الأحاديث النبوية إلى أنواع ثلاثة، هي:

1. الصحيح: هو ما خلا من أيِّ عيب في إسناده، وعليه اعتَبَر علماء المسلمين ستة من كتب الأحاديث، تمّ الإجماع عليها، أنها صحيحة، وهي:

أ. صحيح البُخاري: للإمام محمد بن إسماعيل البُخاري (ت. 256ه /870م).


*80*

ب. صحيح مُسلم: للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت. 261ه /875م). وعرف صحيحه وصحيح البخاري على أنهما: (الصحيحان).

ت. سُنن (سنن: جمع سُنَّة) أبي داود: للإمام أبو داود السَجَسْتَاني (ت. 286ه /899م)

ث. سُنن النِّسائيّ: للإمام أحمد بن علي بن شُعَيب (ت. 303ه /915م).

ج. سُنن ابن مَاجَة؛ للإمام محمد بن يزيد بن مَاجَة (ت. 273ه /886م).

ه. جامع التِّرمذيّ: للإمام محمد بن عيسى التِّرمذِي (ت. 279ه /892م).

2. الحسن: وهو: ما حسُن الظنّ به، وقرُب إلى الثقة به.

3. الضعيف: وهو: ما شُك في إسناده ولم يصل إلى درجة الصحيح، أو الحسن.

كما وصُنِّف الحديث حسب إسناده أيضًا إلى ثلاثة أنواع: أ. المَرفُوع: وهو: الذي يصل إسناده إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ب. المّوقوف: وهو: الذي وقف إسناده عند الصحابي ت. المَقطوع: وهو: ما انقطع إسناده إلى أحد التابعين.

3. الإجماع: وهو: إجماع رأي المجتهدين مِن علماء المسلمين على حكم شرعي، في عصر من عصور الإسلام، غير عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، يستند إلى دليل شرعي. ويستدِّل الفقهاء (مفردها فقيه) (الفقيه، هو: العالم بالشريعة، الذي يستنبط (يستخرج) الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية، ويسمى العِلم الذي يتناله بعلم الفقه) إلى العمل بالإجماع، بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (لا تجتمع أمَّتي على ضلالة)، أو: (لم يكن الله ليجمع أمَّتي على الضَّلالة).

ظهر الإجماع، مصدرًا ثالثًا من مصادر التشريع الإسلامي، زمن الخلفاء الراشدين؛ إذ اعتادوا أن ينظروا في كتاب الله (القرآن الكريم)؛ فإن وجدوا فيه ما يقضون به قضوا به؛ وإن لم يجدوا نظروا في سُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فإن وجدوا فيها قضوا به. وربما سألوا الناس عن سنَّة سنَّها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولم يعلموا بها، إذ لم تدوَّن في عهدهم؛ فإذا ذكروا لهم سنَّة كهذه أخذوا بها وقضوا؛ فإن لم يجدوا سنَّة سنَّها النبي (صلى الله عليه وسلم) جمعوا رؤساء الناس؛ فاستشاروهم؛


*81*

فإذا اجتمع رأيهم (إجماع) على شيء قضوا به شريطة ألا يتعارض مع القرآن الكريم، أو السُّنَّة النبويَّة. والإجماع، في الفقه الإسلامي، على نوعين:

أ. الإجماع القولي: هو أن يُجمِع علماء المسلمين، وبقول صريح، على حلّ شرعيٍّ.

ب. الإجماع السَّكُوتي: وهو أن يُصدر أحد العلماء (القضاة)، حكمًا شرعيًا؛ فلا يعارضه، أو يؤيِّده أحد؛ فيكون سكوتهم علامة للرضا. ولما تفرَّق بعض الصحابة، بفعل الفتوحات الإسلاميَّة؛ تعذَّر الحصول على إجماع من مجتهدي المسلمين، كما في العصر الإسلامي

الأوَّل؛ فلجأوا إلى مصدر رابع للتشريع، وهو: القِيَاس.

4. القِيَاس: وهو تعدِيَة حكم من الأصل (القرآن الكريم، أو السُّنَّة النبويَّة الشريفة) إلى الفرع أي: إلحاق حكم ورد فيه نصٌّ في القرآن الكريم، أو السُّنَّة النبوية إلى قضية لم يرد فيها، لعِلّةٍ (أي: سبب) متَّحدة بينهما لا تُعرف إلا بمجرد فهم اللغة. فلكل مسلم مُجتهد، تتوفر به شروط الاجتهاد، أن يقيس بنظره الخاصّ، وبالاستناد إلى القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية الشريفة؛ فيبحث عن واقعة تشبه الحادثة التي لا نصَّ فيها ولا إجماع؛ فإذا وجدها بحث عن عِلة الحكم فيها، فإذا وجد العِلَّة نظر في الحادثة الجديدة، ليبحث عن وجود تلك العِلة فيها؛ فإن وجدها حكم بتساويهما في العِلَّة والحكم. فهذه هي عملية القياس، التي يقوم بها المسلم المجتهد. مثال على ذلك، ما ورد في القرآن الكريم مِن آية تحريم الخَمْر (نص الآية الكريمة، هو: (يَا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمرُ وَالأنصَابُ وَالأزلَامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فاجتَنِبُوهُ لَعلَّكُمْ تُفلِحونَ) (سورة المائدة: أية 90)) (وهو مسكر يستخرج من العنب غير المطبوخ بالنار) ولم تتناول هذه الآية الكريمة المسكرات الأخرى التي تشترك مع الخمر، في عِلَّة التحريم، مِن مفاسدَ وتغييبٍ للعقل، لذلك حُرِّمت الأنواع الأخرى من المسكرات بالقياس مع آية تحريم الخمر.

هذا وقد لجأ علماء المسلمين إلى فروع تَبعِيَّة ثلاثة أخرى، لإصدار حكم شرعي، مثلا: الاستحسان ويعني عدول المجتهد عن حكم كلِّي، إلى حكم استثنائي، أي العمل بأقوى الدليلين؛ والاستصلاح وهو الحكم في مسألة، لا حكمَ فيها، لمصلحة، يهتدي إليها المجتهد


*82*

برأيه؛ والعُرف وهو العادة المتَّبعة. وهذه كلها هي اجتهادات عقليَّة.

ومع انتهاء عصر الصحابة، في القرن الأوَّل للهجرة / السابع للميلاد، ظهر عصر المذاهب الفقهيَّة وهي التي تناولت استنباط الأحكام الشرعيَّة (أنظر لاحقا).

هذا وقد ظهرت، في البداية، مدرستان للفقه، في العالم الإسلامي: الأولى دعيت (مدرسة أهل الحديث)، ومركزها في المدينة المنوَّرة (الحِجاز)؛ ولهذا عرفت أيضًا بمدرسة أهل الحِجاز)؛ أمَّا الثانية، فدعيت (مدرسة أهل الرأي)، ومركزها الكوفة في العراق، وتسمى أيضًا (مدرسة أهل العراق).

أ. مدرسة أهل الحديث: تَمَسَّك فقهاؤها بالعمل بالحديث النبوي الشريف، بعد القرآن الكريم؛ وكانوا إذا سُئلوا عن شيء، فإن عرفوا فيه آية قرآنيَّة، أو حديثًا أفتوا (أعطوا رأيًا شرعيًا، استنادًا إلى القرآن الكريم، أو السُّنَّة النبويَّة الشريفة)، وإلا توقفوا، ولم يعملوا بالرأي. ومن شيوخ هذه المدرسة الإمام مالك بن أنس، صاحب المذهب المالكي، كما يجيء الحديث عنه في السطور القادمة.

ب. مدرسة أهل الرأي: عمل فقهاؤها باجتهاد الرأي؛ إذا تعذَّر وجود نصّ في القرآن الكريم، واعتمدوا على ما صحّ عندهم من الحديث النبويّ الشريف؛ لخوفهم من الوقوع في الأحاديث الموضوعة؛ إذ كان العراق مسرحًا للخلافات، والفتن الدينيَّة، والسياسيَّة، لذا وضِعَت أحاديث كثيرة لتأييد هذا الفريق، أو ذاك، هذا فضلا عن قلة الحديث في العراق بالمقارنة مع المدينة المنوَّرة. كما أنه في العراق، قد حصل تفاعل حضاري، بين العرب والفرس، وتولدت مشاكل، اختلفت في طبيعتها عن تلك التي ظهرت في الحجاز؛ مما دعا علماء العراق للعمل بالرأي، عند عدم توفر نصّ قرآني. وكان أشهر أئمة هذه المدرسة هو الإمام أبو حنيفة النُّعمان ابن ثابت (سيجئ الحديث عنه لاحقا).

ساد بين هاتين المدرستين، نقاش شديد؛ فقد عاب كلُّ فريق منهم طريقة الآخر، في استباط (أي: استخراج) الأحكام الشرعيَّة، واختلفوا في عدة أمور. ولكن كان لظهورهما، ولتطور علم الفقه، فضل في ظهور مذاهب فقهية عديدة، غالبيتها لم تعمِّر طويلا، بسبب أنها لم تجارِ


*83*

التطور الدائم في المجتمع؛ أو أنها لم تترك مؤلفات تحتوي على اتجاهاتها؛ أو لم يبرز أحد من أتباع هذا الإمام، أو ذاك في بلورة فقهه، كما حدث للإمام أحمد بن حنبل (انظر فيما بعد)، سوى أربعة مذاهب سُنّيَّة هامَّة، تركت مؤلفات، فصار الفقهاء مقيَّدين بها، لإجماع الأمَّة الإسلاميَّة عليها (هناك مذهب خامس هو المذهب الجعفري المنسوب إلى جعفر بن محمد المعروف بالإمام الصادق (ت. 147ه /764م) ولكنه مذهب شيعي انظر صبحي الصالح، النظم الإسلامية (بيروت، 1971)، صفحة 220-225).

ب. المذاهب السُّنِّيَّة الأربعة، وتطوُّرها:

لم يكتمل تبلور هذه المذاهب الفقهيَّة الأربعة، إلا مع النصف الأول، من القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد رغم تواصل ظهور تطورات، داخل هذه المذاهب، بعد هذه الفترة. لكن كان تطورها هذا بطيئًا، وتدريجيا، لكنه من المؤكد، أنها ظاهرة إسلاميَّة أصيلة، انبثقت من تربة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة ذاتها، وهي غير معروفة في ثقافات الشرق الأدنى (وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي، وتطوره (ترجمة رياض الميلادي) (بيروت، 2007)، صفحة 226-230). هكذا تمَّت عملية بلورة هذه المذاهب في العصر العباسي، بحيث أطلق عليه (عصر أئمة المذاهب)؛ ثم انتشرت في أنحاء الدولة الإسلاميَّة، حيث صار القاضي ملزمًا بأن يُصدر أحكامه وفق أحد هذه المذاهب؛ ورغم ذلك، فإن باب الإجتهاد عمليًا لم يُغلق، كما زعم البعض (انظر مقال وائل حلاق 41-3)، أمَّا هذه المذاهب الفقهية الأربعة، فهي: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي. وفي السطور القادمة سنتحدث عن نشوئها، وطريقة كل منها في استنباط الأحكام الشرعية، ثم انتشارها.

ب. 1. المذهب الحنفيُّ: نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النُّعمان بن ثابت (ت. 150ه /767م) وهو من أصل فارسي، ولد ومات في العراق. تعلَّم الفِقه على يد شيخه حمَّاد بن أبي سليمان، شيخ فُقهاء الكوفة، وعلى يد إبراهيم النّخَعيِّ، وغيرهم. وعندما توفى شيخه حمَّاد خلفه في تولِّي رئاسة مدرسة الكوفة، وهي المعروفة بمدرسة أهل الرأي. ثم زار مكة، والمدينة المنوَّرة، والبصرة، وبغداد (بعد بنائها سنة 145ه /762م)؛ ودرس على علماء هذه المدينة؛ وعُرض


*86*

عليه تولي القضاء في العصرين: الأموي، والعباسي، فرفض في كلتا المرتين؛ وكانت نتيجة موقفه هذا، أن تعرَّض للاضطهاد، إذ سجنه الخليفة أبو جعفر المنصور، حتى مات.

ب. 1. 1. أصول مذهبه الفِقهيَّ: كان الإمام أبو حنيفة النُّعمان يعتمد أوّلا القرآن الكريم؛ وإذا لم يجد فيه نصًّا لاستنباط الحكم، استعمل ما صحّ لديه من السنّة النبوية. فهو لا يقبل الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ خوفًا من الوقوع في حديث موضوع، وقد نسب إليه أنه قال: (آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد، فبسُنَّة رسول الله (صلى الله عليه سلم)، فإن لم أجد، في كتاب الله تعالى ولا في سُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، آخذ بقول الصحابة آخذ عمَّن شئت منهم). وقد لا يُقبل الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، أو اتفق فقهاء الأمصار على العمل به، فأصبح مشهورًا. ثم توسع في استعمال القياس والاستحسان، لأن المجتهد، حسب علماء الحنفية، له أن يستحسن بعقله. واستعمل الإمام أبو حنيفة، أيضًا، الحِيَل الشرعيَّة، يعني تقليب الفكر حتى الاهتداء إلى حلٍّ للقضية المطلوب البت فيها.

ينسب إلى الإمام أبي حنيفة كتاب الفقه الأكبر، وله مُستَند في الحديث، والعالِم والمُتَعلِّم، والرَّدّ على القدَريَّة.

ب. 1. ب. انتشار مذهبه: انتشر مذهب الإمام أبي حنيفة بواسطة تلاميذه، أشهرهم: يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المشهور بأبي يوسف، قاضي القضاة (في العصر العباسي الأول) ومحمد بن الحسن الشيباني. وقد شاع مذهب الإمام أبي حنيفة لدى العثمانيين، فاتخذوه مذهبًا رسميًا لدولتهم؛ وسَعَوا إلى نشره في الأقطار العربيَّة التي تحت نفوذهم، كما وانتشر مذهبه في الهند، والصين، وما وراء النهر، وفارس.

ب. 2. المذهب المالكي: نسبة إلى الإمام مالك بن أنس (ت. 179ه /795م) وهو عربي الأصل، ولد ونشأ في المدينة المنوَّرة. أوَّل شيوخه هو ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي. وكان أحد كبار أئمة الرأي من التابعين، لم يذع صيته في أواخر العهد الأموي، وفي العهد العباسي، انقطع عن الخلفاء فترة، حتى إنَّ حاكم المدينة ضربه بالسياط حتى انخلعت كتفه؛ لأنه أفتى بفساد بيعة الخلفاء بالقهر.


*85*

ب. 1. 2. أصول مذهبه الفقهي: اعتمد الإمام مالك، في استنباط الأحكام الشرعيَّة، على ظاهر النصّ القرآنيّ، لذا سمي أتباعه بالظاهريَّة. وإذا لم يجد حلا في النصّ القرآنيّ استعمل السنّة النبوية؛ وأخذ بإجماع أهل المدينة المنوَّرة؛ ولم يعمل بالرأي، كالإمام أبي حنيفة؛ وذلك؛ لأن المدينة المنوَّرة هي دار الهجرة، وبها استمرّ نزول القرآن الكريم على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، حيث أقام فيها (صلوات الله عليه) وصحابته، وأهل المدينة المنوَّرة أعرف المسلمين بالتنزيل وما بيّنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الوحي وهي ميزات ليست لغيرهم، فيكون عملهم حُجَّة؛ وكان الإمام مالك يأخذ، أيضًا، بقول الصحابي، إذا لم يعلم له مخالف، فهو حُجَّة بالنسبة له؛ ولكن كان يقدم عمل أهل المدينة على قول الصحابي؛ كما اعتمد وعمل بالمصالح المُرسَلَة: وهي جلب منفعة (أو دفع مضرَّة)، لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معيَّن، من ذلك أجازَ بيعه المفضول مع وجود الأفضل لمنصب الخليفة، إذا خيف اضطراب أمور المسلمين، وعدم إقامة مصالحهم، في حالة عدم مبايعة المفضول. وقد تميز مذهب الإمام مالك بالقول بالمَصلَحَة المُرسَلة، حتى اعتبره البعض خاصًّا بمذهبه. كما استعمل (القِياس)، في حالة عدم وجود نصّ قرآني، أو سُنَّة، أو إجماع من أهل المدينة، أو قول صحابي. فكان الإمام مالك يجتهد رأيه ويستعمل القياس. ثم استعمل (سدَّ الذرائع)، أي: التذرع بعمل جائز، فالذريعة هي: الوسيلة، أو الطريق المُوصل إلى الشيء المقصود)، فسدّ الذرائع، يعني منع الطرق، والوسائل التي ظاهرها الإباحة؛ لكنها تؤدي إلى الممنوع. فجاء سدُّ الذرائع لمنع ذلك لأن ما يؤدي إلى مفسدة يكون مفسدة. مثال على ذلك: أن مالكًا قد أفتى لمن رأى وحده هلال شهر شوّال (وهو الشهر الثامن في التقويم الإسلامي)، ألا يُفطر لئلا يكون ذلك ذريعة إلى إفطار الفُسّاق محتجين بما احتج به.

وللإمام مالك في الفقه كتاب، هو: المُوَطأ. ألفه بناءً على طلب الخليفة أبي جعفر المنصور، وقيل: إنَّه استغرق في كتابته مدة أربعين سنة وعرضه على سبعين فقيهًا.

ت. المذهب الشافعيُّ: نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت. 204ه /820م). ولد في غَزَّة، ومات والده، وهو حديث السن، فحملته أمُّه إلى مكَّة، حيثُ درس على علمائها الحديث والفقه. ثم انتقل إلى المدينة المنوَّرة، فدرسَ على الإمام مالك بن أنس وحفظ كتاب


*86*

المُوَطأ، ثم لازمه حتى ماتَ؛ فتأثر به كثيرا، وقال عنه: (إنَّه حُجَّة الله على خلقه بعد التابعين). ثم ولي ولاية نَجران (اليمن)، بطلب من حاكم اليمن؛ ثم أحضِر إلى العراق بأمر الخليفة العباسي هارون الرشيد، لاتهامه بالتشيع (الانتماء إلى الشيعة) مع بعض نفر من أهل اليمن؛ فقتلهم جميعًا، إلا الإمام الشافعيَّ، لغزارة علمه وقوَّة حُجَّته.

درس الإمام الشافعي في العراق فِقه العراقيين؛ وبرع بفقه مدرسة أهل الرأي؛ هذا بالإضافة إلى دراسته فقه مدرسة أهل الحديث (في المدينة)؛ وبذلك جمع بين رأيي المدرستين في الفقه؛ فجاء مذهبه في الفقه معبِّرًا عن هذه الازدواجية؛ كما عبَّر عنه في كتابه الفقهي المسمى الأمّ (شك بعض الدارسين في نسبة كتاب الأمّ للشافعي بدعوة أنه من تأليف بعض تلاميذ. انظر الصالح، م.س.، صفحة 218). ثم عاد الإمام الشافعي إلى مكة؛ ودرس الفقه فيها مدة تسع سنوات؛ وغادرها ثانية إلى العراق؛ ومِن ثمَّ انتقل إلى مصر؛ لأن الخليفة المأمون اختار مذهب الاعتزال وحاكم من رفض القول بخلق القرآن (قالت المعتزلة بخلق القرآن، فحسب رأيهم: القرآن الكريم من حيث هو كلمات وحروف، وأصوات، ومداد مكتوب في الصحائف، هو مُحدَث مخلوق، بل ه، بهذه الصفات، فعل للإنسان المتكلم به، والقارئ له، والكاتب لآياته. وقال أغلبهم: إن القرآن، كما (نحكيه) نحن الآن، ليس هو ذات (المحكي) من الله سبحانه، وأن الحكاية في (المحكي)، والذي نحكيه نحن: كلام، وصوت، وحرف، ومَداد. أمَّا (المحكي) عن الله سبحانه، فهو المعنى، ولقد عبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن هذا (المعنى) بلغة العرب التي جاء بها القرآن الكريم. بينما قال خصوم المعتزلة: إن (كلام الله، هذا المسموع (قديم) غير مخلوق، ولا مُحدَث). فالمسلم يؤمن أن القرآن الكريم مُنزل من الله عزَّ وجلَّ. أنظر أيضا أحمد محمود صبحي، في علم الكلام: دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلاميَّة في أصول الدين ـ المعتزلة والشيعة (الإسكندرية، 1978)، صفحة 135-139) وهو ما عرف بمِحنَة القرآن؛ فأقام بمصر حتى مات فيها سنة 204ه /820م.

ت. 1. أصول مذهبه الفقهي: اعتمد فقه الإمام الشافعي، على استنباط الأحكام الشرعية، من القرآن الكريم أوَّلًا، إذا وجد حلًا فيه، وإلا لجأ إلى السُّنَّة النبوية الشريفة؛ لأنها ملحقة بالقرآن الكريم؛ وهي تبين ما اشتمل عليه من أحكام. ويرى الإمام الشافعي، أنَّ القرآن الكريم، والسُّنَّة النبويَّة الشريفة، كلاهما من الله لما أوجب الله طاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) على خلقه، فمن قبل عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد قبل عن الله (عزَّ وجلّ)؛ ثم إن لم يجد حلًا شرعيًّا في القرآن الكريم، أو السُّنَّة النبوية، لجأ إلى الإجماع، ويكون، حسب رأيه، من كافَّة علماء المسلمين في كل المناطق الإسلاميَّة، لا إجماع أهل المدينة فقط، كما فرض ذلك الإمام مالك. ومع ذلك فإن الإمام الشافعي قد رفض الإجماع السكوتي، لأنه، حسب رأيه، لا إجماع من


*87*

ساكت. ثم يستعمل الشافعي قول الصحابي مما يراه أقرب إلى القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية. وكان الشافعي يلجأ إلى (القياس) عند الضرورة فقط. وقد رفض العمل بالاستحسان، إذ قال: (من استحسن فقد شرَّع) بالعمل بالمصلحة المرسلة لانقطاع العلاقة بينهما وبين الأصول الدينيَّة النقليَّة - القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.

كان للشافعي دور هامٌّ في تطور الفقه الإسلامي، وقد عُدّ من المُجَدَّدين على رأس المائة الثانية للهجرة / الثامنة للميلاد. فقال فيه الإمام أحمد بن حنبل: (يروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله (عزَّ وجلَّ)، يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنة رجلًا، يقيم لها أمر دينها؛ فكان الخليفة الأموي، عمر بن عبد العزيز، على رأس المائة (الأولى) (للهجرة)؛ وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى (الثانية)).

ث. المذهب الحنبلي: يُنسب إلى الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241ه /855م) المولود في بغداد. درس على قاضى القضاة أبي يوسف؛ وأخذ عن الإمام الشافعي الحديث، والفقه، والأنساب القرشية؛ ثم (رحل في طلب الحديث)؛ فزار الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، وفيها سمع على كبار علماء المسلمين وفقهئهم؛ ثم عاد إلى بغداد. وفي عهد الخليفتين العباسيين: المأمون، ثم المعتصم بالله، عُذّب، وسُجن، وضُرب، لرفضه القول بمقولة المعتزلة: بخلق القرآن. (وكان المأمون قد اعتنق مذهبهم)؛ ولكن الخليفة العباسي الواثق بالله (خلف 227-232ه /842-847م)، أفرج عنه، واشترط عليه عدم الاجتماع والخروج للدرس، حتى مات الواثق؛ فعاد إلى ممارسة مهنة التدريس.

ومع أن الإمام أحمد بن حنبل قد برز إمامًا مؤسسًا للمذهب الحنبلي، إلا أنَّ الفضل في بلورة هذا المذهب، يعود لأبي بكر الخلال (ت. 311ه /923م)؛ إذ تولى عملية جمع أراء متفرقة لأبن حنبل؛ فسافر كثيرا، بحثا عن تلاميذه الذين سمعوه يتحدث عن مسائل فقهية؛ وجمع خلالها عددا كافيا من أراء ابن حنبل ودوَّنها في مدونة هامَّة للفقه الحنبلي. لذا فإنَّ الخلال (وبعض أصحابه ممن ساعدوه في مهمته) يعتبر المؤسس الحقيقي للمذهب الحنبلي (حلاق، نشأة، صفحة 221).


*88*

ث. 1. انتشار المذهب الحنبلي: انتشر المذهب الحنبلي في البلاد الإسلاميَّة، بفضل الشيخ أحمد بن تيميَّة الحرّاني، وتلميذه ابن قيِّم الجوزيَّة، خلال القرن الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد؛ ثم عن طريق محمد بن عبد الوهاب (ت. 120ه /1792م) مؤسس الدعوة الوهابيَّة في نجد، في قلب الجزيرة العربيَّة.

أشهر كتب الإمام أحمد بن حنبل هو المُسنَد، وهو كتاب أحاديث نبوية دونها باسانيدها.

ث. 2. أصول مذهبه الفقهي: اعتمد الإمام أحمد بن حنبل، في استنباط الأحكام الشرعيَّة وبشكل تدريجي على أوَّلا، القرآن الكريم ثانيًا، الحديث النبوي الصحيح، ثالثًا، فتاوى الصحابة؛ إذ فتاوى الصحابة حُجَّة، شرط ألا يُعلم لها مخالف، رابعًا، الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا؛ يختار عندها ما يكون أقربها إلى القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية. خامسًا، الأخذ بالحديث المُرسَل (وهو ما سقط اسمٌ لصحابي من سلسلة إسناده)، أو الحديث الضعيف، وكان يفضل العمل بالحديث المرسل، أو الضعيف على الأخذ بالرأي قال: (الحديث الضعيف أحب الي من (الرأي). أمَّا القياس والإجماع حتى لو كانا الملاذ الأخير فليس لهما مكان في الشريعة. فإن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية (المروية عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة)، كانا فقط المرشدين المقبولين للإيمان والعمل.

على الرغم من تشدُّد المذهب الحنبلي في النصوص (القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية)، إلا أنه ميسرٌ كلَّ التيسير في المعاملات الماليَّة، والعقود والشروط، إذ يقوم على أصل الإباحة، فيما لم يرد فيه نص، ولا حديث، عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ فكل شيء مباح حتى يقام عليه دليل التحريم.

- أسئلة:

1. ماذا نعني بالشريعة الإسلاميَّة؟ وضِّح

2. ما هي مصادر التشريع الإسلامي؟ إشرح.

3. عرّف الحديث: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمرفوع، والموقوف، والمقطوع.

4. أعطِ مثالين بارزين عن اختلاف المذاهب الأربعة، في طريقة استنباط الأحكام الشرعيَّة.


*89*

ت. تطوُّر القضاء في الإسلام حتى نهاية العصر العباسي:

ث. 1. القضاء في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم):

يُعدُّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أوَّل (قاضٍ) في الإسلام (يجب ألا يغيب عن بالنا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في حينه، كان يتقلد الصلاحيَّات الدينيَّة والدنيويَّة في آنٍ واحدٍ)، فبموجب (الصحيفة) (أو عهد الأمَّة)، التي وضعها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأهل المدينة المنوَّرة (وقد اشرنا اليها في الحديث عن حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم) كان يتولى الفصل بين الخصوم. كما وكان يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، ويستشير الصحابة، ثم يجتهد رأيه (صلوات الله عليه) في بعض الأحيان وكانت طريقة الإثبات عنده: (البيِّنَة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر). وكان (صلوات الله عليه) يلجأ إلى الإقرار، والكتابة، والقُرعة، والفِرَاسة (أي: الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة) وغيرها. وكان يقول: (أنا أحكم بالظاهر (أي: ما ظهر لي)، والله يتولَّى السرائر (أي: ما تسرُّون بداخلكم)). وكان المحكومون يسلِّمون بما قضى بينهم (ولا يَجِدوا فِي أنفُسِهِم حَرَجًا) (سورة النساء: آية 65).

وبعد أن انتشرت الدعوة الإسلاميَّة، في أنحاء كثيرة من شبه الجزيرة العربيَّة، أذن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لبعض الصحابة، بالقضاء بين الناس، وأذِن للبعض الآخر بالفتوى. فعين عبد الله بن نَوفل قضاء المدينة؛ وأمَّا مُعَاذ بن جَبَل، فعينه على قضاء اليمن؛ وقد امتحنه قبل تسلّمه منصب القضاء، إذ قال له: (بمَ تقضي إن عُرِض لك قضاءٌ؟ قال: اقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به الرسول (صلى الله عليه وسلم). قال معاذ: فضرب صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله). كما واعتاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ألا يولِّي القضاء لمن يطلبه، فقد قال: (إنَّا والله لا نولِّي هذا العمل أحدًا سأله).

ت. 2. القضاء في العهد الراشدي:

عندما تولَّى أبو بكر الصديق الخلافة، توجه عمر بن الخطاب إليه، قائلا: (أنا أكفيك القضاء)؛ فعينه قاضيا؛ فمكث سنة، أو سنتين، لا يأتيه متخاصمان لشدَّته وحزمِه في الحقّ؛ لذا لقّب بالفاروق؛ لأنه يفرِّق بين الحقِّ والباطل.

كان الخليفة عمر بن الخطاب أوَّل خليفة عين، وبشكل رسمي، قضاة في الولايات الإسلاميَّة؛ ففي عهده أصبحت الدولة الإسلاميَّة إمبراطورية؛ فعين في ولاياتها القضاة الذين


*90*

كانوا مستقلين عن أمرائها (حكامها): فعين أبا الدَّردَاء قضاء المدينة، وشرَيحًا بن الحارث الكندي قضاء البصرة، وعثمان بن قيس بن أبي العاص قضاء مصر، وأبا موسى الأشعري قضاء الكوفة (أنظر ابن خلدون، م.س.، ص 220؛ أما صبحي الصالح، فيذكر أن الخليفة عمر قد عين شريحًا الكندي قضاء الكوفة، بينما عين أبا موسى قضاء البصرة أنظر كتابه النظم الإسلامية، ص 277) ثم جعل قضاء الشام قضاءً مستقلًا. وقد حدَّد لهؤلاء القضاة منهجًا يتبعونه، لكي تتعرف، إليه، إقرأ رسالته التالية إلى أبي موسى الأشعري، ثم أجب عمّا عن الأسئلة:

بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (وهو اسم أبي موسى). سلامٌ عليك، أمَّا بعدُ، فإن القضاءَ فريضة مُحكّمة، وسُنّة مُتَّبَعَة فافهم إذا أدلي إليك (أي: قُدِّمت لك قضيَّة)، فإنَّه لا ينفع تكلَّم بحقِّ لا نَفاذَ له، آس (أي: ساوِ) بين الناس في مَجلِسِك (أي: مكان الجلوس) ووَجهِك، حتَّى لا يطمع شريفٌ (أي: سيِّد، من عُليَّة لقوم) في حَيفِك (أي: ظُلمك)، ولا ييأس ضعيف من عدلك. والبَيِّنة على ما ادَّعى واليمِين على ما أنكَر، والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا حَرَّم حَلالًا أو أحَلَّ، حَرَاما. ولا يمنعك قضاءٌ قضيته بالأمسَ، فراجعت فيه نفسك، وهُدِيت فيه لرُشدِك (أي: عقلِك) أن ترجع عنه، فإن الحقَّ قديمٌ، ومراجِعُه الحقِّ خَيرٌ مِنَ التَّمادي (أي: الاستمرار) في الباطل. الفَهمَ الفَهمَ (يحثه ويغريه على الفهم الجيد) عندما يتلّجلَجَ (أي: يتردَّد) في صدرك مِمّا لم يبلغك في كتابٍ الله (القرآن الكريم)،

ولا سُنَّة النبي (صلى الله عليه وسلم)، اعرف الأمثال والأشباه، وقِس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله (تعالى)، وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل للمدَّعي حقًا غائبًا، أو بيّنة، أمدًا ينتهي اليه، فإن أحضر بيّنته أخذت له بحقه، وإلا وجَّهت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وأبلغ في العذر. المسلمون عُدول (أي: شهود عدل) بعضهم على بعض، إلا مجلودًا بحدٍّ (من حدود الله)، أو مجرَّبًا عليه شهادة زورٍ، أو ظنينًا (أي: مشكوك) في ولاء، أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالشبهات. ثم إيَّاك والقَلَقَ والضَّجَرَ (يحذِّره منهما)، والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب اف (تعالى) بها الأجر ويحسن بها الذُخر، فإنه مَن يُخلص نيته، فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، ولو على نفسه، يكفه الله (تعالى) ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للنَّاس بما يعلم الله (تعالى) خِلافه منه هتك الله (تعالى) ستره وأبدى فعله، والسلام عليك (المرجع: الجاحظ، البيان والتبيين، ج 2، ص 237).


*91*

- أسئلة:

1. ما هي مصادر التشريع الإسلامي التي يتوجب على أبي موسى الأشعري أن يعمل بموجبها؟ إشرح.

2. يمكن تقسيم رسالة الخليفة عمر بن الخطاب، السابقة، إلى ثلاثة أقسام، من حيث الموضوع. وضِّح ذلك.

لم تكن رسالة عمر، إلى أبي موسى، هي الوحيدة التي أرسلها إلى القضاة، بل هناك عدة رسائل كهذه، تدور كلها حول تحري العدل في الرعية.

وكان الخلفاء الراشدون يختارون القضاة، من بين العلماء المسلمين، العالمين بأحكام الشريعة الإسلاميَّة والمعروفين بتقوى الله، وتحري العدل.

كان القاضي يجلس للحكم في منزله، ثم أصبح يعقد جلساته في المسجد. ولم يكن للقاضي كاتب، أو سجل، تدون فيه الأحكام؛ لأن الأمر لم يكن يدعو إلى شيء من ذلك؛ فالقاضي هو الذي يحكم؛ وهو المنفِّذ للأحكام؛ ويطالب بتنفيذها فورًا.

لم يكن زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو عهد أبي بكر، سجن، بالمعنى المعروف، بل اقتصرت العمليَّة على حبس المتهم بحجرة في بيت، أو في مسجد ويقال: إنَّ عمر بن الخطاب هو أوَّل من أقام السجن، في حين ينسب البعض ذلك إلى علي بن أبي طالب، على أنه أوَّل مَن بنى السجن في الإسلام، وسمَّاه: (نافعًا)؛ ولم يكن حصينًا، فانفلت منه المتهمون، فبنى آخر، سماه: (مخيمًا).

ت. 3. القضاء في العهد الأموي:

اهتمّ خلفاء بني أميَّة بالقضاء، لكنهم امتنعوا عن مباشرته بأنفسهم؛ وذلك لانشغالهم بالجهاد، والفتوح، وسدِّ الثغور (أي: الحصون على الحدود). يقول ابن خلدون: (وإنما كانوا يقَّلدون القضاء لغيرهم لقيامهم بالسياسة العامَّة، وكثرة انشغالها في الجهاد، والفتوحات، وسدِّ الثغور، وحماية البيضَة (أي: كافة المسلمين)؛ ولم يكن ذلك مما يقوم به


*92*

غيرهم لعظم العناية) (ابن خلدون، م.س.، صفحة 221). فكان الولاة هم الذين يباشرون تعيين القضاة، حتى عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك (خلف 96-99ه 4 /71-717م)؛ فكان، على ما يبدو، أول من عيَّن القضاة مباشرة من دمشق؛ وهو بذلك من وضع اللّبنة الأولى، في سحب سلطة تعيين القضاة من الولاة. وإثر ذلك، وحتى بعد سقوط الدولة الأمويَّة، كان أغلب القضاة يُعيَّنون مباشرة من قِبَل الخلفاء (حلاق، نشأة، صفحة 96). فهذا التغيير في النهج السياسي، يعكس، إلى حدٍّ ما، نُضج النظام المركزي، ويعكس من ناحية أخرى، تغييرًا في مجال مهام القضاة، وخصوصًا تجريدهم تدريجيًا من كلِّ مهامهم التي تتجاوز القضاء والإدارة.

استمرَّ القضاة في العصر الأمويِّ، في استنباط أحكامهم الشرعيَّة من: القرآن الكريم، والسُنَّة النبويّة، والإجماع، والقياس، فكان ذلك استمرارًا لما كان عليه الأمر في العهد الراشدي، هذا كما حافظ القضاء في هذا العهد، كما في الراشدي، على عدم التأثر بالسياسة؛ إذ كان القضاة مستقلين في أحكامهم، لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة؛ فكانت كلمتهم نافذة على الولاة، وعُمَّال الخراج. ولم يكن تعيين القضاة وعزلهم، في الغالب، متأثرًا بتعاقب الخلفاء، وتبدُّل الولاة، أو تغير الدول. فكان أغلب قضاة الدولة الأمويَّة مَضرب المثل في النزاهة والتجرُّد عن الميول الشخصيَّة، أو التأثر بذوي الجاه، والسلطان، ويضرب المثل في ذلك، بأحد قضاة مصر، على عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، أنَّه قال لزوجته، عندما تسلم وظيفة قاضٍ: (فاسمعي، لا تَعرِضَن لي في شيءٍ من القضاء، ولا تذكرنَّي بخَصمٍ، ولا تسألنِّي عن حكومةٍ، فإن فَعَلتِ شيئًا من هذا فأنتِ طالقٌ).

إضافة إلى تعيين الخليفة للقضاة مباشرة، فقد شهد العهد الأمويّ تطورًا آخر، من حيثُ مجلس القضاء؛ فقد بُدئ، حوالي سنة 50ه /670م، بتدوين محاضر الجلسات، وتسجيل المداولات القضائيَّة في سجلات خاصَّة، ثم حُفظت في بادئ الأمر عند القاضي في منزله، ثم حفظت، فيما بعد، في المسجد. وقد انتظمت عملية التسجيل والتدوين بشكل مفصَّل ودقيق، فيما بعد سنة 86ه / 705م، وذلك حِرصًا من الخلافة، على عدم حدوث تلاعب في الأحكام.


*93*

وقد تواصل تطور سجل القاضي الذي أصطُلح على تسميته بالديوان، إلى حدود نهاية القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد، حيث يبدو أنه قد أخذ شكله النهائي. ومع نهاية القرن الأوَّل للهجرة / السابع للميلاد، شهد مجلس القاضي عدة تطورات، نجملها، كالتالي: أ. ظهور وظيفة الجلواز: وتتمثل في حِفظ الأمن داخل مجلس القضاء، كوظيفة الشرطة في أيامنا. ب. ظهور وظيفة كاتب الديوان، بسبب الحاجة إلى تسجيل، وتلوين أحكام القضاء، والمداولات القضائيَّة. هذا وكان بعض القضاة الأوائل، قد لجأوا إلى تسجيل بعض القرارات بأنفسهم. ت. ظهور (شهود المجلس)، في فترة متأخرة من العصر الأموي، واقتصر عملهم بالشهود على صحَّة الوثائق التي يصدرها مجلس القضاء. فكان القاضي يعيّن عددًا من هؤلاء الشهود لمثل هذه الأهداف وكلفهم أيضًا بختم محاضر الجلسات عند نهاية كل مقاضاة. ث. ظهور منصب (صاحب المسائل) (وقد عرف لاحقًا بالمُزكِّي)، والذي اتَّخذ شكله النهائي عام 110ه /730م، ومهمته: التحقُّق من نزاهة الشهود وعدالتهم (أي: استقامتهم في سيرتهم الشخصية). ومع نهاية القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد اتخذ مجلس القضاء هيئته النهائية شكلا، ومضمونا (حلاق، نشأة، صفحة 100، صفحة 130).

ت. 4. القضاء في العهد العبَّاسي:

تطوَّر نظام القضاء في الدولة العباسيَّة، تطورًا كبيرًا، ولكنه لم يكن فوريًا، أو وليد ظروف سريعة؛ بل نتيجة طبيعيَّة لاختلاف نظم الحياة العباسيَّة عن الحياة الأمويَّة، وبالتالي لاختلاف العقليَّات ومناهج الحكم الشكليَّة؛ أمَّا المميزات التي تميز بها القضاء في هذا العصر، فهي:

1. أطلق على هذا العهد عصر أئمَّة المذاهب؛ ففيه وُضِعت أصول الفقه، وظهرت المذاهب الكبرى منها المذاهب السُنيَّة الأربعة (كما مرَّ). وصار القاضي، من البلد السائد فيها ذلك المذهب، يقضي بموجبه، ففي العراق كان المذهب الحنفي، وفي الحجاز، والشام، والمغرب: المذهب المالكي، وفي مصر المذهب الشافعي، فإذا تقدم متخاصمان على غير المذهب


*94*

الشائع في بلد من البلدان أناب القاضي عنه قاضيًا، آخر يدين ويتقن أصول مذهب المتخاصمين. وبتحديد المذاهب السنيَّة الأربعة، ضعف اجتهاد الرأي لدى علماء المسلمين، مع العلم أنه لم يغلق أبدًا، إذ بقي هناك، في العالم الإسلامي، مجتهدون يجتهدون (أنظر مقال وائل حلاق السابق).

2. إستقلال القضاء عن الأهواء السياسيَّة: كانت الريبة من السلطة السياسيَّة، ومَا اقترن بها من أخبار الفساد، رائجة عند المحدِّثين، بحيث روَوْا عددا من الأحاديث النبوية، التي تدين القضاة والحكام على حدٍّ سواء. يذكر حديث من الأحاديث النبوية: أنَّ القضاة (يُحشَرون يوم القيامة مع السلاطين، في جهنم). وحديث آخر، يقول: (قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنَّة). على هذه الخلفيَّة، أصبح موضوع تعيين القضاة، بمثابة شدَّة، ورزيَّة تحلُّ بالقاضي المعيَّن وعائلته. فكان بعضهم يعتذر بلطف، عن تقبل الوظيفة متعللا بالمرض، أو بجهل الشرع؛ أما البعض الآخر، فقد فضل أن يسجن، ويجلد، على أن يتولى القضاء. فالإمام أبو حنيفة النُّعمان ابن ثابت (من يُنسب له المذهب الحنفي) اعتذر عن تولي منصب القضاء، عندما عرضه عليه الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور، قائلا له: (إتق الله، ولا ترع في أمانتك، إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب. لو اتَّجه الحُكم عليك (يعني: أبا جعفر)، ثم هددَّتني: أن تغرِّقني في الفرات، أو ألغي الحكم، لاخترت أن أغرَّقَ، ولك حاشِيةٌ يحتاجون إلى من يُكرمَهم لك ولا أصلح لذلك)، فضربه ثلاثين مقرعة (أي: سوطًا)، فأصرَّ على الاعتذار، فحبسه، وقيل: إنَّه مات في حبسه (بشير رمضان التليسي وآخرون، تاريخ الحضارة العربية الإسلامية (بيروت، 2001)، صفحة 129). ومع ذلك يجب التأكيد على الحقيقة التالية، وهي أن القضاء في هذا العصر (العباسي) قد حافظ على استقلاليَّته، وهو الطابع المميز للثقافة الفقهية الإسلاميَّة؛ فلم يكن لأيِّ سلطة، بما في ذلك الخليفة، تغيير قرارات القاضي، مهما كانت منزلته متدنية، نظريًّا وعمليًّا (يؤكد وائل حلاق هذه الحقيقة بقوله: (إنَّ مصادرنا قلما قدَّمت شواهد تثبت عكس ذلك). أنظر كتابه نشأة، صفحة 128). فمتى اصدر قرارًا أصبح نهائيًّا، وغير قابل للطعن خلال فترة توليه القضاء. وحصول محاولات كهذه، للتدخل في تغيير قرار القاضي بعد إصداره، من جانب الخليفة أو السلطة الحاكمة، كالوالي مثلا، كانت


*95*

تؤدي الى تخلي هذا القاضي عن وظيفة القضاء. لكن، قد يتدخل صاحب السلطة السياسيَّة لدى قاضٍ جديدٍ؛ ليغير من قرارات مَن سبقه في الوظيفة، لكن هذا نادرًا ما كان يحصل (ن.م.، صفحة 128-129 أنظر (الباب الثامن) أيضا).

3. اتَّخذ العباسيّون نظام قاضي القضاة؛ كان القاضي أبو يوسف (المذكور سابقا) هو أوَّل من لُقِّب بهذا اللَّقب، وقد عينه الخليفة هارون الرشيد بعيد عام 170ه /786م، وهو بمثابة وزير العدل في أيامنا، وكان يقيم في بغداد - حاضرة الدولة العباسيَّة - وهو نفسه قاضي مدينة بغداد، وله نائبان: أحدهما يتولى الناحية الشرقية، أي: الرُّصافة، والأخر يتولّى الناحية الغربية للمدينة - أي المدينة المدوَّرة. ولم يكن منصب قاضي القضاة هذا يمثل سوى خطوة أخيرة، في مسار تأسيس السلطة المركزيَّة؛ إذ منذ ذلك الوقت أصبح قاضي القضاة يعيّن قضاة النواحي البعيدة، رغم أن التعيين نفسه يصدر رسميًّا من العاصمة وباسم الخليفة مباشرة. وبانتقال سلطة تعيين القضاة من الخليفة إلى قاضي القضاة، أصبح للقضاة حق تعيين نواب، أو قضاة النواحي، الذين عُرفوا باسم (الخلفاء)، أو (النواب). وكان أبو يوسف يطوف على القضاة، ويتفقَّد أحوالهم، وسيرهم، وهو أوَّل من بدّل لباس العلماء، والقضاة، وميَّزهم بلباس مخصوص بهم، بعد أن كانوا يلبسون كسائر الناس؛ فكان القاضي يلبس السواد، بهيئة عمّال بني العباس، ويتميز في غطاء الرأس: عِمَامة سوداء على قلُنسُوة طويلة.

4. اتَّسعت سلطة القاضي في هذا العصر؛ فبعد أن كان ينظر في الخلافات المدنيَّة، والخصومات الجنائيَّة؛ أصبح يفصل في الدعاوى والأوقاف وتنصيب الأوصياء؛ وقد تضاف إليه الشرطة، والمظالم، والحِسبَة، ودار الضرب، وبيت مال المسلمين، وحتى قيادة الجند أحيانًا، يقول عبد الرحمن بن خلدون في كتابه المقدِمة:

واستقرَّ آخر الآمر، على أنَّه يَجمع، مع الفصل بين الخصوم، استيفاء بعض الحقوق العامَّة للمسلمين بالنظر في أموال المحجور علهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السَّفة وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الأيامى (أي: اليتامى اللواتي لم يتزوجن منهن) عند فقد الأولياء على رأي من رآه، والنظر في مصالح الطرقات، والأبنية، وتصفح الشهود، والأمناء، والنواب، واستيفاء العِلم، والخِبرة فيهم بالعدالة، أو الجرح (أي: إظهار العيب في كلامهم) ليحصل له الوثوق بهم (المرجع: ابن خلدون، م.س.، صفحة 221-222).


*96*

5. أصبح في كلِّ ولاية جُملة من القضاة: تمشيًا مع التطور الذي شهدته الدولة العباسيَّة، وصار في كل ولاية أربعة قضاة، بدلا من قاضٍ واحدٍ، يمثلون المذاهب السنيَّة الأربعة، ينظر كل منهم في النزاع الذي يقوم بين من يدينون بعقائد مذهبه.

ومع تدهور أوضاع الدولة العباسيَّة، وتفكُّكِها، منذ العصر العباسي الثاني، فقد القضاء كرامته؛ فبرزت عند البعض ظاهرة الرشوة، للحصول على وظيفة القاضي.

ت. 5. شروط القاضي: يجب أن تتوفر، في المرشح لمنصب القاضي، الشروط التالية:

1. الإسلام: فلا يجوز توليَة غير المسلم القضاء بين المسلمين.

2. الذُّكورة: فليس للمرأة أن تتولى القضاء (أجاز ذلك أبو حنيفة).

3. البلوغ: لأن الصبي لا يعقل أن يتولاها، فهناك من يتولى أمره.

4. العقل: فلا يجوز أن يتولى القضاء مجنونٌ، فبالعقل يستطيع التمييز بين الأمور.

5. الحريَّة: فلا يجوز للعبد أن يكون قاضيًا؛ لأنه مملوك لآخر.

6. العِلم: هو العِلم بالأمور الشرعية التي تؤدي به إلى اجتهاد رأي.

7. سلامة السمع والبصر والنُّطق.

8. العدالة: أن يكون عادلًا في سيرته الذاتية، أي: متجنبًا للمحرَّمات، والمكروهات، عفيفًا.

ت. 6. معاونو القاضي: يتخذ القاضي، بحسب كثرة أعماله، كاتبًا لتسجيل الأحكام، وحجج المتخاصمين، وخازنًا لحفظ الدعاوى، وحاجبًا لترتيب الخصوم على أوقات حضورهم، وترجمانًا يقوم بالترجمة عند مقاضاة الأعاجم الذين لا يعرفون العربيَّة، وأشخاصًا آخرين. كل واحد من أولئك الموظفين على راتب في (بيت مال المسلمين).

- أسئلة:

1. اشرح مميزات القضاء زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والخلفاء الراشدين.

2. ما هي التطورات التي طرأت على القضاء، في العصر الأمويّ؟ اشرح.

3. لخِّص مميزات القضاء في العصر العباسي، ماذا تستنتج من ذلك؟ وضِّح

4. ما هي الشروط، التي يجب أن تتوفر، في مَن يتقلّد وظيفة قاضٍ؟ وضِّح


*97*

ث. محكمة النَّظر في المَظالم:

ث. 1. نشوؤها: عَرَف العرب في الجاهليَّة ردّ المظالم، وإعادة الحقوق إلى أصحابها المظلومين، فتعاون القرشيُّون في ردِّ المظالم، بما شرَّعوه من حلف سمي (حِلف الفُضُول)، وقد شهده الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأثنى عليه، قائلا: (لقد شهدت في دار عبدالله بن خُدعَان حلفًا ما أحِبُّ إذ لي به حُمر النِعَم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت).

لم يجلس للمظالم أحدٌ من الخلفاء الراشدين إلا عليًّا؛ لكنه لم يُعين يومًا خاصًّا لسماع الظُّلامَات؛ بل كان ينظر إلى شكاوى المتظلمين؛ ويعمل على إنصافهم فوريًّا. وكان أوَّل ظهور لمحكمة المظالم، زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان؛ فكان أوَّل من جلس للمظالم من الخلفاء؛ وأفرد ذلك إلى قاضيه بن إدريس الأزدِي. وفي العهد العباسي أنشأ الخليفة المهدي ديوانًا دعي: ديوان (النظر في المَظالِم).

عملت هذه المحكمة في النظر في القضايا التي: أ. عجز القاضي عن تنفيذ حكمة في قضية رجل من عُليّة القوم (أي: الفئات العليا في المجتمع)، ب. ما يستأنفه المتقاضون، لاعتقادهم أنَّ القاضي لم ينصفهم؛ فهي، إذًا، لوقف تعدِّي ذوي الجاه، والحَسَب، والنَّسَب (الحَسَب: الصفات الحسنة في الشخص، أو في أجداده، والنَّسَب: صلة القرابة)؛ كما تنظر في ظُلم موظفي الدولة للرعيَّة.

ث. 2. شروط قاضي المظالم: لأهميَّة محكمة المظالم؛ كمحكمة استئناف عُليا، يجب أن تتوفر، فيمن يتقلدها، الشروط التالية: الذكورة، والإسلام، والحريَّة، والعدالة (في سيرته الذاتيَّة، أي: أن يكون نزيهًا، عفيفًا)، فضلا عن كونه جليل القدر، ونافذ الأمر، وعظيم الهيبة، وظاهر العفّة، وقليل الطمع، وكثير الورع (أي: مخافة الله في أعماله وأقواله).

ث. 3. مجلس قاضي المظالم وشروط انعقاده: ينعقد مجلس النظر في المظالم في قصر الخلافة، أو في المسجد، وربما في (دار العدل)؛ ويوقّع الخليفة على المظالم، كما يوقعها بعده ناظر المظالم؛ فتكون بعد ذلك قابلة للتنفيذ، فهي تعقد تحت رعاية الخليفة نفسه، أو


*98*

الوالي في الولاية، أو من ينوب عن احدهما، أو وزير التفويض؛ ولا تنعقد محكمة المظالم إلا بحضور خمسة عناصر، هي:

1. الحُمَاة والأعوان: للأخذ على يد القوي، وتقويم الجريء، وردعه. بمثابة الشرطة.

2. القضاة والحكَّام: لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق؛ وما يجري في مجالسهم بين الخصوم.

3. الفقهاء: للرجوع إليهم، فيما أشكل، واشتبه، من المسائل الشرعية.

4. الكُتَّاب: لإثبات ما جرى بين الخصوم، وتدوينه، وإعلامهم بما لهم، أو عليهم من الحقوق.

5. الشهود: للشهادة على ما أوجب من الحقوق؛ وأمضى من الأحكام؛ وللاستعانة بمعلوماتهم عن الخصوم؛ ولاثبات أنَّ ما صدر من الأحكام، لا يتنافى مع العدل.

ث. 4. صلاحيات قاضي المظالم: وتتلخص في الأمور، التالية:

1. النظر في تعدي الولاة، والحكام، على الرعيَّة.

2. النظر في ظلم عُمَّال الخراج (أنظر فصل ماليَّة الدولة الإسلاميَّة)، فيما يجمعونه من أموال؛ فعليه العودة إلى قوانين الدواوين للنظر فيها، والعمل بها؛ وله السلطة في ردِّ الزيادة التي دخلت إلى (بيت مال المسلمين)؛ واسترجاع ما قد يكون الولاة أخذوه لأنفسهم.

3. النظر في عدالة كتَّاب الدواوين، فيما يدخلونه، أو يصرفونه من مال الدواوين.

4. النظر في تظلم المسترزقة (أي: الموظفين) لنقص في أرزاقهم، أو لتأخير في دفعها.

5. ردِّ الغُصُوب: وهي ما تمّ الحصول عليها بالقوة، والغلبة. وتكون على نوعين:

أ. غُصوب سلطانيَّة: التي قد تغلّب عليها ولاة الظلم، كالأملاك، إمَّا لرغبتهم فيها، أو لتعدٍّ على أهلها. ب. غُصوب يتغلب عليها أصحابُ السَّطوة والقوَّة، فيردها قاضي المظالم إلى أصحابها، إذا قدموا تظلمهم له.


*99*

6. النظر في المنازعات المتعلقة بالأوقاف (الوَقف؛ هو: ما يقِفَه، أي: يحبس المسلم مدخوله لريع مؤسسة دينيَّة من مال، أو مالك لمساعدة المسلمين المحتاجين. وهو: على نوعين: أ. الوقف الذُّرِّي، ويُصرف على ذُريّة الواقف (المحتاجين منهم). ب. الوقف الخَيري؛ ويصرف على خير المسلمين).

7. تنفيذ ما عجز عن تنفيذه القضاة من أحكام، لقوة وسطوة صاحبها، أو لخطره.

8. النظر، فيما عجز عنه المحتسبون (أنظر الحسبة، فيما يلي)، في المصالح العامَّة.

9. المحافظة على إقامة (العبادات): أيام الجُمَع، والأعياد، والحجّ، والجهاد، بحيث لا يحصل تقصيرٌ فيها، أو إخلالٌ لشروطها.

10. النظر في ما بين المتشاجرين (الشجار: هو: العِراك، سواء اللفظي، أو الحركي، بين فردين، أو أكثر)، والحكم بين المتنازعين.

فقاضي المظالم أعلى قدرًا من القاضي العادي؛ لأن لناظر المظالم، من السلطات، ما يفوق سلطة القاضي، كما أن النظر في المظالم أشمل مجالا من القضاء؛ ولديه من الأساليب ما يتفوق به على القضاة؛ وله أن يؤدِّب من ظهر ظلمُه بالتقويم والتهذيب. ولناظر المظالم، أن يتأنَّى في الحصول على الأدلَّة؛ ليثبت ما يريد إثباته؛ ويمكن له أن يَرُدَّ الخصوم، أمَلا في إلزام المتخاصمين بالكفالة؛ وله أن يستحلف الشهود، ويزيد من أعدادهم، حتى يتبين له الحقّ؛ كما أن من سلطته استدعاء الشهود، لسؤالهم عما لديهم، وما يعرفون في تنازع المتخاصمين؛ أمَّا فيما عدا ذلك، فالقضاء والنظر في المظالم متشابهان.

- أسئلة:

1. من أوَّل من أنشأ محكمة المظالم من الخلفاء؟ ولماذا؟ وضِّح

2. أذكر الشروط التي يجب أن تتوفر، فيمن يتقلد وظيفة (النظر في المظالم).

3. ما هي شروط انعقاد مجلس محكمة المظالم؟ بين ذلك

4. ما هو اختصاص قاضي المظالم؟ اشرح.

5. قارن بين القاضي (العادي)، وقاضي المظالم، من جميع الوجوه.


*100*

يوجد صورة لأبو زيد وزوجه، يشكوان سوء حالهما الى قاضي الرملة - القرن 7ه /13م (مقامات الحريري)

شرح بمساعدة المعلمة


*101*

ج. الحِسبَة والمُحتَسِب:

ج. 1. تعريف الحِسبَة: الحِسبَة، لغة، تعني: الإنكار، والرَّدِع، فنقول: احتسب عليه الشيء، أي: أنكر عليه قبيح عمله، أو كفّه عليه، أو منه. وهي عند الفقهاء: (وظيفة دينيَّة)، أو (خدمة دينيَّة) مستمدَّة من القاعدة الشرعيَّة التي نصّ عليه القرآن الكريم ثم (السُّنَّة النبويَّة)، كما ورد في الآية الكريمة: (وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدعُونَ إلى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ المُنكَرِ وأولئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ) (سورة آل عمران: آية 104)، أو الآية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) (سورة آل عمران: آية 110). حيث كُلِّف بها كل مسلم متطوِّعًا، عكس المحتسب الذي يكلف بها، بتولية من الخليفة او نائبه. وفي السنة النبوية، قوله (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ غشَّنا فليس مِنَّا؛ وإنَّ الغاشّ ليس بمؤمنٍ).

تركَّز عمل المحتسب في سوق المدينة الإسلاميَّة؛ ولهذا عُرف أوَّلا بعامل على السوق، أو (صاحب السوق)، فيلازم السوق؛ (ليأمرَ بالمعروف، إذا ظهر تركُهُ؛ ويَنْهى عن المُنكر، إذا ظهر فِعْلُهُ). ومنصب المحتسب واسطة بين أحكام القضاء، وأحكام المظالم، ولذلك يقول ابن خلدون عن الحسبة إنها: (خادمة لمنصب القضاء) (ابن خلدون، م.س.، صفحة 225-226).

ج. 2. نشأة منصب المحتسب: يبدو أن أوَّل ظهورٍ لمنصب المحتسب (وبهذه التسمية بالذات)، كان في القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد، وأنَّ أوَّل من تقلده هو عاصم الأحوَل (ت. 142ه / 759م)، زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (خلف 136-158ه /754-775م)، إذ كان محتسبًا في سوق الكوفة. وهذا لا يعني أنَّ هذا المنصب قد ظهر من فراغ؛ بل كانت مهامّ المحتسب قد مُورِسَت منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ واستمر العمل بها طيلة عهد الخلفاء الراشدين والخلافة الأمويَّة. وعندها عرفت، في أوَّل أمرها، كما قلنا، بعامل على السوق، أو (صاحب السوق)، فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يمنع الغِش في البضاعة، كما سبق


*102*

وأشرنا إليه. وعين سعيد بن سعيد بن العاص بن أميّة، على سوق مكة، بعد فتحها عام 8ه / 630م؛ ثم عيَّن امرأة، هي سمْراء بنت نُهَيْك الأسدِيَّة، على سوق المدينة؛ فكانت تمرّ على الأسواق؛ تأمر بالمعروف؛ وتنهى عن المُنكر؛ وتضرب الناس على ذلك بسوْطٍ (أي كٌرباج مؤلف من خمس شرائح جلد)، كان معها. واستمر العمل بذلك على عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، سواءٌ في تطبيق فريضة (الأمرُ بالمعروفِ والنَّهْي عَن المُنكَر) بأنفسهم، أو في تولية (عامل على السوق)، أو (صاحب السوق). فالخليفة عمر بن الخطاب، كان، كما يروى، شديدًا في تطبيق هذه الفريضة؛ فكان يتجوَّل في الأسواق، حاملا دِرّتَه، يؤدِّب، ويوجِّه، ومنها خفْقه (ضَرْبَه خفيفًا) لجمّالٍ بالدِّرَّة، قائلا له: (حمّلت جملك ما لا يُطيق). ثم عيَّن في عهده على سوق المدينة من تولَّى مهام (عامل على السوق)، أو (صاحب السوق) من الرجال والنساء.

وفي العهد الأموي، سار خلفاء بني اميَّه، على تقليد منصب (صاحب السوق)، في مدن العراق، مثل: واسط، والبصرة، والكوفة وغيرها. وعلى أثر سقوط دولتهم نقلوا هذا المنصب إلى حكمهم في الأندلس، فعُرفت هناك، في البداية، التسمية ذاتها (صاحب السوق)، ثم (المحتسب).

ومع ظهور منصب المحتسب، في بداية العهد العباسي، أخذت مؤسسة الحسبة تترسَّخ قوانينها منصبًا رسميًا في إدارة الدولة الإسلاميَّة. وظهرت المؤلفات (سواءٌ في الأندلس، أو في المشرق الإسلامي، منها ما هو مطبوع، ومنها ما زال مخطوطًا)، التي اعتنت بتحديد شروط وصلاحيَّات المحتسب. فمنشأ الحسبة والمحتسب كان نتيجة تطور تدريجيِّ، داخليِّ، في الدولة الإسلاميَّة، تلبية لاحتياجات المجتمع الإسلامي، أكثر دين كونه اقتباسًا عن منصب أجورانوموس (Agoranomos)، الذي ظهر في المدن البيزنطيَّة، كما ادَّعى بعض المؤرخين المُحْدَثين.


*103*

ج. 3. شروط المحتسب: تتلخص الشروط العامَّة، التي ينبغي أنْ تتوفر في المرشَّح لمنصب المحتسب، بأن يكون: مُسلمًا، حرًّا (لا عبدًا)، ذكرًا (وهناك، من الفقهاء، من أجاز للمرأة أن تتولى هذا المنصب، أُسوة بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم)، بالغًا، عاقلًا، عالمًا (بأُمور الدين)، فقهًا (في أحكام الشرع)، قادرًا (على القيام بمهامها)، عادلًا (صادقًا، ونزيهًا، وعفيفًا)، قويًا شديدًا في الحق، ذا رأي، وخبرة، ومعرفة، بأحوال المجتمع، وأصناف المعايش، والمهن.

ج. 4. أعمال المحتسب، وصلاحياته: تناولت صلاحيات المحتسب مختلف نواحي الحياة اليوميَّة للمدينة الإسلاميَّة: الدينيَّة منها، والدنيويَّة، الداخلة في فريضتيْ: (الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر) واللتيْن قسَّم الإمام الماوردي، كل واحدة منهما (أي: المعروف، والمنكر)، إلى ثلاثة أقسام: أ. ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وتشمل: العبادات، والمحظورات، والمعاملات ب. ما يتعلق بحقوق الآدميين - أي: المعاملات ت. وما يكون مشتركًا بين حقوق الله وبين حقوق الآدميّين (مثال عن المعروف: إلزام الأولياء بتزويج الأيامى، أي: اليتامى اللواتي لم يتزوجن ويطلبن منهم ذلك. ومثال المنكر: منع الإشراف على منازل الناس، فيلوم مَن علا بناؤه ألا يُشرف على غيره. أنظر: علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الرتبة في طلب الحسبة (القاهرة، 2002)، صفحة 94). وكانت للمحتسب أكثر من ثلاثين مهمَّة، كان تسع منها متعلقة بما يجري في السوق (ن.م.، أيضا أحمد غبن، (الحسبة وعلاقتها بالفنون الإسلاميَّة)، 445-336: (2000) 24JSAI )؛ لذا وجب عليه أن يكون ملازمًا للأسواق؛ يركب في كل وقت دابته، ويدور على السوقة والباعة؛ ويكشف الدكاكين والطرقات؛ ويفعل ذلك في النهار والليل، في أوقات مختلفة، وذلك على غفلة منهم. وقد شملت مهمته هذه العديد من المهن، والصناعات، التي حوتها المدينة الإسلاميَّة (أنظر كتاب الماوردي، الرتبة)؛ أمَّا صلاحيَّات المُحتسب، فتشمل:

1. مراقبة التُّجَّار، وأرباب المِهَن؛ أي: مراقبة كلِّ صاحبِ مهنة يَتكسَّب منها، فيراقب المحتسب مدى حِرصه على وسائل الوقاية لأداء عمله.

2. مراقبة الأسعار، والمقاييس، والموازين، والمكاييل؛ وذلك لمنع كل ما حرّمه الإسلام: كالربا؛ والبَخس في الكيل (أي: نَقص الوزن)، أو التطفيف في الميزان (أي: تنقيصه قليلا بحيلةٍ بأن يضع ثِقلا في كفَّة الميزان، لترجيحه قليلا)، ومنع الإحتكار، والاستغلال، والغِش.


*104*

3. مراقبة الآداب العامَّة؛ كمنع الرجال من التَّعرُّض للنساء في الطرقات؛ ومنع الفتيات، والنساء من التبرُّج (التّزيُّن للفت أنظار الرجال)، وتعاطي أعمال السحر، والكهانة.

4. مراقبة (العبادات)؛ فيأخذ المحتسب المسلمين بصلاة الجُمُعَة، والجَمَاعة، والأعياد، ويمنعهم من الإفطار في رمضان، ويُعنى بنظافة المساجد وهيبتها.

5. مراقبة الأبنية، والطرقات؛ فيأمر بهدم الأبنية البارزة؛ ويمنع فتح النوافذ على الأبنية المقابلة لها؛ ويأمر أصحاب الدور المتداعية بهدمها، ورفع أنقاضها؛ ويراقب البَسْطاتِ في الأسواق وعدم سدِّ الطرق، لتسهيل حركة المرور فيها.

6. أعمال مختلفة:

أ. إجبار السادة على معاملة العبيد والأماء (جمع أمَة وهي الجارية أنظر موضوع الرِّقّ)، معاملة حسنَة. ب. رعاية الأطفال اللُّقطاء (جمع لقيط، وهم: أبناء الرجال الساقطين، أو النساء الساقطات) والتكفُّل بهم. ت. منع معلمي الكتَّاب من ضرب الصبيان ضربًا مبرحًا. ث. منع الحمَّالين، وأرباب السفن (إذ كانت المدينة على بحر، أو نهر)، من الإكثار في الحمل كي لا تتعرَّض للغرق في مياه البحار. ويدعو إلى الرفق بالحيوان، فلا يُحمّل فوق طاقته. هذا وينظر المحتسب في ثلاث دعاوَى، هي:

أ. البَخْس في الكيْل، أو التطفيف في الميزان.

ب. الغِش، أو التدليس (أي: اخفاء عيب السلعة عن المشتري) في بيعٍ، أو ثمن.

ت. المُماطلة، والتأخير، في تسديد دينٍ (مع القُدرة على تسديده).

ج. 5. مقرّ المحتسب وعُدَّته: اتخذ المحتسب مقرًا له في السوق، هو الدِّكَّة التي كانت تقع عادة في مكان ظاهر، وعالٍ، في أغلب الأحيان. وعلى الدِّكَّة يعلق عدته، وهي: السَّوط، والدِرَّة، والطُرطُور (وهي: قبعة طويلة، كالتاج)، بهدف إدخال الرَّهبة في نفوس أهل السوق وروَّاده. كما انَّه كان يتخذ سجلا خاصًا، يدوِّن فيه أسماء أصحاب المهن، والحِرف، والصناعات؛ ليسهلَ التعرف إلى عناوينهم، للوصول إليهم عند الحاجة.

ج. 6. أعوان المحتسب: مع تطوُّر المجتمع الإسلامي المدني، ازدادت أهميَّة المحتسب؛ واتسعت اختصاصاته؛ فأصبح بحاجة لمن يعينه على أدائها، فاتخذ لنفسه اعوانًا، مثل:


*105*

أ. العُرفاء: وقد اختيروا من بين أصحاب الحرف، والصناعات، لكونهم من ذوي المعرفة، والدراية، بالحرفة وأهلها، والأساليب التي يتَّبعها أصحاب الحِرفة والصنعة لأجل الغِشّ والتدليس فيها؛ فيساعدون المحتسب في الكشف عن أعمال الغِشّ، والتدليس فيها.

ب. النوَّاب: وهم ينوبون عن المحتسب في الموانئ، وسواحل البحر، وعلى الحدود؛ ويعملون على تزويد المحتسب بمعلومات، عن عملية استيراد الغلال، والمواد الغذائية.

ت. الأعوان والغِلمَان: يعاونون المحتسب في القبض على المخالفين، ومعاقبتهم، بما يلزم من أساليب العِقاب، ضمن صلاحيَّات المحتسب، كما سيجيء لاحقًا.

ج. 7. عُقوبات المحتسب: على المحتسب أن يكون متأنيًّا، غير مبادر إلى العقوبة؛ فلا يأخذ أحدًا بأوَّل ذنبٍ يصدر منه؛ ولا يُعاقب بأوَّل زلَّةٍ تبدو؛ وإذا عثر بمَن نقَّص بالمكيال، أو بخَّس بالميزان، أو غشَّ بضاعة، أو صناعة، استتابه عن معصيته، ووعظه، وخوَّفه، وأنذره العقوبة والتعزير؛ فإن عاد إلى فعله عزَّره، على حسب ما يليق به من التعزير بقدر الجناية؛ وقد يلجأ إلى إتلاف البضاعة الفاسدة، أو سكب الخُمُور، ومنع التاجر من ممارسة عمله، وإعلان اسمه ليتجنبه الناس، أو إلى الحبس، والضرب، والصفع، وحلق الرأس (دون اللِّحية)، والتشهير، وتسويد الوجه، أو إلى التجريس؛ بأن يُلبس طُرطورًا من اللَّبد منقوشًا بالخِرَق الملوَّنة، ومكبلا بالوَدَع (الصَّدَف)، والأجراس؛ ليطوَّف به، في المدينة، فيركَّب جملا، ويعطى جرسًا بيده، يقرعه، وهو يردِّد: (قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب).

- أسئلة:

1. ماذا نعني بالحسبة؟ وضِّح مبيِّنًا كيف صارت وظيفة رسميَّة، في الدولة الإسلاميَّة.

2. ماهي شروط المرشَّح لوظيفة محتسب؟ ما رأيك فيها؟ وضِّح

3. بين الجوانبَ: الدينيَّة، والإقتصاديَّة، والإجتماعيَّة، والأخلاقيَّة في صلاحيات المحتسب.

4 أذكر أعوان المحتسب؟ مشيرًا إلى مهام كلِّ واحدٍ منهم.

5. ما هي العقوبات التي يلجأ اليها المحتسب في أداء عمله؟ وضِّح


*106*

الكاتب عن رسائل إخوان الصفا ـ بغداد 686ه /1287م

يوجد صورة، شرح بمساعدة المعلمة


*107*

الفصل الرابع: ماليَّة الدَّولة الإسلاميَّة


*107*

موضوع (ماليَّة الدولة الإسلاميَّة) يتناول الحديث عن: (بيت مال المسلمين)، من حيث تعريفه، ونشأته، وموارده، ومصروفاته.

أ. في تعريف (بيت مال المسلمين)، ونشأته: هو أشبه بخزينة الدولة العامَّة، أو بوزارة الماليَّة في عصرنا الحاضر. وهو يعتبر (بيت مال المسلمين) جميعًا. وكان الخليفة عمر بن الخطاب، أوَّل من أنشأه وبشكلٍ رسميٍّ، بعد أن كان الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأبو بكر الصديق مِن بعده، يوزعان موارد الدولة في حينها. فكيف اهتدى إلى فكرة إنشاء (بيت مال للمسلمين)؟ (عن هذا السؤال كنَّا قد أجبنا في مَعرِض حديثنا عن دوافع نشوء الدواوين، فلا حاجة بنا إلى تكرار الحديث راجع موضوع الدواوين). يبقى السؤالان المطلوب الإجابة عنهما، هما: ماذا كانت موارد (بيت مال المسلمين)؟ وما هي الأوجه التي صُرفت فيها؟

ب. موارد (بيت مال المسلمين): كانت موارده الأساسيَّة من: الخراج، والزَّكاة، والجزية، والفيء، والغنيمة، والعُشور (أي: المُكوس). وقد نصَّ القرآن الكريم على بعضها: ب.1: الخَرَاج: الخراج، لغة، تعني الغلَّة، والأتاوة، والحِصَّة المعيَّنة من المال، يُخرجها القوم في السنة، وهو اسم لما يخرج، أو الأجر، وقد وردت بهذا المعنى في القرآن الكريم (انظر سورة المؤمنين، آية 72)، كما وجاءت في الحديث النبوي الشريف بمعنى الأجر، أو الأتاوة. وهناك من يرى أن أصل الكلمة هو يوناني، وقد عُرِّبت؛ أو أنها تعريب لكلمة آراميَّة هي (خوريجيا Choregia)، وتعني الضريبة بصفة عامَّة (أحمد عبد الرازق أحمد، الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (القاهرة، 1990)، صفحة 145). والخراج مقدار من المال، أو المحصولات، يُفرض على:


*108*

1. الأراضي التي فتحها المسلمون عُنوَة (أي: بالقتال)، إذا عدل الخليفة عن تقسيمها على المحاربين (لأنها تعتبر غنيمة حرب، انظر فيما بعد)، بعد أن عوّضهم عن نصيبهم فيها؛ كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب، في أرض السواد في جنوب العراق.

2. الأراضي التي أفاء الله بها على المسلمين (أي: حصلوا عليها دون قتال) فملكوها، وصالحوا أهلها عليها، على أن يتركوها بخراج معلوم، يؤدُّونه إلى بيت المال. فهذه تحولت إلى ملكيَّة الدولة الإسلاميَّة بفعل عمليَّة الفتح، فأُبقِيت بأيدي أصحابها السابقين من أهل الذِّمَّة (النصارى واليهود وألحِق بهم، المَجُوس في القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد. ثم الصابئة والسامرة أنظر، فيما بعد)؛ للاستفادة منها مقابل دفع خراجها، فلا تسقط ضريبة الخراج عنها إذا اسلم الذِّميّ. وكان لا يُفرض الخراج على أربعة أنواع من الأراضي، بل يدفع عنها أصحابها عُشر ثمارها ومحصولاتها، وتسمى: الأرض العُشريَّة، وتشمل:

1. الأرض التي أسلم أهلها، وهم عليها دون قتال، فتُترك لهم.

2. الأرض التي ملكها المسلمون عُنوَةً، وقهرًا، إمَّا من أهل الذِّمَّة، أو من المشركين؛ فتعتبر غنيمة حرب، تقسم بين الفاتحين (الا إذا عدل الخليفة عن تقسيهما، كما اشرنا سابقًا).

3. أراضي المَوَات (أي: النور)، التي تُمنح للمسلم ليستصلحها.

هذا ولم يكن مقدار الخراج ثابتًا؛ وقد جرى تحديدها بإحدى وسيلتين: أن تحسب على أساس مساحة الأرض، أي (حساب المساحة)؛ أو أن تحسب على أساس ما تنتجه الأرض من الزرع؛ وهذا يعتمد على مدى خصوبة الأرض. أمَّا طرق جباية الخراج فكانت:

أ. طريقة المُقاسمة: وهي الطريقة التي اقرها الخليفة عمر بن الخطاب؛ وتكون بأن يُشرف الخليفة على جباية الخراج، ويُحاسب الولاة والعمال تطبيقا لمبدأ: من أين لك هذا؟

ب. الطريقة المباشرة: وتكون بأن يعيِّن الخليفة، إلى جانب الوالي، موظفًا، هو: (صاحب الخراج)، لجباية الخراج من الولاية، ولا يكون للوالي عليه أيَّة سلطةٍ، إلا أن الولاة كانوا أحيانًا يضمنون الخراج، كما فعل يحيى بن بَرْمَك وغيره.


*109*

ج. طريقة التضمين (أو الالتزام): وتكون بأن تعلن الدولة عن رغبتها، في تضمين الخراج لمناطق مختلفة؛ فيجتمع الناس من الأغنياء، والمتنفِّذين، ويلتزم كل منهم، منطقة من مناطق الخراج، بمال معيَّن يقع عليه بالمزايدة؛ أمَّا إذا كانت الأرض من أملاك الدولة، فان الملتزم يضمن بلدة، أو قرية، فيزرعها؛ ويستغلها؛ ويدفع ما عليها من الخراج؛ ويستولي على الباقي. وكان الضمان يعقد عادة لمدة سنتين، أو ثلاث.

وقد لجأ الأمويّون إلى طريقة الاستخراج، أو التكشيف، وذلك بإجراء تحقيق دقيق مع الجُبَاة، وموظفي الخراج، عند اعتزالهم أعمالهم؛ فكانوا يُعذَّبون ليقروا بالأموال التي جمعوها، وأودعوها عند أهلهم وأصدقائهم؛ وكان مثل هذا التحقيق يتجاوز أحيانًا الحدود المشروعة؛ ويصبح وسيلة للانتقام، والأخذ بالثأر، وجمع المال؛ وقد ينتهي بموت عامل الخراج؛ فتثور قبيلته وتطالب بثأره؛ وهذا كثيرًا ما كان يؤدي إلى حدوث الاضطرابات الداخليَّة، ولاسيَّما في أواخر الدولة الأمويَّة.

ب. 2: الزَّكاة (الزَّكوة): وتُعرف أيضًا بالصَّدقة وهي أول فريضة اجتماعيَّة، فرضها الإسلام على المسلمين الذين يملكون، لتُعطى للمسلم الذي لا يملك، عملًا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ مِنْ أمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِّلسائِلِ وَالمَحْرُومِ) (سورة المعارج: الآيتان 24-25)، أو (خُذْ مِنْ أموالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكّيهِم بهَا) (سورة التوبة: آية 103)؛ هذا، والزَّكاة، هي: أحد أركان الإسلام الخمسة.

ب. 2. 1: مصادر الزَّكاة؛

1. زكاة السوائم، أو المواشي: الإبل، والغنم، والبقر، وغيرها

2. زكاة الذهب، والفضة.

3. زكاة التجارة.

4. زكاة المعادن، والرِكَاز (أي: الكنز الدفين).

5. زكاة الزروع، والثمار.

وتؤخذ الزَّكاة من المصادر السابقة بنسبة معيَّنة (لا حاجة بنا إلى ذكرها).


*110*

ب. 2. 2: صَرْفُ الزَّكاة: ينفق مال الزَّكاة في جهات ثمان، حسب ما ورد في قوله تعالى: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبيلِ اللهِ وابن السَّبيل فَرِيضَةً منَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (سورة التوبة: آية 60). فالفقراء، هم الذين لا شيءَ لهم؛ والمساكين، هم الذين يملكون شيئًا قليلًا (وقيل العكس)؛ والعاملون عليها، القائمون بجبايتها وتفريقها؛ والمؤلفة قلوبهم، هم الذين كان النبي (صلى الله عليه وسلم)، وخلفاؤه، يتألَّفونهم لكفِّ أذاهم عن المسلمين، أو لترغيبهم في الإسلام؛ والرِّقاب: مساعدة العبيد على التحرُّر من أسيادهم؛ والغارمون، هم المَدِينون الذين استدانوا في مصالح أنفسهم، أو في مصالح المسلمين، فيُعطى لهم ما يقضون به دينهم؛ وفي سبيل الله: أن تُعطى للغزاة، وأهل الجهاد في سبيل الله، نفقة ما يحتاجون إليه في حروبهم؛ وأبناء السبيل، هم المسافرون المنقطعون في بلد ما، فيُعطى كلُّ واحدٍ منهم، ما يُعينه ليعودَ إلى بلده، وأهله.

ب. 3: الجِزْيَة: هي ضريبة شخصيَّة فرضها الإسلام، على الرجال القادرين من أهل الذِّمَّة: النصارى، واليهود، والمجوس وقد أصبحوا ضمن أهل الذِّمَّة منذ القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد. كما وتؤخذ من الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم، وإن خالفوهم في فروعه، ولا تؤخذ منهم إذا خالفوهم في أصل معتقدهم (الماوردي، الأحكام السلطانيَّة، صفحة 143-144). (أنظر موضوع أهل الذِّمَّة)، وذلك مقابل بقائهم على دينهم، والكفّ عنهم، والحماية لهم، حيث انهم يصبحون في ذِمَّة (أي: حِماية) المسلمين؛ وهي تقابل فريضة الزَّكاة المفروضة على المسلمين، كي يتكافأ الفريقان؛ لأن أهل الذِّمَّة، والمسلمين، رعيَّة لدولة واحدة هي الدولة الإسلاميَّة؛ فوجبت الجزية على أهل الذِّمَّة مقابل حرص الدولة الإسلاميَّة وتوفير الكف عنهم، والحماية لهم؛ إذ لو كانوا مسلمين لشاركوا في القتال، والدفاع عن الدولة الإسلاميَّة. والجزية، تسقط عن الذِّميِّ إذا أسلم؛ أمَّا ضريبة الخراج، فلا تسقط عنه حتى ولو أسلم (كان الحجاج بن يوسف، والي العراق لبني أميَّة، قد أبقى الجزية على من أسلم؛ لانَّ عددًا كبيرًا من أهل الذمة قد اعتنق الإسلام وانتقل إلى المدن، فلم يعفهم من الجزية وأعادهم إلى قراهم مجبرين. الخربوطلي، م.س.، صفحة 74)؛ ومقدار الجزية، كما حدّدها الخليفة عمر بن الخطاب، على ثلاثة أصناف: أغنياء ويؤخذ منهم


*111*

ثمانية وأربعون دِرهِمًا؛ وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون دِرهِمًا؛ وفقراء يؤخذ منهم اثنا عشر دِرهَمًا (اختلف الفقهاء في مقدار الجزية، فبينما وافق الإمام أبو حنيفة النعمان رأي عمر بن الخطاب، لكنه جعلها مقدرة الأقل والأكثر ومنع اجتهاد الولاة فيها، في حين ذهب الإمام مالك بن أنس أن لا يقدر أقلها ولا أكثرها وهي موكلة إلى اجتهاد الولاة. أما الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ذهب أنها مقدرة الأقل بدينار ولا يجوز الأقل منه، وغير مقدرة الأكثر يرجع فيه إلى الولاة. أنظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، صفحة 144 (عن الفقهاء الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، مالك، الشافعي. أنظر: موضوع القضاء في الإسلام)؛ أبو يوسف، م.س.، صفحة 122). فان صولحوا، على مضاعفة الصدقة عليهم، ضوعفت: كما ضاعفها الخليفة عمر مع تنوخ، وبهراء، وبني تغلب في الشام؛ وإذا صولحوا، على ضيافة مَن مرَّ بهم من المسلمين، قُدرت عليهم ثلاثة أيام: كما صالح الخليفة عمر نصارى الشام، على ضيافة مَن مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون، ولا يكلفهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبييت دوابّهم من شعير، وجعل ذلك على أهل السواد (الريف والقرى) دون المدن. فرضت الجزية، مرة في السُّنَّة، على جميع الذكور الذميين القادرين على دفعها، وأعفي من دفعها: نساء الذميِّين، والصبيان، والشيوخ الطاعنين في السنِّ الذين لا يستطيعون العمل، والعميان، والمقعدين، والمجانين، ورجال الدين، إلا إذا كانوا أغنياء.

حثَّ الإسلام على الرفق، والإنصاف، في جباية الجزية من الذميين، وحماية أرواحهم، وأموالهم من عبث الجباة؛ فلا يُضرب أحد من أهل الذِّمَّة لحمله على الدفع؛ ولا يقاموا في الشمس، ولا غيرها؛ ولا يجعل عليهم في أبدانهم شيء من المَكاره؛ ولكن يرفَق بهم؛ ويحبسون في حالة عدم دفعهم الجزية؛ كما أنَّه باستطاعة الذِّميِّ الامتناع عن دفع الجزية، إذا لم تُوَفَّر له الحمايةُ. وقد روي أن الخليفة عمر بن الخطاب، مرَّ بطريق الشام، وهو راجع في مسيره من الشام الى المدينة المنوَّرة، على قوم قد أُقيموا في الشمس، يُصبُّوا على رؤوسهم الزيت؛ فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدّوها؛ فهم يُعذَّبون حتى يؤدّوها؛ فقال عمر: فما يقولون هم؟ وما يعتذرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون لا نجد، قال: فدعوهم، لا تكلفوهم ما لا يُطيقون، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (لا تعذِّبوا الناس فإنَّ الذين يُعذِّبون الناس في الدنيا يُعذِّبهم الله يوم القيامة. وأمر بهم فخُلِّي سبيلهم (أبو يوسف، م.س.، صفحة 125).


*112*

ب. 4: الفيء: هو كل ما وصل للمسلمين عفوًا من غير قتال. ويصرف بأن يُقسم إلى خمسة أخماس، يكون الخُمس الأَّوَّل مقسومًا إلى خمسة أسهم: فالسهم الأوَّل منها، لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يُنفِق منه على نفسه، وأزواجه، ويُصرف في مصلحة المسلمين، وقد أُسقِط بموته (صلوات الله عليه)؛ أمَّا الأسهم الأربعة الباقية، فلذي القُربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، عملًا بقوله تعالى: (مَّا أفاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلِلهِ ولِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِين وَابن السَّبيل) (سورة الحشر: آية 7)؛ أمَّا الأخماس الأربعة الباقية، فقُسِّمت في صدر الإسلام بين الجند، شراء الأسلحة، الى أنْ دوَّن عمر الدواوين، فعرفت مقادير أرزاق الجند، ومرتباتهم.

ب. 5: الغَنِيمة: غَنَمِ الشيء أي: فاز به وكسبه بالقتال. والغنيمة: كل ما كسبه المسلمون من عساكر الكفار من عَبَدَة الأوثان (أو النصارى واليهود إذا وقعت الحرب بينهم وبين المسلمين)، وتشمل: الأسرى من الرجال المقاتلين، والسبايا من النساء، والأولاد، والأموال المنقولة، وغير المنقولة (مثل: الأراضي) فالأسرى والسبايا كانوا يُفتَدون، أو بطلق سراحهم (حسب رغبة الخليفة) بمالٍ، أو يباعون وتوضع أثمانهم في بيت المال. وتباع الأموال المنقولة كذلك. أما طريقة توزيعها، فيقوم الخليفة عليها، بأن يُخْرج الخُمْس منها ويقسمه بين أصحاب الخمس على خمسة أسهم، عملًا بقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُمْ مِنْ شَيء لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَساكِين وأبن السَّبيل) (سورة الأنفال: آية 41). وإذا مَنَّ الخليفة على الأسرى بإطلاق سراحهم، بُطلت حقوق القائمين فيهم.

ب. 6: العُشور (المُكُوس): يرجع نظام العشور إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ إذ كان تجار المسلمين الذين يَفِيدُون إلى (دار الحرب) (قسَّم المسلمون البلاد من حيثُ علاقتها بالحرب القائمة معهم إلى ثلاثة أقسام: 1. (دار الإسلام)، هي: التي تُطبق فيها نظم الإسلام الدينية والسياسية، وتسمى أيضًا: (دار العدل). 2. (دار الحرب)، هي: التي لا تُطبق فيها نظم الإسلام، وهي في حالة حرب مع الدولة الإسلامية. 3. (دار العهد)، هي: التي عقد المسلمون مع أهلها صلحًا على خراج يؤدّونه عن أرضه، أنظر الصالح، النظم، صفحة 521 صفحة 522)، يدفعون العُشْر عن بضاعتهم، فأمر الخليفة عمر، بأن يأخذ المسلمون العُشْر من تجار غير المسلمين، الذين يفدون ببضاعتهم


*113*

من (دار الحرب) إلى (دار الإسلام)؛ وبأن تؤخذ من أهل الذِّمَّة نصف العُشر ومن المسلمين ربع العُشر، أو أن ينقصه إلى نصف العُشر، أو أن يرفع ذلك عنهم؛ إذ رأى في ذلك مصلحة للإسلام؛ ويؤخذ العُشر من التاجر مرَّة في العام، لا في كل مرة يدخل فيها (دار الإسلام)؛ وكانت هذه الضريبة لا تؤخذ من التاجر، إلا إذا انتقل من بلاده إلى بلاد أخرى، وهو ما يعرف في عصرنا بالضرائب الجمركية.

وهناك موارد أخرى من الأموال: أ. لا يُعْلَم لها مُستَحِقٌّ، كاللُّقطة (أي: مال متروك لا صاحب له)، ب. مَن يموت وليس له وارث، ت. أموالٌ صالح عليها المسلمون أعداءهم (أي: مقابل تأديتها للمسلمين، يكون الصلح معهم).

ت: مصروفات (بيت مال المسلمين): لقد نصَّ القرآن الكريم على أوجه صرف بعض موارد بيت المال، كالزَّكاة، والفيء، والغنيمة، كما بينا سابقًا، أمَّا بقية موارد بيت المال، فكانت تنفق على الأوجه التالية:

1. أرزاق القضاة والولاة والعُمَّال وصاحب (بيت مال المسلمين)، وغيرهم من الموظفين.

2. أرزاق الجند، ويُراد بها رواتبهم، التي يقبضونها في أوقات معينة من كلِّ عام.

3. كَرْي (أي: حَفِر) الأنهار، وإصلاح مجاريها، وكان يصرف من (بيت مال المسلمين) على كري الترع الكبيرة، والمجاري التي تأخذ ماءها من ألأنهار: كدجلة والفرات؛ لتوصل الماء إلى الأراضي البعيدة.

4. حفر التُرَع للزراعة، وغيرها.

5. النفقة على المسجونين، والأسرى من: معاش، ومشرب، وملبس، ودفن الموتى منهم.

6. المعدَّات الحربيَّة.

7. العطايا، والمنح للأدباء، والعلماء، والشعراء.

لا شك أن (بيت مال المسلمين) قد لعب دورًا هامًا في حياة الدولة الإسلاميَّة، وخير دليل على ذلك، المصروفات التي كان يقوم بها؛ لاسيما تلك التي نصَّ عليها الشرع الإسلامي؛


*114*

ففريضة الزَّكاة، سعت إلى التكافل الاجتماعي، في حياة المجتمع الإسلامي؛ إذ فرضت على المسلم القادر ماليًا، لمساعدة الفقراء المساكين، كما أوضِّحنا ذلك.

ـ أسئلة:

1. ماذا نعني ببيت مال المسلمين؟ وضِّح مشيرًا إلى كيفية نشوئه في الدولة الإسلاميَّة.

2. عدّد موارد (بيت مال المسلمين)، مشيرا إلى أثر الشريعة الإسلاميَّة فيها.

3. كيف عكست فريضة الزَّكاة، المساواة الاجتماعيَّة التي دعا اليها الشرع الإسلامي؟

4. اشرح الأوجه التي تُصرف فيها أموال (بيت مال المسلمين). ما رأيك في ذلك؟ وضِّح

دينار ذهبي من فترة الخليفة عبد الملك بن مروان (خلف 86-96ه /705-715م)

يوجد صورة، شرح بمساعدة المعلمة

لا اله إلا الله وحده / فلس واف / لله الملك / محمد رسول الله (ضُرب في الرملة) (عن كتابة، محمد هاشم موسى غوشة، فتح بيت المقدس (القدس، ب.ت)

يوجد صورة، شرح بمساعدة المعلمة


*115*

الباب الثالث: نِظَامُ المُجْتَمَع


*115*

من خُطبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حَجَّة الوَدَاع:

(أيُّها النَّاسُ، إنَّ رَبَّكم وَاحِدٌ، وإنَّ أبَاكُم وَاحِدٌ، كُلِّكُم لآدَمَ، وَآدمُ مِن تُرابٍ؛ أكْرَمكُم عِنْدَ آلله أتقاكُم، لَيْسَ لِعَرَبيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ فضلٌ إلَّا بالتَّقْوَى) (المرجع: الجاحظ، م.س.، ج 2، ص 229).


*116*

إبريق من البرونز يظن أنه يعود للخليفة الأموي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميَّة

يوجد صورة، شرح بمساعدة المعلمة


*117*

الفصل الخامس: مراحل تبلور المجتمع الإسلامي، وتطوره


*117*

امتدَّت حدود الدولة الإسلاميَّة من المحيط الهندي شرقًا، إلى المحيط الأطلسي غربًا. وحَوَت قوميِّات وأديانًا متعدِّدة؛ وإنَّ اعتناق غالبيَّتها العظمى الإسلام، ثم انتشار اللغة العربيَّة بينها، قد أدَّى إلى تقريبها من بعضها. ويمكن تقسيم العناصر التي تشَكَّل منها المجتمع الإسلامي إلى:

أ. العرب المسلمون: ومنهم الطبقة الحاكمة في الدولة بحكم كونهم فاتحين، (فالعرب هم مَعْدِن الإسلام)؛ إذ استقرُّوا في البلاد المفتوحة، وبنوا لهم مدنًا، مثل: البصرة، والكوفة، والفُسْطاط، والقَيْرَوان (في تونس). ثم استمر بناء المدن الإسلاميَّة، بعد استقرارهم في البلاد المفتوحة. واعتمد الخلفاء الراشدون عليهم، في إدارة شؤون الدولة. كما أنهم استفادوا من الخبرة الإداريَّة للشعوب التي فتحوا بلادها، فأبقوهم على مؤسساتهم الإداريَّة إلى حين.

اختلط العرب بسكان هذه البلاد المفتوحة، وتزوجوا منهم؛ فنشأت طبقة جديدة عُرِفَت باسم (الأبناء)، وقد اطلع العرب على التراث الحضاريِّ للمكان الأصليِّين، في البلاد المفتوحة، فتعلموا منهم واقتبسوا عنهم، مثل: فنّ البناء، والإدارة، والزراعة، وأساليب القتال، وتنظيم الجيش وغيرها. وأدَّى هذا اللقاء الحضاري، بين العرب الفاتحين وشعوب البلاد الأصليِّين، إلى تفاعل حضاري برز في بلورة (حضارة عربيَّة إسلاميَّة)، وهناك مِن المؤرخين مَن يُفضل أن يسمّيَها: الحضارة الإسلاميَّة، أو (الحضارة العربيَّة)، أو حتى (حضارة دار الإسلام)، على أساس أنَّ المشاركة في تشكيلها، جاءت من المسلمين عربًا، وغير عرب (عُرف المسلمون من غير العرب بالموالي، ثم مِن غير المسلمين عربًا، أو غير عرب (من أهل الذِّمَّة)، من رعيَّة الدولة الإسلاميَّة، لا سيَّما النصارى منهم، حيث لعِبوا دورًا بارزًا في تشكيل الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة (أنظر موضوع أهل الذمة في بند ت.2.3).


*118*

(جدول مكون من ثلاثة أعمدة:)

حضارة العرب، والمسلمين قبيل الفتوحات الإسلاميَّة،  الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة،  حضارة شعوب البلاد المفتوحة

اللغة العربيَّة، الشعر، الأمثال، أيَّام العرب، تقاليد وعادات عربيَّة مختلفة، الدين الإسلامي، وغيرها،  يوجد سهم موجه الى الجهة اليمنى وسهم موجه الى الجهة اليسرى،  فنون إدارة، ضرائب، بريد، عِملة، فنون العُمْران، صناعة، زراعة، تنظيم الجيش وتسليحه، أساليب قتاليَّة، الزِّيّ، فنون جميلة، وغيرها.

سار الخلفاء الأمويون، على نهج الخلفاء الراشدين، بميلهم إلى العنصر العربي، وتفضيلهم له في أمور الدولة؛ فقد سار الخلفاء الراشدون في تعيين العرب في مناصب الدولة وقيادة الجيش، إذ لم يثقوا بإخلاص العناصر غير العربيَّة، ممن دخلوا في الإسلام (أي: الموالي)، بعد أن فتح المسلمون العرب بلادهم. فعلى الرغم من مساعدة الموالي للأمويِّين في فتوحاتهم، في شرق وغرب الدولة، لم يحصلوا على المساواة الاجتماعيَّة، أُسوة بالمسلمين العرب. هذه المساواة التي أمِلّوها، من دخولهم في الإسلام، على أساس قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ليس لعَرَبي على عَجَمِي فَضْلٌ إلا بالتَّقوى) (أي: بمدى ورعه ومخافته لله). ولهذا انضمَّ الموالي إلى صفوف المعارضة لحكم الأمويِّين، ثم إلى الثورة العباسيَّة التي أطاحت بهم أخيرًا سنة 656ه /750م (أنظر الشرح عن الموالي في السطور القادمة).

أمَّا المجتمع العربي الإسلامي، على عهد الدولة الأمويَّة (حكمت من 41-132ه /661-750م)، فقد انقسم إلى حزبين: (حزب القيسيَّة)، وحزب اليمنيَّة، ومع أن التسمية تذكرنا بالعصبية القبلية بين (قيس) ويَمَن في الجاهليَّة، إلا أنها في العهد الأموي نتجت عن خلافات اقتصاديَّة - اجتماعيَّة، وسياسيَّة. وكان غالبية خلفاء بني أميَّة يقفون تارة مع (حزب القيسيَّة)، وتارة أخرى مع (حزب اليمنيَّة)، بناء على مدى دعم هذا (الحزب)، أو ذاك لسياسة الخليفة الأموي؛ مما ساعد على توسيع شقة الخلاف بين (الحزبين) بدل تقريبه؛ فأدَّى هذا إلى عجز هاتين المجموعتين عن الإتحاد، للتصدِّي لأنصار الثورة العباسيَّة؛ فكان لذلك أكبر الأثر في إضعاف دولة الأمويِّين داخليا، وكان أحد أسباب سقوطها.


*119*

إن سلطان العرب لم يّزُلْ بزوال الدولة الأمويَّة؛ لأن العرب أنفسهم كانوا القوة الفعَّالة في الثورة العباسيَّة، التي انطلقت من القبائل العربيَّة، التي سكنت خُرَاسان؛ فهم الذين عنوا، عندما أشير إليهم بأهل خُرَاسان؛ على عكس الفكرة التي تقول: بأن الثورة العباسيَّة قامت على أكتاف الفرس، معتقدين خطأ بأنَّ مصطلح (أهل خُرَاسان) يعني: الفرس ومهما يكن، فإن هذه الثورة قد أدَّت إلى التمهيد لسقوط الخلافة الأمويَّة. وتقلَّد العرب مناصب في العهد العباسي الجديد، كما وأشركوا مسلمين غير عرب (أي: الموالي)، في المناصب الحكوميَّة الرفيعة، كعائلة البرامكة مثلا. فكان منهم الولاة، والعُمَّال، وقواد الجيش، وأمراء الجهاد والحجّ، ومنهم صحابة الخليفة وأغلب مستشاريه، ومنهم القضاة وبقيت القبائل العربيَّة ذات أثر كبير في السياسة، والجيش، والمجتمع. وظلت اللغة العربيَّة هي لغة السياسة، والثقافة، والأدب، والإدارة. لكن هذا الأمر لم يمنع، خلفاء العباسيِّين من اتخاذ زوجات لهم من الشعوب الأخرى، غير العربيَّة. فلم يكن من خلفاء هذه الدولة، وعددهم سبعة وثلاثون خليفة، من ابناء الحرائر (العربيَّات) سوى ثلاثة: السفاح، والمهدي، والأمين. ولمَّا كان الناس على دين ملوكهم؛ فإن بعض العرب العاديين أيضًا، قد اتخذوا لهم نساء من الشعوب غير العربيَّة. وحدث التّسرّي (أي: التزوج بالسرِّيَّة - والجمع سراري - وهي الجارية التي تقام في البيت) بين بعض فئات المجتمع العربي؛ ففقد العنصر العربي مكانته العالية؛ وحل محله عنصر جديد من ابناء الأعاجم، وأنصاف العرب (أي الهجناء) ((هُجَنَاء) جمع (هَجِين) وهو مَن كان أبوه عربيًا وأمه غير عربيّة، أمَّا من كان أبوه غير عربي (أعجميّ) وأمُّه عربيَّة، فيسمى (مُذَرَّع). انظر ابن منظور، م.س.، ج 13، صفحة 431، ج 8، صفحة 93)، وأبناء المُعْتَقات (أي: المحرَّرات) وما لبثت (الأرستوقراطيَّة العربيَّة) أن تراجع أمرُها؛ فظهرت طبقة جديدة من الموظفين، من مختلف الجنسيَّات، كانت أكثريتها أولًا من الفرس، ثم أصبحت بعدئذٍ من الترك. وكان الخليفة المعتصم بالله (خلف 218-227ه /833-842م) - كما رأينا - قد استكثر من إدخال الترك المسلمين في الجيش؛ ومنحهم مناصب عالية في الدولة؛ وقلّدهم ولاية الأقاليم البعيدة عن مركز الخلافة؛ ثم أقام لهم ديوانا خاصًا سميَّ: (ديوان الموالي والغِلمان)؛ وقد بلغ به الأمر حتى إلى إقصاء العنصر العربيّ، عن القيادة في الجيش؛ بأن أسقط أسماء العرب من ديوان العطاء؛ وأحلَّ محلهم الترك؛ وهكذا فقد العنصر العربيّ


*120*

سيادته السياسيَّة في الدولة العباسيَّة، لصالح الموالي، من قادة: أتراك، وبويهيّين، وسلاجقة. ويعزو ابن خلدون هذا التحوُّل، إلى فقدان العرب للعصبيَّة (أي: السيادة)، يقول: (كان الاستظهار (أي: غلبتهم) فيها (في أول الدولة العبّاسية) برجالات العرب، فلما صارت الدولة للإنفراد بالمجد، وكَبح العرب عن التطاول للولايات، صارت الوزارة للعجم، والصنائع من البرامكة، وسهل بن نوبخت، وبني طاهر، ثم بني بويه، وموالي الترك وغير هؤلاء من موالي العجم)، ثم: (إن عصبيَّة العرب كانت قد فَسُندت لعهدِي دولة المعتصم بالله، وابنه الواثق واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم، والترك، والديْلم، والسلجوقيَّة، وغيرهم. ثم تغلَّب العجم الأولياء على النواحي وتقلص ظلّ الدولة) (انظر كتابة المقدمة، صفحة 155، 183-184).

ب. الموالي: جمع مولى، ولغةً، تعني: الرَّبّ والمالك، ابن العمّ، والعصبة كلها، وتطلق على الناصر، والحليف، والصاحب، والجار، والشريك، وعلى السيِّد، والعبد المُعتق (أي: المحرر)؛ أمَّا شرعًا، فتعني: مَوْلى العِتَاقة (أي: التحرير) ومولى المُوَالاة (أي: الولاء للقبيلة، مثلا، ويعني التحالف، كما هي الحال في الجاهليَّة). ثم أصبحت كلمة (موالي) بعد الفتوحات الإسلاميَّة تعني: المسلمون من غير العرب، وكانوا في الأصل أسرى حرب وأصبحوا في منزلة الرّقيق، ثم اسلموا فأُعْتِقوا وأصبحوا مواليَ، فقد اقترن إسلامهم بدخولهم في خِدمة العرب، وتحالفهم معهم، كي يعتزوا بنصرتهم وقوتهم، فكأنهم أصبحوا، في الوقت نفسه، موالي حِلف ومُوَالاة، وقد أطلق العرب عليهم تسميات، مثل: حمراء (هم الأعاجم لبياضهم؛ لأن الشقرة أغلب الألوان عليهم)، وأعاجم (غير عرب، وغالبا ما يقصد بها الفرس)، وعُلُوج (راجع الهامش صفحة 53). وكان معظم الموالي في الدولة الإسلاميَّة من الفرس، فإذا قالوا: (موالي) أرادوا: (المسلمين من الفرس).

كان الموالي في صدر الإسلام يتولون كثيرًا من مصالح الدولة، وحصلوا على رواتب سَنِيَّة، كما كان لهم حظْ من العَطَاء. كما وكان الصحابة قد استكثروا من الموالي يستخدمونهم في بيوتهم وفي أعمالهم، فإذا كان الصحابي تاجرًا فمواليه وأعوانه في التجارة، وإذا كان


*121*

عالمًا كانت مواليه تلاميذه وأعوانه في العلم. ومتى كان عندهم حُسْن استعداد، نبغوا فيه بحكم مخالطتهم لسادتهم في السرِّ والعَلن، وملازمتهم لهم في الإقامة والسفر، والدليل على ذلك هو نافع، مولى عبدالله بن عمر، فقد أخذ عنه أكثر علمه (أحمد امين، فجر الإسلام (بيروت، 1969)، صفحة 191)؛ لكنهم، مع ذلك، كانوا محرومين، في البداية، من المناصب الرفيعة التي تحتاج إلى شرف وعصبيَّة، كالقضاء.

وقد تكاثر عدد الموالي بتكاثر الفتوحات، وقد عملوا، صنَّاعًا، وتجَّارًا، ومزارعين، وقامت على أكتافهم النهضة الزراعيَّة، والصناعيَّة، والتجاريَّة؛ كما وقف الموالي من وراء العرب في حروبهم المختلفة زمن الأمويِّين؛ وقاموا بنصيب كبير في الفتوحات الإسلاميَّة، خاصّة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك.

كان للموالي، في الدولة الأمويَّة، نصيب العرب في الوظائف العامّة، وعلى الأخص فيما يتعلق بالإدارة المالية وإدارة الدواوين؛ وكان معاوية أول من استخدمهم في الشؤون الماليَّة، والإداريَّة، ولاسيما في فارس؛ وشجع الولاة العرب المسلمين بالاعتماد على أولئك الموالي في تنظيم إدارتهم. فكانت رئاسة الشؤون الماليَّة في العراق، على عهد واليها زياد بن أبيه، بيد فارسي اسمه، زَادَان فَرُوخ، وهي وظيفة تعتبر من أهم وأخطر المناصب في الجهاز الإداري للدولة الإسلاميَّة. كما عيّن الحجاج بن يوسف، حين ولي العراق لعبد الملك بن مروان، أحد الموالي، وهو سعيد بن جُبير، على عطاء الجند، كما وعين قاضيًا على الكوفة، وتولى كثير غيره القضاء في العصر الأموي، من أشهرهم العالم، الفقيه والزاهد، الحسن البصري (ت. 110ه /728م) الذي تولى قضاء البصرة. وكان معظم رؤساء دواوين مختلفة، في العصر الأموي، من الموالي، كما وكان منهم ولاة، مثل: طارق بن زياد، من قادة فتح الأندلس. هذا وكانت عملية استخدام الموالي في الإدارة، منذ زمن الأمويِّين، قد بلغت شوطًا كبيرًا؛ فحاول الخلفاء العباسيون الأوائل، أن يوقفوها عند حدِّها، فنجحوا في ذلك إلى حدٍّ.

ومع ذلك، فَقَد حُرِم الموالي من العدالة الاجتماعيَّة في الدولة الأمويَّة؛ إذ لم يُدرجوا في ديوان الجُند الذي كان يُحدِّد العطاء للمقاتلة، طبقًا للقواعد التي حدَّدها الخليفة عمر بن الخطاب؛ فأصبح المقاتلون من الموالي يَغْزون مع المقاتلين العرب، ولكن لا ينالون عطاءً؛


*122*

أو يأخذون عطاءً أقل مما كان يأخذه المقاتل من العرب؛ كما استَخْدموهم في الحروب، مشاة ومتطوعة على الأغلب. وقد بلغ بهم الأمر أن فرض بعض الولاة، كالحجاج بن يوسف، الجزية على الموالي، رغم كونهم مسلمين غير مطالبين بها؛ أما الخليفة عمر بن عبد العزيز، فقد أعفاهم منها؛ فتلك النماذج هي ضروبٌ من عدم العدالة الاجتماعيَّة، هذه العدالة التي نادى بها الإسلام أساسًا للمجتمع الإسلاميّ، كما تنصّ الآية الكريمة (يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ) (سورة الحُجُرات: آية 13)، وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حجّة الوداع: (أكْرَمُكُم عِنْدَ الله أتقَاكُم، وَلَيسَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إلَّا بالتَقْوَى). ومع ذلك، فما لجأ إليه أولئك الولاة، من سياسة تجاه الموالي، إنما تعبِّر عن سياسة فردية، لا سياسة دائمة للدولة الأمويَّة الرسميَّة؛ ويعزو بعض المؤرخين المُحدَثين ذلك، إلى الأزمة الماليَّة، ولظروف سياسيَّة صعبة، حدثت في أواسط العصر الأمويِّ (انظر عبد العزيز الدوري، الجذور التاريخيَّة للشعوبيَّة (بيروت، ب.ت)، صفحة 1)؛ كما أنه لم تكن السياسة الضرائبيَّة الأمويَّة تجاه الموالي، مقصودة لاستنزافهم دون العرب.

هذا ولم يكن فِقدان العدالة الاجتماعيَّة، الدافع الوحيد على سُخْط ونقمة الموالي، ولاسيَّما الفرس، على حكم بني أميَّة؛ بل صاحبته نزعة قوميَّة؛ ظهرت لدى الموالي الفرس بأشكال دينية؛ أحيت الأفكار والعقائد الفارسيَّة القديمة؛ وألبستها أحيانًا الثوب الإسلاميّ. ولهذا كلّه قاوم الموالي حكم الأمويِّين وجاء ذلك بالطرق، التالية:

1. إرسال الوفود إلى الخلفاء الأمويِّين: حيث قابلت الخلفاء، وشَكَت من التفرقة الاجتماعيَّة، مركزة أقوالها على التباين بينهم وبين العرب في العطاء.

2. مقاومة العصبيَّة العربيَّة: وذلك بعصبيَّة أخرى عرفت بالشعوبيَّة: وهي نضال اجتماعي، وفكري، دافع به الموالي وغالبيتهم من الفرس عن أنفسهم، وظهرت بينهم نزعتان: الأولى؛ تذهب إلى أن العرب ليسوا أفضل من غيرهم من الأمم؛ ولا أيِّ أمَّة أفضل من غيرها من الأمم؛ وساروا على أساس: (لا فضلَ لعربيٍّ على عَجَمِيٍّ إلا بالتَّقْوَى).


*123*

وعرف أصحاب هذه النزعة بأهل التسوية، أي: الذين يسوُّون بين الأُمَم. أمَّا النزعة الثانية، فكانت متطرفة؛ إذ تميل إلى الحطِّ من شأن العرب، وتفضيل غيرهم من حضارة الشعوب القديمة، كالرومان، واليونان، والفرس، وغيرهم. وقد وضع أصحاب هذه النزعة كتبا، تهدف إلى إبراز مثالب العرب (أي: مساوئ)، إزاء مناقب العجم (أي: محاسن)؛ وعلى سبيل المثال، لا الحصر: أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّي، وهو من أشهر العلماء في النحو والأخبار، وكان أصله من يهود فارس، ألَّف كتبًا تعرَّض فيها للعرب: منها كتاب (لصوص العرب)، وكتاب (أدعياء العرب)، وآخر في (فضائل الفرس). والهَيْثَم بن عَدِيّ، وهو من أشهر العلماء بالأخبار والرواية كَتَبَ عدة كُتب في مثالب العرب: (المثالب الصغير)، (وأسماء بغايا قريش في الجاهليَّة، وأسماء مَن وَلَدْنَ).

3. اللجوء إلى السيف والثورة: إذ انضم الموالي إلى كلِّ حركة قامت ضد حكم الأمويِّين، ولاسيَّما العلويَّة، فكان معظم جيش المختار بن عبيد الثقفي، الذي رفع شعار: (يا لثارات الحسين) (وهو الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتل في موقعة كَرْبَلاء في العاشر من شهر مُحَرَّم سنة 61 للهجرة / 11 تشرين أوَّل 680م)، يدعو فيه إلى الأخذ بثأر الحسين من الأمويِّين؛ وكان المختار أوَّل من جنّد الموالي وفاز بهم؛ فجرَّأهم ذلك على الدولة؛ واستخفوا بها ونصروا أعداءها؛ وأصبح الخلفاء العقلاء يسترضونهم بالعطاء ونحوه؛ وكان في النهاية أن انضمّوا إلى لواء الثورة العباسيَّة.

ارتفع شأن الموالي ومركزهم في الدولة العباسيَّة، فقد أصبحوا بطانة الخليفة ورجال دولته؛ لأنهم شاركوا فعليًّا في الثورة العباسيَّة التي قضت على الدولة الأمويَّة، ولبراعتهم في الشؤون الإداريَّة؛ إذ نظموا الحكومة ودواوينها، وصار منهم الوزراء، والقواد، والعمال، والكتاب، والحُجَّاب؛ ولاستكثار الخلفاء العباسيِّين من شرائهم، لاسيَّما المعتصم بالله الذي أقام لهم ديوانًا خاصًّا أسماه (ديوان الموالي والغِلمان) (كما أشرنا إلى ذلك مِن قبل)؛ فاستطاعَ الموالي من لأتراك، الاستيلاء على السلطة السياسيَّة، في دولة العباسيِّين؛ وتبعهم الموالي من البويهيِّين الدَّيلم والسلاجقة (راجع موضوع الخلافة).


*124*

كان البرامكة من أبرز أُسَر الموالي في الدولة العباسيَّة، فقد طغى نفوذهم على هذه الدولة، لاسيَّما زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد (خلف 170-193ه /786-809م). هذه الأسرة تنسب إلى جدِّها برمك، الذي كان حارسًا في أحد معابد المجوس قرب بلخ (في فارس)؛ ثم أسلم ابنه خالد؛ فدعم هو وأولاده الثورة العباسيَّة؛ فأصبحت له دالّة على أسرة الخليفة المهدي؛ إذ أرضعت زوجة يحيى هارون الرشيد؛ فكان هذا الأخير يناديه يا أبَتِ؛ وعندما تولّى الخلافة، اتَّخذ يحيى بن خالد وزير تفويض له؛ وقلده أمر الرعيّة؛ ومنحه خاتم الخلافة؛ فصارَ بيده الحل والربط؛ وبذلك أصبح يحيى كل شيء في خلافة الرشيد. استعان يحيى بأولاده الثلاثة: الفضل، وجعفر، وموسى؛ فكان يوليهم على أكبر الولايات، بما فيها ولاية مصر، دون الرجوع إلى الخليفة في اتخاذ القرار، (لكنه كان يطلعه على قراره هذا عملا بشروط وزارة التفويض)؛ فسيطروا على الخلافة من أقصى المشرق حتى أقصى المغرب؛ فصارت الدولة عباسيّة اسمًا، وبرمكيِّة فعلًا (راجع موضوع الوزارة).

تنبّه الخليفة هارون الرشيد إلى تعاظم نفوذ البرامكة في دولته؛ لذا قتل جعفرَ؛ ثم نكب البرامكة؛ فقضى على سلطانهم؛ وصادر أموالهم وهذا، ما يعرف في تاريخ الإسلام بنكبة البرامكة؛ أمَّا الأسباب التي دفعته إلى ذلك، فمنها:

1. ماليَّة إداريَّة: تسلَّط البرامكة على أموال بيت المال؛ وصرفوا منها حسب رغباتهم؛ (حتى كان الرشيد يطلب الشيء اليسير من المال، فلا يصل إليه؛ فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه؛ ولم يكن له معهم تصرف في أمور مُلكه) (ابو الحسن المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 3 (بيروت، ب.ت)، صفحة 277)؛ فكانوا يصرفون له من الأموال لنفقاته، وما يحتاج اليه عياله؛ بينما امتلكوا هم الضياع؛ وشيَّدوا القصور الفخمة؛ وأسرفوا في العطاء والهبات؛ حتى أصبحت كلمة برمكي مرادفة لكلمة كريم؛ فانصرفت الوجوه عن الرشيد؛ حتى صار يقصد أصحاب الحاجات أبواب البرامكة لتلبية حاجاتهم، فعبّر الرشيد عن استيائه من ذلك فقال: (استبّد يحيى بن خالد البرمكي بالأمور دوني؛ وأمضاها على غير


*125*

رأيي؛ وعمل بما أحبّهُ دون محبتي) (انظر عبد العزيز الدوري، العصر العباسي الأول: دراسة في التاريخ السياسي والإداري والمالي (بيروت، 1988)، صفحة 121-136)؛ إذ أخذ يحيي يختار بنفسه معاونيه في الإدارة؛ ويهيمن على كتاب الدواوين؛ ويراقب أعمالهم؛ أمَّا ولاة الأقاليم، فقد كان يعينهم بعد أن يكتفي ظاهريًا بإتباع رأي الخليفة؛ أمَّا جعفر بن يحيي، فقد أشركه الخليفة الرشيد في النظر في المظالم، وإدارة البريد، ودور الضرب (أي: صَكَّ، أو سَكَّ العِملة) والطِّراز؛ ولعل منحه الإشراف على دور الضرب، وبتخويل مِن الرشيد، حدث لأوَّل مرة في تاريخ العباسيِّين، لأن هذه من واجبات الخليفة الرئيسية (كما أوضحنا ذلك في حديثنا عن الوزارة، راجع ذلك).

2. ميول مذهبيَّة: شعر الرشيد أن البرامكة قد أصبحوا يشكلون خطرًا على حكم العباسيِّين، لتعاطفهم مع العلويين (الشيعة)؛ فكان جعفر يمنح الفرس (وهم علويّون)، مناشير الأمان، ويُسمح لهم، في حضرته، بمناقشة مسائل أحقيتهم في الإمامة (أي: الخلافة)، وبأنها يجب أن تكون بالنّص والتعيين؛ وهي نظرية الشيعة في الخلافة. وفي حادثة أخرى أطلق جعفر سراح الثائر يحيى بن عبدالله (وهو من العلويين) بعد أن تاب إلى الرشيد؛ فأمر جعفر بسجنه؛ لكنه أطلق سراحه دون علم الرشيد؛ فغضب الرشيد لذلك، وقال: (قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة أن لم أقتلك) (أي: جعفر).

3. عِرْقيَّة (فارسيّة): أظهر البرامكة ميولًا فارسيَّة، وهم مجوس حاولوا إبعاد العنصر العربي عن المناصب الهامَّة؛ واتهمهم البعض بأنهم كانوا وراء تعديل هارون الرشيد لوصيَّته بالخلافة، لابنه الأمين من زوجته العربيَّة زُبيْدة، وذلك بأن جعلوه يكتب فيها، بأن تنقل الخلافة بعد الأمين إلى أخيه المأمون، وهو من زوجة الرشيد الفارسيَّة الأصل وتدعى مَرَاجل، وأن يعينه على المناطق الشرقيَّة من الدولة العباسيَّة، أي المناطق التي يسيطر عليها الفرس؛ لذلك كرهت زُبيْدة البرامكة؛ وأخذت تسعى، بالمشاركة مع العناصر العربيَّة في بلاط الرشيد، كالحاجب الفضل بن ربيع، لدى الرشيد بالقضاء على البرامكة؛ وكانت زبيدة أقوى النساء العباسيَّات؛ فأدى هذا التنافس إلى تكوين حزبين: أحدهما (الحزب الفارسي)


*126*

بدعم البرامكة، والثاني (الحزب العربي) بدعم زبيدة والوزير الفضل بن ربيع؛ وأخذ (الحزب العربي) يحرّض الرشيد ضد البرامكة عن طريق اتهامهم بالزندقة (أي: عبادة إلهين: الخير والشر)، أو بدسّ أحد المغنين من الشعراء الذي أسمع الرشيد الأبيات، التالية:

ليت هندًا أنجزتنا ما تَعِد وشفَت أنفسنا ممَّا تَجد

واستبدّت مرَّةً واحدةً إنَّما العاجزُ مَنْ لا يستبد

وهكذا فإن سقوط البرامكة لم يكن وليد انفعال مفاجئ من قبل الخليفة الرشيد، بل كان تدبيرًا مخططًا له، ولَّدته أحداث تراكمت بعضها ولعل أبرزها: نفوذهم الكبير في البلاد، والإدارة، والمجتمع (فاروق عمر فوزي، الخلافة العباسيَّة: عصر القوة والازدهار (عمان، 1998)، صفحة 199)؛ لذلك أمر هارون الرشيد عام 187ه /803م بالقبض عليهم؛ فصادر أملاكهم؛ وضياعهم؛ وأمر بقتل جعفر؛ وعلق جثته على جسور بغداد؛ أمَّا يحيى والفضل فقد أمر بحبسهما. واشتهرت هذه الحادثة، وعرفت في التاريخ الإسلامي بنكبة البرامكة (نسب بعض المؤرخين كالطبري، سبب نكبة البرامكة الى قصة العباسة اخت الرشيد، بأنها ولدت من جعفر البرمكي ولدين، دون علم الرشيد، وكان الرشيد قد اخذ على جعفر المواثيق بألا يقرب العباسية، ولذلك نَكَب البرامكة. انظر كتاب التاريخ الأمم، ج 9، صفحة 142 - صفحة 143. لكن البحث الحديث رفض هذه القصة فقال عبد العزيز الدوري: ولكنني لا اشك في انها موضوعة. انظر كتابة العصر العباسي الأول، صفحة 166، وقال عبد المنعم ماجد: هذه قصة على ما يبدو، لا اساس لها من الصحة لكثرة متناقضاتها من داخلها انظر كتابة، العصر العباسي الاول، ج 1، صفحة 199).


*127*

ت. أهل الذِّمَّة

ت. 1. في تعريف أهل لذِّمَّة؛ الذِّمَّة، لغة: العهد، والكفالة، والضمان، والأمان. يقال: في ذمَّته كذا، أي في ضمانه، وأنت في ذمَّة الله أي في كنفه، وجواره، وأمانه. أما اصطلاحًا، فقد أطلقها الفقهاء على أصحاب العهد والأمان، وعلى أهل الجزية، الذين يحصلون على العهد والأمان. فأهل الذِّمَّة، هم من رعيَّة دار الإسلام من غير المسلمين، الذين اختاروا تأدية الجزية للدولة الإسلاميَّة مقابل البقاء على دينهم والكف عنهم، والحماية لأرواحهم، ومالهم، وأعْرَاضهم (جمع عِرْض أي: شرف) أي: هم في ذمَّة (أي: في حماية) الدولة الإسلاميَّة. وقد عرَّفهم أبو الحسن المارودي، قال: (هم اليهود والنصارى وكتابهم: التوراة والإنجيل، ويجري المَجُوس (المجوس، هم: ممن يعظمون الانوار والنيران ويدَّعون نبوة زَرادُشت. وهم فرق شتى، منهم: المزدكيَّة أتباع مَزْدَك والخُرَّميَّة، أتباع بابك الخُرَّمي. ويقول ادم متز، في أثناء القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد، اعتُرف للمجوس بانهم من اهل الكتاب فهم: اهل الذِّمَّة إلى جانب اليهود والنصارى، انظر كتابه، الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري، (القاهرة، 1940) ج 1، صفحة 78) مجراهم في أخذ الجزية منهم وإن حرِّم أكل ذبائحهم ونكاح (أي: زواج) نسائهم. وتؤخذ من الصابئين والسامرة، إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم، وإن خالفوهم في فروعه، ولا تؤخذ منهم، إذا خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم) (انظر كتابه الاحكام السلطانية، م.س.، صفحة 143-144: انظر أيضا أبو يوسف، م.س.، صفحة 122).

ت. 2. واجبات أهل الذِّمَّة، وحقوقهم:

كان على أهل الذِّمَّة تأدية الجزية: وهي مقدار من المال، يؤخذ من الرجال القادرين منهم، بحيث لو كانوا مسلمين لوجبت عليهم فريضة الجهاد؛ وقد حدّدها الخليفة عمر بن الخطاب على ثلاثة أصناف: جزية على الأغنياء ويؤخذ منهم ثمانية وأربعون دِرْهِمًا؛ وجزية على أوساط الحال ويؤخذ منهم أربعة وعشرون درهمًا؛ وجزية على فقراء يؤخذ منهم اثنا عشر دِرْهِمًا (كما بينا في الفصل الرابع ويُعفى من الجزية: النساء، والصبيان من أهل الذِّمَّة، والمسكين الذي يُتصدَّق عليه، والأعمى الذي لا حِرْفة له ولا عَمَل، والمُقعَد، أو الزَمِن (أي: المصاب بعاهة جسمانية)، إلا إذا كانا على يسارٍ، كما ويُعفى منها؛ رهبان


*128*

الأديرة والصوامع إلا إذا كانوا على غِنى ويسار. هنا وكان يُشترط عليهم، عند عَقْد الجزية، شرطان: أحدُهُما: مُستَحقٌّ والآخر مُستَحبٌّ (انظر الماوردي، الأحكام السلطانيَّة، صفحة 145).

أ. المستَحقّ، وهي شروط مُلزمة لكل ذميٍّ، وعلى ستة أمور، هي:

1. أنْ لا يذكروا كتاب الله (أي: القرآن الكريم) بطعنٍ فيه (أي: ذمّ)، ولا تحريفٍ له.

2. أنْ لا يذكروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتكذيبٍ له، ولا ازدراءٍ (أي: احتقار).

3. أنْ لا يذكروا دين الإسلام بذمٍّ له، ولا قدحٍ فيه (أي: ذمّ).

4. أنْ لا يصيبوا مسلمةً بزنا، ولا بنكاحٍ (أي: زواج).

5. أنْ لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يتعرضوا لماله، ولا دينه.

6. أنْ لا يُعينوا أهل الحرب، ولا يودّوا أغنياءهم.

ب. المُسْتَحَبَّة، وهي شروط يُستَحبّ أن يتقيد بها أهل الذمة، وهي:

1. تغيير هيئاتهم، بلبس الغيار (ثوب مرقَّع) وشدّ الزنار.

2. أنْ لا يعلوا على المسلمين في الأبنية، ويكونوا إن لم ينقصوا، مساوين لهم

3. أنْ لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم (أي: أجراسهم)، ولا تِلاوة كتبهم (السماويّة)

4. أنْ لا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم.

5. أنْ يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم، ولا نياحة

6. أنْ يُمنعوا من ركوب الخيل؛ عِتاقًا، وهِجانًا (أي: أحسن الخيول)، ولا يمنعوا من البغال والحمير.

أمَّا حقوق أهل الذِّمَّة، فكانت: ممارسة معتقداتهم، والكفُّ عنهم، والحماية لهم، ولأهل العهد، والأمَان على نفوسهم، وأموالهم، وتجارتهم.


*129*

ت. 3. مركز أهل الذِّمَّة السياسي، والاجتماعي:

ت. 3. 1 أهل الذِّمَّة والدولة الاسلاميَّة:

حُدِّدت علاقة أهل الذِّمَّة، بالدولة الإسلاميَّة، عن طريق العهود التي، منحها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وحلفاؤه من الخلفاء الراشدين، ثم قادة الفتح، إلى سكان البلاد المفتوحة الذين أصبحوا في ذمة المسلمين أي: (أهل ذِمَّة)؛ وهي تمنحهم الأمان على معتقداتهم، وحياتهم، وممتلكاتهم، وتجارتهم مقابل دفعهم الجزية. فقد اشتهر الخليفة عمر بن الخطاب بتسامحه مع أهل الذِّمَّة، وقِصَّته مع الشيخ اليهوديّ الضرير خيرُ دليلٍ، قيل:

مرَّ عمر بن الخطاب بباب قوم، وعليه سائلٌ يسأل؛ شيخ ضرير البصر، فضرب عَضَدُهُ (وهو الذراع من المرفق الى الكتف) من خلفه، وقال: من أيِّ أهل الكِتَاب أنتَ؟ فقال: يهوديٌ. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية، والحاجة، والسِّنِّ. فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ بشيء (أي: أعطاه قليلا) من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له؛ أنظر هذا وضُرَبَاءه (وأمثاله)، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته (أي: تنكرنا لشبيبته)، ثم نخذله عند الهرَم (أي: الكبر) (إنَّما الصَّدَقات للفقراء والمساكين) (سورة التوبة: آية 60)، والفقراء هم: الفقراء المسلمون، وهذا من أهل الكِتاب، ثم ضَعْ عنه الجزية. (المرجع: أبو يوسف، كتاب الخراج، صفحة 126).

ومن قادة الفتح، على سبيل المثال، خالد بن الوليد، الذي استجاب لطلب أحد أساقفة (جمع اسقف وهي من اليونانية إبسكوبوس وتعني: المشرف، وهي رتبة في الادارة الكنيسة علة منطقة صغيرة تعرف بديوكيز) دمشق من النصارى، فكتب عهدًا لأهلها، قبيل فتحها، جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق، إذا دخلها، (وقد دخلها عام 14ه/ 635م) أعطاهم أمانًا على: أنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسور مدينتهم لا يُهْدم، ولا يُسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله، وذِمَّة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، والخلفاء والمؤمنين، لا يُعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية) (أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان (بيروت، 1987)، صفحة 166).


*130*

إن عهد خالد بن الوليد، السابق، كما هو واضح، منوط بدفع أهل دمشق من أهل الذِّمَّة للجزية. ومع ذلك، فهناك من نَسَبَ إلى الخليفة عمر بن الخطاب عهدًا (أنظر نصَّ عهد الخليفة عمر ابن عبد العزيز أدناه)، قيل: منحه لنصارى الشام، حوى قيودًا متعلقة بما ينبغي عليهم ارتداؤه من الملابس، وقد شكَّ البعض في صحة نسبته إليه حتى اعتبر ذلك أسطورة، بسبب ما عُرف عن تسامحه مع أهل الذِّمَّة (كما رأيت سابقا في حادثته مع الشيخ اليهودي الضرير)؛ بل نسبه إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، ويعلل ذلك قائلا: (لم تكن ثمة ضرورة في عهد الخليفة عمر ن الخطاب تدعو لإلزام الذميِّين باتخاذ ضربٍ معينٍ مِن الملابس يميِّزهم عن غيرهم، وعلى أية حال، فليس بين أيدينا ما يدل على أن هذه القيود كانت قد وجدت قبل الخليفة الأموي عمر ن عبد العزيز، بل إنَّ الدلائل الموجود تشير إلى عدم وجودها) (هذا هو رأي المستشرق أ.س.ترتون. أنظر كتابة أهل الذِّمَّ في الاسلام، ترجمة الدكتور حسن حبشي (القاهرة، 1994)، صفحة 132: انظر أيضا ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق (دمشق، ب.ت.)، ج 1، صفحة 567). هذا وقد تمتع أهل الذِّمَّة، في عهدي: عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب، بما تمتعوا به، زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والخليفتين من بعده: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، من تسامحٍ، وعدلٍ، وأمْنٍ ما داموا يؤدُّون الجزية.

ت. 3. 2. وضع أهل الذِّمَّة الاجتماعي والقانوني:

كانت لحياة أهل الذِّمَّة الاجتماعيَّة في الدولة الإسلاميَّة، ناحية حسنة وأخرى سيئة؛ إذ تفاوتت علاقة الخلفاء مع أهل الذِّمَّة، واعتمَدت على طبيعة الخليفة نفسه، والفترة الزمنيَّة بأحداثها السياسية. وقد أوردنا، من قبل، نماذج من معاملة بعض الخلفاء الراشدين وبعض قادة الفتح الإسلامي لأهل الذمة. وفي السطور القادمة سنتناول جوانب من هذه المعاملة في العهدين: الأموي والعباسي.

افتتح الخليفة معاوية بن أبي سفيان عهدًا جديدًا من التسامح مع أهل الذِّمَّة، فقد عيَّن لولده يزيد مربيًا نصرانيا؛ أمَّا يزيد، فكلف كاهنًا نصرانيًا بتثقيف ولده خالد (الخربوطلي، الاسلامي واهل الذمة (القاهرة، 1969)، صفحة 127-128)؛ وكان شاعر بني أميَّة المدافع عن ملكهم، هو الأخطل التغلبي النصراني (ت. 100ه /718م)، وكانت له دالَّة كبيرة على خلفاء بني أمية الأوائل، حتى إنّه كان يدخل المساجد في دمشق والكوفة، فيقف


*131*

المسلمون له إجلالا. أمَّا الخليفة عمر بن عبد العزيز، فكان قد تشدَّد على أهل الذِّمَّة بتغيير زيهم ليفترق عن زيِّ المسلمين. وقد ورد ذلك في كتابه (عهده) لعماله، حيث قال:

فلا يركبَّن نصرانيٌّ على سَرْج وليركبوا بالأكُف (هي: قطعة من القماش توضع على ظهر الدَّابَّة)، ولا تركبَّن امرأة من نسائهم راحلة، ليكن مركبها على أكاف، ولا يفحجوا على الدوابِّ، وليدخلوا أرجلهم من جانب واحدٍ ، وأن لا يمشين نصراني، إلا مفروق الناصية، ولا يلبس قبَاءً (هو: ثوب يُلص فوق الثياب)، ولا يمشي، ألا بزنارٍ من جلود، ولا يلبس طيلسانًا (هو لباس فارسي معرب (تابسان او تاليشان)، وهو عبارة عن ثوب خالٍ من التفصيل والخياطة، مربع الشكل على الرأس فوق العِمامة او القلنسوة) ولا سراويل (جمع سِرْوَال، فارسية وهي لباس يستر النصف الاسف من الجسم) ذات خَدَمَة (أي: مضموم في آخره)، ولا نعلم لها عَذْبة (أي: طرف في آخر النعل) ولا يُوجَدَنَّ في بيته سلاحٌ (إلا انتهب) (المراجع: أبو عبدالله ابن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز: على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، بيروت، 1984، صفحة 140؛ عبدالرحمن بن الجوزي، سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الزاهد، بيروت، 1984، صفحة 119) (اورد قاضي القاضي ابو يوسف نص العهد مع زيادة تقييد في اللباس انظر كتابة الخراج، صفحة 127-128).

وكان الخليفة هارون الرشيد، من بين الخلفاء العباسيين الذين تشدَّدوا في أمر أهل الذِّمَّة، فدُكر أنَّه:

أمر (عام 191ه /807م) بأن يؤخذ أهل الذِّمَّة في مدينة السلام (أي: بغداد) بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم، فأُخِذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنَّارات (مثل: الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم) وبأن تكون قلانسهم (جمع قُلُنُسوَة وهي غطاء رأس) مُضرّبة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس (أي: القسم المقوَّس من السرج المرتفع من قدام المقعد ومن مؤخره) مثل الرمَّانة من خشب، وبأن يجعلوا شِراك (أي: سير النعل على ظهر القدم) نِعالهم مَثنيَّة، ولا يَحْذوا حَذو المسلمين، وتُمنع نساؤهم من ركوب الرحائل، ويمنعوا من أن يحدثوا بناء بيعَة (بيعة وجمعها بِيَع وتعني كنيسة، أو كنيس لليهود) أو كنيسة في المدينة إلا ما كانوا صولحوا عليه وصاروا ذمَّة، وهي بيعَة لهم، أو كنيسة ويتركون يسكنون في أمصار المسلمين وأسواقهم يبيعون ويشترون ولا يبيعون خمرا ولا خِنْزيرا ولا يظهرون الصلبان في الأمصار، ولتكن قلانسهم طوالا مضرَّبة (المرجع: أبو يوسف، كتاب الخراج، القاهرة، 1382ه، صفحة 127).


*132*

وكان قاضي القضاة، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت. 182ه / 798م)، قد طلب من الخليفة هارون الرشيد أن يأمر عماله بأن يأخذوا أهل الذمة بما ذكره من الزِّيِّ في النص السابق. ويذكر الطبري، وابن الأثير، أنَّ الرشيد قد أمر عام 191ه / 807م (بهدم الكنائس في الثغور، وبأخذ أهل الذمَّة بمدينة السلام (أي: بغداد) بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم) (الطبري، م.س.، ج 9، صفحة 173؛ ابن الأثير، م.س.، ج 5، صفحة 127؛ أيضا: ابن قيِّم الجوزيَّة، م.س.، ج 1، صفحة 217) وهذا مما يؤكد أن الرشيد قد نفذ وصية قاضيه أبي يوسف، سابقة الذكر.

أما الخليفة المتوكل، فكان بن أشدَّ خلفاء العباسيين وطأة على أهل الذِّمَّة، ففي سنة 235ه / 849م أمر:

بصرْف أهل الذمَّة مِن الأعمال، وغيَّر زيهم في مراكبهم وملابسهم، فأخذ النصارى، وأهل الذمَّة كلهم، بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج (جمع سرج) بركب الخشب وبتصيير كُرتين على مؤخر السروج، وبتصيير زريْن على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها السلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونها لون الثوب الظاهر الذي عليه وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العُشر من منازلهم وأمر أن يُجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، وغيرها وكتب في ذلك إلى عمَّاله في الآفاق (المرجعان: الطبري، م.س.، ج 10، صفحة 21؛ قارن مع ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 5، صفحة 285).

رغم هذه المضايقات، التي تعرَّض لها أهل الذِّمَّة، فإنه يجب التأكيد على عدة حقائق، وهي:

1. إنَّ الإسلام دين تسامح، صريح في النص على وجوب معاملة الذميين بالتسامح، فالقرآن الكريم ينصّ على أنْ: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذيِنَ قَالُوَا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (سورة المائدة: أية 82) وعلى أن (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (سورة البقرة: آية 256). ويدعو المسلمين بأن (لا تُجَادِلُوا أهْلَ الكِتَابِ، إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ) (سورة العنكبوت: 46). أمّا في الحديث النبوي الشريف فذُكر أنه (من ظلم معاهدًا،


*133*

أو حمَّله فوق طاقته فأنا (أي: الرسول صلى الله عليه وسلم) حجيجه (أي: سأغالبه باظهار البرهان ضده) يوم القيامة)؛ فأي معاملة غيرها تعتبر حَدَثا شاذًا وفرديًا؛ ليس من الأصول الثابتة في شيء؛ وليست دليلا على أن روح الإسلام هي المعاداة للأديان السماويَّة؛ كالنصرانيَّة، أو اليهوديَّة؛ بل يجب التفتيش عن الدافع لهذا الانحراف في نواح أخرى، غير الدين ذاته؛ فإنَّ ما دعا الخليفة عمر بن عبد العزيز إليه، من التشديد على أهل الذِّمَّة، هو كرهه أن تكون يد الذِّمِّيّ هي العليا؛ فيكون له السلطان على المسلمين في الدولة الإسلاميَّة؛ لذلك طلب من عمَّاله بألا يولوا أمور المسلمين أحدًا من أهل الذمَّة (أنظر الكندي، كتاب الولاة والقضاة، صفحة 60)؛ فتشدُّدُه هذا لا ينبع عن كُره للديانة النصرانيَّة. انظر جوابه لرجليْن من الخوارج حاوراه (قالا: خرّب الكنائس، قال: (هي من صَلاح رعيَّتي)؛ كما وكتب إلى ولاته يأمرهم بحثّ أهل الذِّمَّة على اعتناق الإسلام، على أنْ يكون لهم من الحقوق والواجبات ما للمسلمين. وبناءً على هذه السياسة كَثُر معتنقو الإسلام من أهل الذمَّة، حتى أضرّ الأمر بموارد الدولة الماليَّة؛ لأن اعتناق الذميِّ للإسلام يسقط عنه الجزية؛ فكتب إليه واليه على مصر، يطلب منه فرض الجزية حتى على من أسلم من أهل الذِّمَّة؛ فعنَّفه، وقبَّح رأيه قائلا بحزم: (فضَع الجزية عمَّن أسلم!، قبحّ الله رأيك، فإن الله إنما بعث محمَّدًا (صلى الله عليه وسلم) هاديًا (أي: داعيًا للإسلام) ولم يَبْعَثْهُ جابيًا، ولعمري، لعُمَر أشقى من أن يدخلَ الناسُ كُلُّهم في الإسلام عن يديه) (حسب رواية إبن قيِّم الجوزيَّة، قال عمر بن عبد العزيز: (فهمت كتابك، والله لو وددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حرَّاثين نأكل من كسب أيدينا). أنظر ابن الجوزي، سيرة، صفحة 120؛ ابن القيِّم الجوزية، أحكام أهل الذمة (بيروت، 1983)، ج 1، صفحة 213. أما أبو يوسف فأنه ينسب هذا القول الى عبد الحميد بن عبد الرحمن بخصوص إسلام أهل الحيرة من اليهود والنصارى. أنظر كتابه الخراج، صفحة 131).

أمَّا هارون الرشيد، فقد ساءت العلاقات بينه وبين الدولة البيزنطيَّة، فأمر بهدم الكنائس على الحدود؛ لأن نصارى الثغور ساعدوا أبناء طائفتهم (أي: الروم) في التجسس على أحوال المسلمين، مستخدمين الكنائس لهذه الغاية.

أمّا المُتِوَّكل، فيرى ابن قيِّم الجوزيَّة، من علماء القرن الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد، أنَّ تشدَّدَه على أهل الذِّمَّة سببه: أنَّ المباشرين منهم للأعمال كثروا في زمانه؛ وزادوا على الحدِّ؛ وغلبوا على المسلمين لخدمة أمِّه وأهله وأقاربه سنة 235ه /850م، فكانت


*134*

الأعمال الكبار كلها، أو عامَّتها، إليهم في جميع النواحي، وكانوا قد أوقعوا في نفس المتوكل من مباشري المسلمين شيئًا، كما وكثُر تظلُّم الناس من كتَّاب أهل الذمَّة (يوضح ابن قيِّم الجوزيَّة، مدى نفوذ وسيطرة أهل الذمة في دولة الخليفة المتوكل، ثم تذمر المسلمين من هذه السيطرة أنظر كتابه، أحكام أهل الذمة، ج 1، صفحة 219-221)؛ ومن الجدير ذكره، أن المتوكّل لم يتشدَّد على أهل الذِّمَّة، فحسب، بل وعلى الشيعة أيضًا. يقول ابن الأثير، وهو من علماء القرن السادس والسابع للهجرة / الثاني والثالث عشر للميلاد: إنَّ المتوكل قد (أمر بهدم قبر الحسين بن علي (عليه السلام)، وهَدْم ما حوله من المنازل، والدور؛ وأن يَبْذُر ويسقى موضع قبره؛ وأن يمنع الناس من إتيانه، فنودي بالناس في تلك الناحية: مَن وجدناه عند قبره بعد ثلاثة (أيَّام) حبسناه في المُطْبق (وهو السجن داخل أسوار مدينة بغداد)) (أنظر ابن الأثير، م.س.، ج 5، صفحة 287). ويضيف معلِّلا سبب موقفه المتشدِّد هذا من الشيعة، قائلا: (لشِدَّة بغضه لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولأهل بيته) (ن.م.).

2. إنَّ معاملة الذميِّين في المجتمع الإسلامي، كما رأينا، كانت موقوفة على شخصية الخليفة، أو الوالي، أو السلطان، وعلى الفترة الزمنيَّة، وبهذا لم يكن جميع خلفاء الدولة الإسلاميَّة قد نهجوا نفس النهج في التشديد على أهل الذِّمَّة؛ فكان الخليفة عمر بن عبد العزيز من بين أربعة عشر خليفة أمويًّا تشدَّدوا على أهل الذِّمَّة؛ أما المنصور، وهارون الرشيد، والمتوكّل، والمُقتدر، فهم من أبرز الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين الذين حكموا الدولة العباسية، كانوا قد تشدَّدوا على أهل الذمة (ابن قيم الجوزية، م.س.، ج 1، صفحة 212). كما ولم تكن أوامر الخليفة التي تصدر بفرض القيود على أهل الذمة تصدر للتنفيذ، بل لمراعاة وكسب بعض الفقهاء، أو ظهور سخط من جانب العامَّة أولا، أو من أجل ظهور الخليفة بمظهر حامي المسلمين والمدافع عنهم من طغيان أهل الديانات الأخرى ثانيًا. ويؤكد المستشرق كلود كاهن، هذه الحقيقة، قائلا: (كان مَرَدُّ حوادث التعصُّب الديني، هو زيادة سلطة أحد الحُكَّام، أو حدوث كارثة ما، لكنها عامَّة حوادث نادرة، ولم تكن أسوأ من الحركات التي تقابلت فيها الفرق الإسلاميَّة ذاتها، وهي على كل حال أقل خطرًا مما كان يحدث في الفترة نفسها داخل الدولة البيزنطيَّة المجاورة


*135*

ضد الأقليَّات الدينيَّة) (كلود كاهن، تاريخ العرب والشعوب الإسلامية: منذ ظهور الإسلام حتى بداية الإمبراطورية العثمانية (بيروت، 1977)). فوالي عمر بن عبد المزين على الكوفة، على سبيل المثال، وهو خالد بن عبد الله القَسْري، كانت أمُّه نصرانيَّة، فبنى لها كنيسة، وراء السور الجنوبي الغربي لمسجد الكوفة، وكان يولي النصارى والمجوس، ويطلق أيديَهم في الحكومة.

وعلى العموم، ورغم هذه المضايقات الفرديَّة، فقد عامل المسلمون أهل الذِّمَّة معاملة حسنة؛ إذ سمحوا لهم بممارسة معتقداتهم الدينيَّة؛ واحتفلوا بأعيادهم في جو من الحريَّة والتسامح؛ وكان بعض المسلمين يشاركونهم أحيانًا في أعيادهم، وخاصة النصارى منهم، كعيد الشعانين؛ فقد كانت الأعياد هذه فرصة طيبة للنزهة في أحضان الطبيعة، إذ أن الأديرة كانت تحفل بالحدائق الغناء، والبساتين اليانعة وكانت الأديرة النصرانيَّة منتشرة في كل أجزاء بغداد حتى كادت لا تخلو منها ناحية. هذا ولم تكن في المدن الإسلاميَّة، أحياء خاصَّة لليهود (أو النصارى)، كما هي الحال في أوروبا العصور الوسطى (أي: جيتو)؛ بل أُتيحت لهم الفرصة للسكنى أينما شاءوا في المدينة؛ وقد آثر أهل كل دين أن يعيشوا متقاربين.

مَثّل كل طائفة، من طوائف أهل الذِّمَّة، أمام السلطة المركزيَّة رئيسًا لهم، كان يدَّعى لدى المجوس بالملك ولدى اليهود برُوش هجلوت؛ فكان إذا خرج للمثول في حضرة الخليفة، لبس الملابس الحريريَّة المطرَّزة، وعِمَامة بيضاء موشاة بالجواهر؛ وأحاط به رهط من الفرسان؛ وجرى أمامه ساعٍ يصيح بأعلى صوته (إفسحوا دربًا لسيدنا ابن داود)؛ أمَّا في مصر الفاطميَّة، فدُعيَ زعيمهم بلقب: (سَارْ هَسَريمْ)؛ أمَّا النصارى الشرقيّون، فعُرف رئيسهم بلقب: (الجاثليق).

وكان أهل الذِّمَّة في أحوالهم الشخصية يحاكمون أمام زعمائهم؛ أمَّا إذا كانت القضيَّة تتعلق بذمِّيّ ومسلم، فحينئذٍ تتم المحاكمة أمام قاضٍ مسلم؛ هذا ولم تُقبل شهادة الذمِّي على المسلم، بينما تُقبل شهادة المسلم على الذمِّيِّ؛ وقد يلجأ بعض النصارى بطلب للتقاضي أمام قاض مسلم، ففي سنة 120ه /738م ولي قضاء مصر خَيْبر بن نعيم، فكان يقضي في المسجد بين المسلمين؛ ثم يجلس على باب المسجد بعد العصر؛ فيقضي بين النصارى؛ ثم


*136*

خصص القضاة للنصارى يومًا، يحضرون فيه إلى منازل القضاة ليحكموا بينهم؛ حتى إنَّ بعضهم قد أدخل النصارى إلى المسجد ليحكم بينهم (متز، م.س.، صفحة 94).

هذا وكان زواج نصرانيّ، أو يهوديّ من مسلمة محرَّمًا، بل مستحيلًا، وكانت الدولة الإسلاميَّة تضمن لكل ديانة كيانها الخاصّ؛ فكان لا يجوز للنصرانيّ أن يتهوَّد؛ ولا لليهوديّ أن يتنصّر؛ ولا يكون تغيير الدين إلا إلى الإسلام؛ ولم يكن النصرانيّ يرث اليهوديّ، ولا العكس؛ كما لم يكن اليهوديّ، أو النصرانيّ يرثان المسلم، ولا المسلم غير المسلم، يهوديًا كان أم نصرانيًا (ن.م.، ج 1، صفحة 57).

ت. 3. 2 مشاركة أهل الذِّمَّة في الإدارة، والحياة الاجتماعيَّة.

لم يكن في التشريع الإسلامي، ما يغلق دون أهل الذِّمَّة أي باب من أبواب الأعمال؛ وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة، وتجَّارًا وأصحاب ضياع، وأطباء. فكان معظم النصارى أطباء وكتبة، بينما احترف اليهود المِهن، مثل: الصرافة والصياغة، ونسج الحرير، وصناعة الزجاج، وإدارة السفن.

وتبوأ أهل الذِّمَّة المناصب العالية في الجهاز الإداري، لمعرفتهم الحساب والكتابة والخراج؛ فاستعان بهم الأمويون في تنظيم جهازهم الإداري؛ فحصلوا على أرقى المناصب الإدارية، مثل: (وزير تنفيذ) و(كاتب). فكان ابن سرجيون النصرانيّ، كاتب عبد الملك بن مروان؛ كما تسلَّم أثناسيوس الرَّهاوي رئاسة دواوين مصر، أيام الخليفة نفسه، وكان ينعت بالكاتب الأفْحَم؛ كما واتخذ سليمان بن عبد الملك كاتبًا نصرانيًا يدعى البطريق بن النقا، واستعمله مشرفًا على مبانيه في مدينة الرملة.

وفي الدولة العباسيَّة، لم تخل دواوين الدولة قطُّ من العمال النصارى واليهود، فقد تولوا أرفع المناصب وأخطرها؛ فتولى أبو إسحاق الصابئ منصب الكاتب؛ كما تقلد بعضهم (ديوان الجند) (متز، م.س.، ج 1، صفحة 106) ومنهم ملك بن الوليد، قلده إياه الخليفة العباسي المُعتضد، ثم تولاه أيضًا إسرائيل النصرانيّ، قلده إيَّاه الخليفة الناصر؛ وأمَّا الوزارة (أي: وزارة التنفيذ) فتولاها ثابت


*137*

ابن قُرّة (المترجِم المشهور)، زمن الخليفة المعتضد الذي قيل عنه: إنَّه لم يكن يسمح لأحد، مهما كانت منزلته، بأن يجلس في حضرته، بينما أعطى هذا الحق لوزيره ابن قرَّة، الذي عمل كغيره من النصارى، مثل: يوحنا بن ماسَوَيْه في عملية ترجمة التراث، لاسيما اليوناني، إلى العربيَّة؛ وكان يوحنا هذا قد عينه هارون الرشيد ليشغل منصب رئيس (بيت الحكمة)، وهي المكتبة التي أقامها في بغداد لترجمة الكتب الأجنبيَّة إلى العربيَّة (للمزيد من أسماء النصارى الذين تقلدو الوزارة أنظر متز، م.س.، ج 1، صفحة 108-109).

وبرز من أهل الذِّمَّة أطباء خاصُّون للخلفاء العباسيِّين: فقد ظهرت عائلة بختيشوع النصرانيَّة؛ فكان بختيشوع بن جبرئيل طبيب الخليفة المتوكل؛ ينعم بعطفه حتى كان يضاهيه في ملابسه وفي (حُسن الحال وكثرة المال وكمال المروءة ومباراته في الطيب والجواري والعبيد) (الخربوطلي، الإسلام، صفحة 147). يقول المستشرق آدم متز: (من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والمتصوفين غير المسلمين في الدولة الإسلاميَّة؛ فكان النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام) (متز، م.س.، ج 1، صفحة 105).

هكذا كان وضع أهل الذِّمَّة في الدولة الإسلاميَّة، لكن، مع انتهاء القرن الخامس للهجرة / الحادي عشر للميلاد، ظهرت مرحلة جديدة في العلاقات بين أهل الذِّمَّة والمسلمين؛ إذ جاءت الحملة الصليبيَّة الأولى من أوروبا، واحتلت بيت المقدس سنة 492ه / 1099م، فقامت في اعقابها مملكة القدس اللاتينيَّة (الصليبيَّة) الأولى؛ ثم تبعتها حملات أخرى في القرنين السادس والسابع للهجرة / الثاني عشر والثالث عشر للميلاد؛ وقد صاحبة تلك الحملات موجة من التعصب الديني (عن دوافع الحملات الصليبيَّة انظر كتابنا أوروبا العصور الوسطى والحملات الصليبيَّة (القدس، 1986)).


*138*

ث. الرِّقّ في الإسلام:

ث. 1. مصادر الرِّقّ في الإسلام:

الرِّقّ، لغة، تعني: الضعف واللِّين؛ واصطلاحًا: حرمان الشخص من حريَّته الطبيعيَّة وصيْرورته مُلكًا للغير. وقد شاع الرِّقّ لدى الشعوب القديمة، كالآشوريِّين، والبابليِّين، والمصريِّين، واليونان، والرومان، وغيرهم. وقد تفاوتت معاملة هذه الشعوب لرقيقها، أمّا في الجاهليَّة، فكان الرِّقّ متفشيًا حيث اعتبر عِماد اقتصاديَّات قريْش؛ أمَّا أسبابه، في تلك الفترة، فكانت: الحرب، وعدم الإيفاء بالذِّين، والقِمار، والشراء من البلاد المجاورة لجزيرة العرب، ولاسيَّما الحبشة.

لم يخرج الإسلام عن قاعدة الشعوب القديمة بالنسبة للرقيق؛ فلم يلغِ نظام الرِّقّ؛ لكنه اختلف عنها في أنَّه سعى إلى تجفيف مصادره التي كانت شائعة لديهم؛ ودعا إلى الرفق في معاملته؛ وحثّ على تحريره؛ أمَّا أسباب الرِّقّ في الإسلام، فكانت، كالتالي:

1. الحرب المشروعة: فالحرب تعتبر أهمّ مصادر الرِّقّ في جميع العصور، ولدى معظم الشعوب؛ أمَّا في الإسلام، ولأجل تجفيف مصادره، اشترطت الشريعة الإسلاميَّة أن تكون حربًا مشروعة، أو ضد الكفَّار، فمَن وقع أسيرًا من غير العرب، من الرجال والنساء، أصبح مُلكًا لآسره، له أنْ يسترقَّه، أو يبيعه، إلا إذا فَدَى نفسه، أو مَنَّ عليه الخليفة بإطلاق سراحه. والمقصود في الحرب المشروعة، هي: التي تقوم على شروط أساسيَّة، مثل: أ. أنْ تكون قتال أعداء الإسلام، في سبيل الله، تحقيقًا لقوله تعالى: (وَقّاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إنَّ اللهَ لَا يُحِبّ المُعْتَدِينَ) (سورة البقرة: آية 190، ثم أنظر سورة النساء: آية 76، ثم الأنفال: آية 39). ب. الإنذار والتخيير، بأنْ يعرضوا عليهم ثلاثة خيارات: الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو الحرب إذا رفضوا الخِياريْن الأولين (عبدالله ناصح علوان، نظام الرِّق في الإسلام (الرياض، 2004)، صفحة 19-23). هذا وللمسلمين،


*139*

أثناء عمليَّة القتال، أنْ يجنحوا للسِّلْم، شرط أنْ يجنحَ الأعداء إليه، عملا بقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) (سورة الأنفال: آية 61).

2. الشراء من الخارج: لقد اشترط الشرع الإسلامي، أن يكون شراء الرِّقيق، مِن المجلوب مِن خارج دار الإسلام، ممن أصبحوا رقيقا هناك، ولا يجيز استرقاق: أ. الحرِّ في دار الإسلام، ثم بيعه، عملا بحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ثلاثة (من الناس) أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجُل أعطى بي (أي: أعطى العهد باسمي)، ثم غدَر، ورجُل باع حرًّا، فأكل ثمنه (وفي رواية أخرى إعتَبَد عبْدًا)، ورجُل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه (العمل) ولم يعطه أجره) (أحمد شفيق باشا، الرِّق في الإسلام (القاهرة، ب.ت.)، صفحة 66-68). فقد حدثت فتنة في مصر في القرن الثالث للهجرة / التاسع للميلاد، سببها أنه قُبض على بعض النصارى من المصريين؛ وبيعوا في دمشق، كما يباع الرقيق؛ فأثار هذا العمل أكبر السخط؛ لأنه فعل يخالف الشريعة (انظر متز، م.س.، ج 1، صفحة 299). ب. استرقاق المَدين؛ لأن الحريَّة هِبة من الله.

3. بَدَل الخراج، أو الجزية: كتأدية بعض ولاة خراسان، وأفريقيَّة (شمال أفريقية والأندلس)، ومصر، وتركستان الرِّقيق بدل المال، كخراج، فكان عبدالله بن طاهر، أمير خُرَاسان (حكم 213-229ه /828-844م) يرسل إلى الخليفة في بغداد ألفيْن من الأتراك الغزيَّة سنويًّا، أو كإرسال أهل الذِّمَّة من البِرْبِر أولادهم بدل الجزية المفروضة عليهم (عبد العزيز الدوري، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري (بيروت، 1995)، صفحة 88).

4. ولد الرِّقيق: وهو الولد الذي يُولد من أمَةٍ مملوكةٍ، ويكون أبوه عبدًا، أو غير مالك للأمَة، أو يكون مالكًا لها ولكنه لا يعترف بأنه أبٌ للولد.

بعد تراجع مصدر الحروب، بسبب انخفاضها مع تطور الفترة العباسيَّة، أصبح المصدر الأعظم للرقيق في الدولة الإسلاميَّة هو الشراء من الخارج، إذ اعتاد بعض تجار العبيد (أي: النَّخَّاسون)، وهم أغراب ليسوا من سكان البلاد التي تحصل فيها عمليَّة الاسترقاق، أن ينظموا حملات خاصة للحصول على الرِّقيق.


*140*

أمَّا الرِّقّيق الأبيض، فيشمل: بلاد الترك، وبلاد الصقالبة، وبلاد السودان. وكان الرِّقيق من بلاد الترك يُجلب إلى العالم الإسلامي عن طريق مدينة سَمَرْقَنْد (الواقعة في جمهورية أوزبكستان في أيامنا)، والتي كانت تعتبر أكبر سوق للرِّقيق الأبيض؛ وهي مشهورة بأن: (خير رقيق ما وراء النهر ما كان من تربيتها) (آدم متز، الحضارة الإسلاميَّة في القرن الرابع الهجري، ج 1 (بيروت، 1967)، صفحة 300). أمَّا بلاد الصقالبة وتضم: الخَزَر، والبلغار، والمَجر، وبولونيا، وبوهيميا؛ فقد جُلبوا عن طريق ألمانيا إلى الأندلس، وإلى الموانئ البحرية في ايطاليا وفرنسا، أو من غرب أوروبا عن طريق ألمانيا ومدن براغ وبولونيا، ثم روسيا ومنها إلى العالم الإسلامي. وكان غالبيَّة مماليك مصر، الذين حكموا مصر خلال الفترة ما بين سنة 648ه / 1250م و923ه / 1517م، من الذين جُلبوا من شبه جزيرة القِرْم (في البحر الأسود)، ومن بلاد القفقاز والقفجاق (وهي الأراضي الواقعة حول بحر قزوين)، ومن آسيا الصغرى وفارس والتركستان وبلاد ما وراء النهر. هذا وكان الرِّقيق الأبيض أعلى ثمنًا من الأسود، ولاسيَّما الجواري منهم، حيث اعتبرهم البعض على أنهم (أرستوقراطيو العبيد) (ن.م.، صفحة 298)؛ أمَّا الرِّقيق الأسود، فمصدره بلاد السودان حيث يُشترى من النوبة (في صعيد مصر)، أو من الحبشة، ثم يُجلب لأسواق مصر ليباع هناك، أو الجزيرة العربيَّة، أو من الصومال إلى جنوب الجزيرة العربيَّة، كما وكان شمال أفريقيا مصدرًا هامًّ للرقيق من البِرْبِر. هذا وقد ساعد ازدهار الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة في العصر العباسي إلى رواج ظاهرة الرِّقّ في الحواضر الإسلاميَّة، لاسيَّما بغداد، وذلك للحاجة إلى الأيدي العاملة، ومن الأعمال التي قاموا بها:

1. العمل في قصور طبقة الخاصَّة؛ إذ استدعى الرِّقيق من كلا الجنسين للعمل والخدمة في قصور الخاصة: كالحكام، والوزراء، والقادة وغيرهم، أو في مصالحهم. فكان منهم: الطبَّاخون، والخزَّانون، والبوَّابون، والملاحون في القوارب، وسوَّاس الخيل، وحتى أمناء في المكتبات الخاصَّة. وكان الخِصْيَان منهم يقومون بحراسة الحريم وخدمتهن.


*141*

2. أعمال أدبيَّة؛ كالغناء، وإلقاء الشِّعْر، وحفظ القرآن الكريم، والحديث النبوي وتِلاوتهما. ولما كان الطلب عاليًا على ذوي المواهب الفنيَّة من الرِّقيق، فقد كان النخَّاسون يقومون بتعليم الغلمان (أنظر عن حقوق الرقيق لاحقا) والجواري فنون الشعر والموسيقى، مما يرفع من أثمانهم، فيربحون من ذلك أرباحًا طائلة.

3. أعمال حراسة وتجارة؛ فهناك عدد كبير من الرِّقيق، يستخدم حرسًا خاصًا، أو يُدرَّب للجيش. فكانت في الجيش فِرَق كاملة من المماليك. وقد يعمل بالتجارة بإذن سيده، ويمكن في هذه الحالة أن يتاجر، ويتعاقد في نطاق رأسماله، لحساب سيِّده، ويمكنه أن يتاجر لحسابه، وأن يساهم في مشاركة بعمل، لكنه يرتبط بسيِّده.

4. العمل في الحقول؛ وهؤلاء كانوا على قسمين: القسم الأول، عبيد لا حقوق لهم مطلقًا، كالزنج الذين كانوا يشتغلون في منطقة البصرة وفي بساتينها. وقد يُستعمل البعض من الرِّقيق في الرعي. أمَّا القسم الثاني، فهم: الأقنان، الذين كانوا يعيشون في القرى، مرتبطين في الأرض، ويباعون معها (أنظر الدوري، م.س.، 88-91).

كانت مهنة بيع العبيد (أي: النِّخَاسة) في العالم الإسلامي مكروهة. قيل: دخل ناس على معاوية، فسألهم ما هي صنائعهم، فقالوا: (بيع الرِّقيق). قال بئس التجارة: (ضمان نفس، ومؤونة ضِرس (أي: سنِّ)). وفي مصر كان صاحب الشرطة، إذا أراد شتم أحد القواد، وقف على المِنبر، وقال: (النَّخَّاس والكذَّاب) (انظر متز، م.س.، ج 1، 270).

كان في المدن الإسلاميَّة الهامَّة أسواق خاصَّة لبيع الرِّقيق، ففي بغداد عرف أحد الشوارع باسم (شارع دار الرِّقيق). وقد عيَّنت الدولة عاملًا خاصًا للإشراف على النِّخاسة دُعي (قَيِّم الرِّقيق). وكانت العادة ألا يُباع الرِّقيق الجيد، كالجواري اللواتي جمعن بين الجمال والأدب، في السوق؛ لأن في ذلك ما يحط من قدره، والأولى أن يباع في منزل


*142*

خاصّ، أو بواسطة تاجر كبير. وقد ألّفت رسائل في شري وتقليب العبيد قبل شرائه حدَّدت مواصفات في طبائع العبيد حسب انتمائهم القومي والجغرافي (من هذه الرسائل، على سبيل المثال، انظر رسالة الشيخ محمود بن أحمد العينتابي الأمشاطي (903ه /1492م)، القول السديد في اختيار الأماء والعبيد (إربد، 1996)).

تلك، إذًا، مصادر الرِّقّ في الإسلام. ومن الجدير ذكره، أنَّ الإسلام حرّم:

1. استرقاق المسلمين، رجالًا كانوا، أم نساءً.

2. استرقاق الرجال من العرب غير المسلمين.

3. استرقاق المعاهدين (أي: الذين كانوا في عهد صلح مع المسلمين)، وغير المحاربين.

4. استرقاق الرجل الحرّ لأولاده من الأمَة.

5. استرقاق، الحرِّ وبيعه، في دار الإسلام (يشمل هذا المنع أهل الذِّمَّة).

ث. 2. حقوق الرِّقيق في الإسلام: يوجب الإسلام معاملة الرِّقيق معاملة حسنة، مثل:

أ. حقُّ المساواة: فالإسلام يسوِّي بين الرِّقيق وأيّ إنسان آخر، في الحقوق والواجبات، إلا البعض منها؛ فعلى سبيل المثال: إعفاؤه من صلاة الجُمُعَة، وفريضة الحجّ، أو جعل عقوبة الحدود (حدود الله) نصف ما على الحرّ. كما ويقرِّر له مبدأ الثواب في الآخرة.

ب. حقُّ الحياة: فالإسلام يحرِّم القتل، إلا بالحق (جاءَ في سورة الأنعام: آية 151 (ولا تَقْتُلوا النَّفسَ التِي حَرّمَ اللهُ إلا بالحقِّ)) ولا فرق في ذلك بين حرٍّ وعبد، فقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قوله (من قتل عبده قتلناه).

ت. الحَصَانة الجسديَّة: الامتناع عن تشويه العبد، أو ضربه ضربًا مُبْرحًا، بل يجوز ضربه خفيفًا للتأديب، على ألا يجاوز عشرة اسواط؛ ولكن، يجوز ضرب العبد إذا قصّر في أداء واجباته الدينيَّة، فقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنَّه قال: (واضرب عبدك، إذا عصى الله، واعفُ عنه، إذا عصاك).

ث. الحصانة العائليَّة: لقد منع الإسلام التفريق بين العبد وزوجته.


*143*

ج. حقُّ النفقة: يلزم الإسلام السيِّد إطعام، وكسوة عبده، والنفقة عليه. فإن كان بخيلًا وراجع القاضي، فقد يلزم سيده أن يلبسه أحسن مما يلبس، ويطعمه أحسن مما يأكل.

ح. الرفق بالرِّقيق: عدم تحميله ما لا يطيق، فقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (إتَّقوا الله فيما مَلكَت أيْمانُكم، أطعمُوهم ممَّا تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يُطِيقون، ممَّا أحببتم فامسكوا، وما كرهتم فبيعوا، ولا تُعَذِّبوا خَلقَ الله ملَّككم إيَّاهم ولو شاء مَلَّكهم إيَّاكم).

خ. عدم تحقير الرِّقيق، والاستهانة به، وتذكيره بما هو فيه من الاستعباد: فقد روى الصحابي أبو هريرة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (لا يقل أحدُكُم عبْدِي، أمَتي، وليقلْ: فَتايَ وفَتاتي وغُلامي)، (ولا تقل عبدي لأننا كلُّنا عبيد الله).

د. تعليم الرِّقيق: حثّ الشرع الإسلامي على تعميم التعليم، ولا يستثنى في ذلك الأرقاء. قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): (أيّما رجلً كانت لهُ جاريةٌ، فأدَّبها، فأحسن تأديبَها وعلَّمَها، فأحسن تعليمها، واعتقها، فتزوَّجها، فله أجران): أجر بالنِكَاح والتعليم، وأجرٌ بالعِتق (أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، رياض الصالحين (القاهرة، ب.ت)، صفحة 496).

ذ. حقُّ الزَّواج من المُسلم: أجاز الشرع الإسلامي، للمسلم الذي لا يستطيع الزواج بالمُحْصَنات المؤمِنات، أن يتزوج بما ملكت أيمَانُهُ من الفتيات (أي: الآماء جمع أمَة وهي الجارية) المؤمنات (انظر سورة النساء: آية 25).

أمَّا واجبات الرقيق، فهي: طاعة العبد العمياء لسيده، والمحاربة إلى جانبه، وفديته إذا أسِر.

ث. 3. طُرُق تحرير الرِّقيق (العِتْق):

شجع، القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، السادة المسلمين على تحرير عبيدهم، تشجيعًا عظيمًا (انظر سورة البلد؛ آيات 11-13. وفي الحديث قوله (صلى الله عليه وسلم) (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه من النار) انظر علوان، م.س.م.، صفحة 48). ومع ذلك، لم يُحدِّد طريقة معينة لتحرير الرِّقيق، بل ساد العُرْف والعَادَة بين المسلمين في هذا الشأن. أمَّا طرق تحرير العبد في الإسلام، فكانت:


*144*

أ. المكاتبة؛ أي: أن يكتب العبد مع سيِّده عهدًا، يلتزم بموجبه دفع مبلغ من المال قد اتفق عليه بين السيِّد والرِّقيق بان يؤديه مقسَّطًا في مدة محدودة؛ فإذا أدَّى العبد هذا المبلغ في الوقت المحدَّد، بموجب العهد، أصبح حرًّا فوريًّا (أي: مولى). وكان دخول البد في الإسلام لا يحرِّره من العبوديَّة، بل يساعده في ذلك، كما رأينا. ومن الجدير تأكيده أن الشريعة الإسلاميَّة قد حثت السيد المسلم على تحرير الرِّقيق بالمكاتبة ولكن قيّدته بقيدٍ واحدٍ، وهو: (إذا علم فيهم خيرً)، كما جاء في القرآن الكريم: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلَمْتُمْ خَيْرًا وَآتُوهُم من مَّال اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (سورة النور: آية 33)، ثم جعل الإسلام (فكَّ رقبة) أي تحرير العبد من أعمال البرِّ (أنظر سورة البقرة: آية 177).

ب. كفالة الدولة الإسلاميَّة؛ وهو من أعظم الوسائل في تحرير الرِّقيق، فقد خصصت الشريعة الإسلاميَّة مصروفًا خاصًّا، بهدف مساعدة الرِّقيق في التحرُّر، عن طريق منحه نصيبًا من الزَّكاة، ليدفعه إلى سيده؛ فيفوز بحريته.

ت. التدبير؛ وهي: أن يوصيَ السيد بأن يكون عبده حرًّا بعد إدباره عن الحياة، أي موته. فيقول السيد لعبده، قبل موته: (أنت دُبرٌ بعدي) أي بعد إدباري عن الحياة، أو أن يقول له: (أنت حرٌّ لوجه الله تعالى)، فيكتسب حريَّته، بل إذا مزح السيِّد بعتق العبد، عُتِق عليه.

ث. زواج الأمَةِ من مسلمٍ حرٍّ؛ الإسلام يبيح للمسلم (كما رأينا سابقًا)، الزواج بأمَته (أي: جاريته)؛ فإذا أنجبت منه ولدًا، تصبح، عندئذٍ، في مركز أرقى من الأمَة؛ فتكتسب لقب (أمّ ولد)؛ وعندها يحرَّم على سيدها أن يبيعها، أو يهبها؛ ولا تورث لغيره بعد وفاته؛ وإذا مات ولم يعتقها، فإنَّها تصبح حرة مع أولادها بعد مماته مباشرة.

ح. الكفَّارات؛ فهي وسيلة من أعظم الوسائل التشريعيَّة في تحرير الرِّقيق، وقد أوجب الإسلام تحرير العبد، للتكفير عن ذنوب، مثل:

1. قتل المؤمن خطأ؛ سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا، كما نصَّت عليه الآية الكريمة: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أهْلِهِ) (سورة النساء: آية 92).


*145*

2. قتل مَنْ بينه وبين المسلمين ميثاقِ وعهدٍ؛ فكفارته دفع فِدية لأهله وتحرير رَقَبَة عملا بقوله تعالى (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلى أهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ) (سورة النساء: آية 92).

3. إفطار شهر رمضان بالجماع؛ فمن أفطر من المسلمين في شهر رمضان، فعليه أن يُكفرَّ عن ذلك بإطعام مسكين. أما إذا جامع امرأته وهو صائم في رمضان، فإنه يفطر بسبب ذلك، وعندها تحصل كفَّارته بان يفَكّ رَقَبَة (أي: يحرر عبدًا).

4. الحَنَث باليمين (أي: من لم يَفِ بقسمه)، أو عَدَمُ وفاءٍ بندرٍ تقرُّبًا إلى الله، والتماس التوبة منه، فكفّارة ذلك هي تحرير رقبة (أنظر سورة المائدة: آية 89).

5. الظِهَار؛ وهو فعل مأخوذ مِنَ الظَّهر؛ وذلك أن العربي في الجاهليَّة كان إذا قال لامرأته: (أنتِ حرامٌ عليّ، كظهر أمِّي) تحرَّم عليه حُرْمة مؤبَّدة، كما تحرم أمُّه عليه. وقد حرّم الإسلام ذلك، وأوجب كفارته تحرير عبدٍ، كما نصَّت عليه الآية الكريمة (وَالَّذِينَ يُظَاهِرونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا) (سورة المجادلة: آية 2) (الصالح، م.س.، صفحة 472).

ج. الضرب الظالم، أو التحقير؛ أباح الإسلام للسيِّد المسلم أن يضرب رقيقه، لاسيَّما إذا قصَّر في أداء واجباته الدينيَّة، لكن لا لأجل التمثيل به، بل لتربيته وتأديبه، إذا أساء؛ ولهذا التأديب حدود؛ فلا يجوز له أن يتعدَّاها ويتجاوزها؛ كأن يلطمه على خدِّه؛ أو يضربه في موضع أذىً من جسمه؛ أو أنْ يتعدَّى العشرة أسواط؛ فإذا حصل هذا التعدِّي، أصبح مبرِّرًا شرعيًّا لتحريره من الرِّقّ. فقد روي أن أحد المسلمين ويدعى زنْبَاعًا، قد جَدَع أنف غلامه (أي: قطعه)، لارتكابه إثمًا، فشكاه إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ما حَمَلك على هذا)؟ قال: كان من أمره كذا وكذا. فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) للغلام: (إذهبْ فأنت حرٌّ). فقال الغلام: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ فقال: مولى الله ورسوله (محمد عطية الأبرشي، روح الإسلام (القاهرة، 1969)، صفحة 183). وعليه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَن لطم مملوكه، أو ضربه، فكفارتُه عِتقُه) (شفيق، م.س.، صفحة 78؛ الأبرشي، م.س.، صفحة 176)؛


*146*

أمّا التحقير، فروي أنْ جاءت امرأة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقالت: يا رسول الله، إني قلت لأمَتِي زانية، قال: (وهل رأيت عليها ذلك؟) قالت: لا. قال: (أما إنها ستقيَّد منك يوم القيامة) فرجعت المرأة إلى جاريتها، فأعطتها سوطًا، وقالت: اجلديني. فأبَت الجارية، فأعتقتها؛ ثم رجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فأخبرته بعِتقها، فقال: (عسى أنْ يكفِّر عِتقُك إيَّاها ما قذفتِها به) (القذف: الرمي بالزنا) (محمد أبو اليسر عابدين، القول الوثيق في أمر الرقيق (دمشق، 1996)، صفحة 127).

هكذا نخلص من موضوع الرقيق في الإسلام إلى الحقيقة التالية: أن الإسلام لم يُنْهِ الرِّقّ دُفْعَةً واحدةً بنصٍّ قاطعٍ؛ بل ضيَّق وجفَّف مصادره؛ وسعى إلى تحريره بما شرَّعه من تشريعاتٍ؛ سواء في تحديد معاملته، أو تحديد حقوقه في المجتمع الإسلامي.

(صورة لزخارف اسلاميَّة)


*147*

1. بيِّن مركز العرب المسلمين: السياسي، والاجتماعي في الدولة الإسلاميَّة.

2. ماذا نعني بكلمة (مولى)؟ اشرح عن مركزهم في الخلافة الراشديَّة.

3. ماذا نعني بالشعوبيَّة؟ وضِّح مشيرًا إلى أثرها: السياسي، والثقافي، والاجتماعي.

4. اشرح طرق مقاومة الموالي (للعصبية العربيَّة)

5. ما هي أسباب ارتفاع شأن الموالي في العصر العباسي؟ اشرح.

6. اشرح مركز البرامكة في دولة الخليفة هارون الرشيد.

7. ما هي أسباب (نكبة البرامكة) على يد الخليفة هارون الرشيد؟ اشرح.

8. من هم أهل الكتاب في الإسلام؟ وما هي واجباتهم وحقوقهم؟ وضِّح

9. اشرح وضع أهل الذِّمَّة الاجتماعي في المجتمع الإسلامي.

10. كيف كانت علاقة خلفاء الإسلام مع أهل الذِّمَّة؟ بيّن ذلك.

11. إلى أي مدى وصل نفوذ أهل الذِّمَّة في الإدارة الإسلاميَّة؟ اشرح.

12. لماذا لم يُلغ الإسلام الرِّقّ؟ وضح ذلك.

13. ما هي مصادر الرِّقّ في الإسلام؟ اشرح.

14. كيف عامَلت الشريعة الإسلاميَّة الرقيق؟ اشرح.

15. اشرح طرق تحرير الرِّقيق في الإسلام.


*148*

أ. التوزيع الطبقي للمجتمع الإسلامي:

أ. 1. في تعريف الطبقة: هي مجموعة من الأشخاص تربطهم ببعضهم، من الناحية الاجتماعيَّة، مهنة، أو عمل واحد، وأهداف، ومصالح مشتركة. ورغم أن الإسلام يُنكر كلَّ تقاوتٍ شرعيٍّ بين المسلمين؛ وبالتالي يُنكر توزيعهم إلى (طبقات) مميَّزة عن بعضها اجتماعيا؛ لأنه في نظر الشرع الجميع (سواسية كأسنان المِشط) (أي: متساوون)، كما ينصّ الحديث النبويّ الشريف؛ ثم إنهم أخوة، كما ورد في حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حجَّة الوداع: (إنَّما المؤمنون إخوة) في الإسلام. فإن التوزيع الطبقي الذي اعتُرِف به في الإسلام، هو توزيع في إطار المهام التي يؤدُّونها؛ أو في انتماءاتهم في المجتمع؛ بذلك، يكون قد قصد بالطبقات: الجيل بعد الجيل؛ فنقول: طبقات الشافعية (وسائر المذاهب السنِّيَّة)، أو طبقات القضاة، أو طبقات الفقهاء، أو طبقات الصوفيَّة، وغيرها. رغم ذلك لم يمنع من حصول تباين اجتماعي بين المسلمين، لاسيَّما في العصر العباسي، ومن ثمَّ توزيعهم في طبقات اجتماعيَّة؛ وعلينا ألا ننسى أنَّ المجتمع الإسلامي شمل، أهل الذِّمَّة، والرِّقيق؛ وهم ممن شاركوا في صنع المجتمع الإسلامي، وتوزعوا بين طبقاته على أساس الحالتين: الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة على الأغلب؛ ورغم ذلك، فبالإمكان تصنيف المجتمع، في الدولة الإسلاميَّة، حسب معايير ومقاييس مختلفة، مثل:

1. الديني: مسلمون؛ نصارى ويهود (أي: أهل الكتاب).

2. القومي: عرب وغير عرب، فهناك عرب مسلمون، وعرب غير مسلمين، أي نصارى، أو يهود (من أصل عربي). وهناك مسلمون غير عرب، وهم: الذين عرفوا في تاريخ الإسلام بالموالي. ثم هناك غير عرب وغير مسلمين من أهل الذِّمَّة، كالسوريانيّين، والأشوريّين، وغيرهم.

3. السياسي، وهم الخاصَّة: مَن بيدهم سلطة سياسيَّة، في الدولة، ثم العامَّة: مَن ليس بيدهم سلطة كهذه.


*149*

4. اجتماعي اقتصادي؛ كما هو بارز في الطبقات السبع التالي شرحُها، والتي برزت خلال الفترة العباسيَّة، وهي:

أ. 1. (طبقة) الحكَّام: وهم الخليفة، والأمراء، والوزراء، والولاة الخ، أي: عامَّة رجال الحكم في الدولة الإسلاميَّة، وهؤلاء جميعًا كانوا، في البداية، من العرب، ثم أصبحوا من أجناس مختلفة من المسلمين، من أهالي البلاد المفتوحة.

كان أفراد أسرة النبي (صلى الله عليه وسلم) (أي: أهل البيت) يدخلون في نطاق هذه (الطبقة الأرستوقراطيَّة)؛ ومنذ عهد مبكر، أصبحوا يعرفون باسم (الأشراف)؛ وقد كونوا نقابة خاصَّة بهم عرفت باسم (نقابة العباسيِّين)، أو (الطالبيِّين) (نسبة إلى الخليفة عليّ بن أبي طالب)، أو (الأشراف)؛ ولها ديوان يثبت أنسابهم؛ وشيخ له حق القضاء بينهم، والتدخل في زواجهم، لئلا يدنَّس النسب الشريف؛ وتميزوا، فيما بعد، عن باقي المسلمين باتخاذ زيٍّ خاصٍّ: وهو أن يجعلوا زوائد (شطَفَات) في عمائم خضر؛ وسنتناول بعض جوانب من حياة هذه الطبقة الاجتماعيَّة في حديثنا المقبل عن طبقة الخاصَّة في بغداد خلال الموضوع القادم.

أ. 2. (طبقة) رجال الدين: وهم قِوام المساجد، والقُرّاء (أي: قارئو ومرتلو القرآن الكريم)، والفقهاء والخطباء، والشهود. ومع ذلك، فلم يكن لهذه الطبقة الدينيَّة مظهر كهنوتي؛ وذلك لأن الإسلام لم ينشئ طبقة رجال دين، كما هي الحال بالنسبة للأديان الأخرى؛ وإنما ظهرت هذه الطبقة نتيجة لحاجة المسلمين للقيام بواجبات دينهم؛ لكل الحكام المسلمين، ولغايات سياسية، جعلوا لرجال هذه الطبقة سلطة كبيرة، ولاسيَّما زمن العباسيِّين، هذه السلطة التي لم يخولها لهم الإسلام كدين.

أ. 3. طبقة أرباب السيوف: وهم، كما يظهر من تسميتهم، يشتغلون بالحرب، وفي أوَّل الأمر، كان معظمهم من العرب؛ لأن أهالي البلاد المفتوحة لا يحاربون، وإنما هم في ذمَّة العرب، الذين يدافعون عنهم؛ ولكن لما اسلم أهالي البلاد المفتوحة، من عناصر: الفرس، والترك، والديلم، والسودانيِّين، والمصريِّين، أي الذين أصبحوا يعرفون (بالموالي)، كوّنوا قسما هامَّا في الجيش الإسلامي. ولأهمية هذه الطبقة المحاربة، أصبح لها امتيازات خاصَّة،


*150*

مثل: ركوب الخيل. وكانت هذه الطبقة، تسيطر على مقاليد الحكم، عند ضعف الطبقة الحاكمة، كما في العصر العباسي الثاني.

أ. 4. طبقة أرباب الأقلام: وهم: الكُتَّاب. لقد كتب للرسول (صلى الله عليه وسلم) اثنان وأربعون كاتبًا منهم، من بين الصحابة: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفّان، وعليّ بن أبى طالب. وكان الكاتب من أكبر أعوان الخليفة. فقد جرت العادة، لدى الخلفاء الراشدين، أن يتخذوا من الصحابة، مَنْ يتولى عمليَّة الكتابة لهم؛ وانقضت دولة الخلفاء الراشدين والكتابة منحصرة في واحد يضبط حساب الدواوين، من أعطيات الجند، وأسمائهم، ويكتب المراسلات، وربما كانا اثنين فيتولى الثاني كتابة (بيت مال المسلمين).

مع قيام الدولة الأمويَّة، أصبح معظم أفراد الكُتاب في البداية، من أهل الذِّمَّة؛ لإجادتهم الكتابة دون العرب، فكانوا يشتغلون في دواوين الخلافة؛ وكتبوا بلغاتهم الأصليَّة في الدواوين، في فارس بالفارسيَّة، وفي الشام باليونانيَّة؛ وفي مصر بالقبطيَّة، أو اليونانيَّة؛ ولكن الخليفة عبد الملك بن مروان قلل من نفوذهم في الدواوين، بعد أن أمر بتعريبها؛ وسار على هديه ابنه الوليد (كما بينا ذلك في الحديث عن الدواوين)، وعلى أثر ذلك، بدأت تظهر طبقة من الكُتَّاب؛ وازداد عَدَد الكُتَّاب فصاروا خمسة: 1. كاتب الرسائل، 2. كاتب الخراج، 3. كاتب الجند، 4. كاتب الشرطة، 5. كاتب القضاء؛ هذا وكان كاتب الرسائل أعلاهم مركزًا، ولخطورة عمله كان الخلفاء، في بداية أمرهم، لا يولون منصب كاتب الرسائل إلا أقرباءهم، أو خاصَّتهم؛ لأنه مستودع أسرارهم؛ فكان أوَّل الداخلين وآخر الخارجين من عنده. ومن ابرز الكتاب عبد الحميد بن يحيى، وهو كاتب آخر خلفاء الدولة الأمويَّة، وهو يشير إلى أهمية وخطورة وظيفة الكاتب، وذلك في وصيَّته لزملائه الكُتَّاب؛ حيث يقول: (جعلكم (الله تعالى) في أشرف الجهات؛ أهل الأدب، والمروءات، والعِلم والرَّزانة (أي: رُجحان العقل). بكم ينتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصحائكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمَّر بلدانهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كافٍ، إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم، التي يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها


*151*

ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون). ثم ينصحهم بأن يتحلوا بالصفات، التالية: (أن يكون (الواحد منهم) حليمًا في موضع الحِلم، فهيمًا في موضع الفهم، مِقدامًا في موضع الإقدام، محْجِما (أي: ممتنعًا) في موضع الإحجام، مؤثِرًا للعفاف، والعدل، والإنصاف، كتومًا للأسرار، وفيًّا عند الشدائد، عالمًا بما يأتي من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق في أماكنها) (انظر إبن خلدون، م.س.، صفحة 247-248).

ظل الكتَّاب على هذه الحال حتى أيام الخلافة العباسيَّة، فكان كتَّاب العباسيين أوَّل الأمر يستبدِّون في الأمر دونهم؛ ثم صارت الكتابة إلى وزرائهم؛ وفي أواخر الدولة العباسيَّة استقلت الكتابة وعُهد بها إلى الوزراء؛ وكانوا في بغداد يقال لهم: (كتاب الإنشاء). إلى أن طرأ على منصب الكاتب، في العصر العباسي الثاني، تغيير منذ عهد الخليفة العباسي الراضي، كما هي الحال في وظيفة الوزير، بظهور ابن رائق الحمداني الذي سلب الخليفة سلطته سنة 324ه /936م ولقب بلقب (أمير الأمراء)، مما أضعف من سلطة الوزير؛ فقيَّد سلطته؛ وأبطل الدواوين؛ وصار هو وكاتبه ينظران في الأمور (الجاحظ، م.س.، صفحة 137).

أ. 5. طبقة ذوي المِهن مِن سكان المُدن: وهم من أصحاب الحِرَف والتجارة؛ وكان معظمهم من أهالي البلاد المفتوحة، أو حتى الرِّقيق؛ لأن العرب اشتغلوا بالجنديَّة، وقد احتقروا التكسب بالمهن؛ فصار ذلك من نوع الهجاء في الشعر العربي؛ فهذا الشاعر جرير يعيِّر الفرزدق بصناعة أهله، وهي: الحِدادة؛ فيقول في نقيضته:

بيتًا يُحمِّم قينْنُكُم بفنائه دنسًا مقاعدُه خبيثَ المدخلِ

ونشأ في الدولة الإسلاميَّة، ونهاية العصور الوسطى، نظام النقابات، فكانت كل جماعة تعمل في مهنة واحدة؛ تنتظم في مكان خاصٍّ تتسمى به؛ مثل: سوق العطَّارين، وسوق الحدَّادين وغيرها؛ وأصبح هناك تدرج مهني في هذه الجماعة: شيخ، ومُعلم، ومتعلم، وصانع، وصِبيان؛ وقد كثرت طوائف الصناع والتجار، في المدن الإسلاميَّة، في العصور


*152*

الوسطى، منها: الحبوبيُّون، والدَّقَّاقون، والخبَّازون، والعَطَّارون، والصيادلة، والصَّباغون، وغيرهم.

أ. 6. طبقة الفلاحين، أو الزُّرّاع: وهم غالبية سكان البلاد المفتوحة، حيث سكن أفراد هذه الطبقة القرى، والمراكز، أو النواحي، وعاشوا في حالة اجتماعيَّة سيئة؛ لأن الأراضي التي اشتغلوا بها أصبحت ملكًا للحكام؛ فعملوا بها بالأجرة، أو بالسخرة؛ وفي العصر العباسي ظهرت طبقة كبار المزارعين، نتيجة لنظام الإلتزام؛ فتحول الفلاحون في أراضي الالتزام (أي: التضمين) إلى أقنان (جمع قِنّ وهو الرقيق المرتبط بعمل الأرض). إننا نجد الأقنان من السود، الذين استخدموا لكسح السِّبَاخ (أي: المياه الراكدة، الآسِنة) في جنوب العراق، يقومون بثورة عارمة في وجه الخلافة العباسيَّة، عُرفت بثورة الزنج، واستمرت من 254ه /868م حتى 270ه /883م؛ وهدَّدت الخلافة العباسيَّة التي بذلت الكثير للقضاء عليها.

أ. 7. طبقة الرِّقيق: (عن هذه الطبقة راجع شرحنا السابق).

ـ أسئلة

1. كيف نظر الشرع الإسلامي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات؟ وضِّح ذلك

2. حاول أن تصنف المجتمع الإسلامي، مما تعلمته عنه حتى الأن، حسب مقاييس: قوميَّة، دينيَّة، اقتصاديَّة - اجتماعيَّة.


*153*

الفصل السادس: المدينة الإسلاميَّة


*153*

يتناول الحديث، في هذا الفصل، عن المدن الأولى، الّتي بُنيت في الدولة الإسلاميّة من حيث: دوافع إقامتها، ميزاتها، معالمها، ونماذج منها، كالبصرة، الكوفة وبغداد.

أ. دوافع وأهداف إقامة المدينة الإسلاميَّة:

1. ألدافع العسكريّ الحربيّ: أنشأ قادة الفتوحات الإسلاميَّة في البلاد المفتوحة مراكز عسكريَّة لتكون مأوًى لِلجند، ثمَّ تبعتها قبائل عربيَّة هاجرت إليها من الجزيرة العربيَّة عقب الفتوحات ولهذا عُرفت بالأمصار أو (دور الهجرة)، ثمَّ تطوَّرت لتصبح مدنًا عامرة، مثل: ألبصرة (ألعراق)، ألكوفة (ألعراق)، ألفُسطاط (مصر) والقيروان (تُونُس). وكان الخليفة الرَّاشدي الثاني عُمَر بن الخطَّاب قد حدّد مكان إقامة بعض منها، حيث أمر قوَّاده بأنْ يتَّخذوا لهم معسكرات ليستريح الجند فيها، واشترط عليهم أنْ يكون المكان مناسبًا لِلمجند، الَّذين اعتادوا على جّو حراء، وألا يفصل بين هذه الأماكن والمدينة المنوَّرة - عاصمة الدَّولة الإسلاميَّة الأولى، نهر، لكي يستطيع الاتصال بالجند دون أيِّ عائقٍ، كما قال الخليفة عُمَر بن الخطَّاب للقائد عَمْرو بن العاص، فاتح مصر، عندما سأله اتِّخاذ الإسكندريَّة مقرًا له: (إنِّي لا أحبُّ، أنْ تنزلَ بالمسلمين مَنْزِلًا يَحُول الماءُ بيني وبينهم، في شتاء ولا صَيْف، فلا تجعلوا ببني وبينكم ماءً، متى أردت أنْ أركب إليكم راحلتي حتّى أقْدُم عليكم قدِمت) (حسن، م.س.، ج 1، صفحة 519). وعلى أثر ذلك، تخيّر عَمْرو مكانًا يقع بين جبل المُقطم ونهر النيل، وأقام فيه الفُسْطَاط. ثمَّ تحوَّلت هذه المعسكرات، إلى مراكز إمدادات لِلجيوش الإسلاميَّة في


*154*

مواصلة فتوحاتها شرقًا، كما هي الحال في البصرة والكوفة، ثمّ مدينة القيْرَوان الَّتي أنشأها عُقْبَة بن نافع، سنة 50ه /670م، ليثبِّت حكمه على شمال أفريقيا.

2. الدافع الأمنيّ والإداريّ: أي: التَحَصُّن من الأعداء، كما هي الحال بالنسبة لمدينة واسط، فقد أنشأها قائد الأمويين الحَجَّاج بن يُوسُف، في وسط الطريق بين الكوفة والبصرة، ومن هنا جاءت تسميتُها، وكضرورة إدارية بسبب حالة التَّمرُّد والعِصيان الَّتي شهدها العراقُ ضد الخلافة الأمويَّة لاسيَّما في المدينتيْن: ألبصرة والكوفة (أنظُر: لاحقا)، فكانت واسطٌ مركزًا لإدارة دفَّة الأمور في العراق خصوصًا في الكوفة والبصرة، وكان التّحصُّنُ من الأعداء وإدارة الدَّولة العبَّاسيَّة من دوافع إقامة أبي جعفر المنصور لمدينة بغدادَ، كما سنتطرق إلى ذلك فيما بعد. وفي المغرب العربيّ أُقيمت مدينة الرِّباط وغيرها لنفس الدافع.

3. الدَّافع التجاري (ألاقتصاديّ): أُقيمت مدنٌ إسلاميَّة بحيث تَصلح أنْ تكون مركزًا تجاريًا، يُسهل وصول المؤنة إليها، كما هي الحال بالنسبة لمدينة بغدادَ، فهناك النَّهران: دِجلة والفُرات يصلان المدينة بالخليج العربيّ، أو لتكون عواصم دول جديدة كبغدادَ، عاصمة الدَّولة العبَّاسيَّة، لتحلّ محلّ دمشقَ عاصمة الأمويِّين (مدينة دمشق كانت قائمة قبل الفتح الإسلاميّ).

4. ألدَّافع الدِّينيّ: كان الدَّافع الدَّيني سببًا في نشوء مدن إسلاميَّة حول مرْقَد (ضريح) الصحابة، أو أئمة الشيعة، فظهرت مدينة النَّجَف (ألعراق)، حيث مَرْقد الإمام عليّ بن أبي طالب أو كَرْبَلاء (ألعراق)، حيث مَرْقد الإماميْن: ألحسيْن بن عليَّ، وأخيه العبَّاس (أنظر الصورة)، والكاظميَّة (ألعراق)، حيث مَرْقديْ الإمامين: موسى الكاظم ومحمَّد الجواد، وغيرهما من المراقد الَّتي أُنشئت في العالم الإسلاميّ.

5. ألدَّافع السِّياسيّ: كانت كلّ أسرةٍ حاكمةٍ، تحاول بناء عاصمةٍ جديدةٍ لها، ليتجمَّع فيها أتباعُها. فقد نقل الخليفة عليّ بن أبي طالب عاصمة الخلافة من المدينة المنوّرة إلى الكوفة،


*155*

ونقل بعدها الخليفة معاوية بن أبي سفيان عاصمة الأمويّين إلى دمشق. وفي مصر نشأت مدينة (العَسكر) لتكون مركزًا إداريًّا بدلًا من الفُسطاط كما أنشأ أحمد بن طولون مدينة (القطائع)، لتحلَّ محلَّ مدينة (العَسكر)، بعد أنْ انفصل عن الخلافة العبَّاسيَّة، ثمَّ أنشأ الفاطميّون مدينة القاهرة لِلغرض نفسه.

بعد أنْ استعرضنا دوافع إقامة المدينة الإسلاميَّة، يجب التأكيد على أنَّه في إنشاء مدينة بغداد اجتمعت ثلاثة دوافع في آنٍ واحدٍ، هي: ألأمنيّ، ألاقتصاديّ والإداريّ - السياسيّ.

ب. مِيزات تخطيط المدينة الإسلاميَّة:

ج. معالم المدينة الإسلاميَّة:

أ. أَلمسجد الجامع: أهمّ المعالم الدِّينيّة في المدينة الإسلاميَّة، لدوْره الأساسيٍّ في حياة مجتمعها، إذ هو نواة المدينة حيث مُلتقى وتجمّع المسلمين ولهذا دعي بالجامع.

كان مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في المدينة المنوَّرة، هو من أوائل المساجد في الإسلام. اختطه للرّسول (صلى الله عليه وسلم)، وسط المدينة ومن حوله إِختُطت خِططُ (حارات) المهاجرين. وكان عبارة عن بهو بلا سقفٍ، قامت حوله جدران من اللَّبن، ثمَّ مُدَّت سقوف البيوت المجاورة اتقاءً لأشعة الشمس المُحرقة، فغُطَّي بذلك البهو المكشوف، وقد كانت أعمدته من جذوع النخل، بحيث ارتكز السقف عليها، وقد جُعل السقف من الجريد (سُعف النخيل)، وغُطِّي بالطّين. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب على جِذع شجرة في المسجد، حتّى صنع له الصحابيّ تَميم الداريّ مِنبرًا من ثلاث درجات. وكان الناس إذا قاموا لِلصلاة وقفوا في صفوف موازية لجِدار المسجد وقِبلتهم المسجد الأقصى؛ (أولى القِبلتْين وثالث الحرميْن الشريفيْن) (بعد الحرم المكّيّ ومسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنوَّرة)، ثمَّ حُوِّلت القِبلة إلى الكعبة في مكَّة المكرَّمة بعد أنْ تلَّقى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في النِّصف من شهر شعبان من السنة الثانية لِلهجرة / شباط 624م، الأمر من ربِّه باتَّخاذ الكعبة. قِبْلة يرضاها عِوَضًا عن بيت المقدس إستمرَّت عمليَّة تطوُّر المسجد في الإسلام وبرز ذلك، فيما أُقيم من مساجد في مدن الأمصار.


*156*

ومع استقرار الفتوحات كثر عدد المساجد في المدينة الواحدة. وكان بعض هذه المساجد جامعة، أو جوامع، تؤدَّى فيها صلاة الجُمُعَة. أما معالم المسجد:

1. (ألمِنبر)، (أو المِمبَر)، الَّذي يقف عليه الخطيب ليلقيَ خطبة أيَّام الجُمُع والعيديْن: الفطر والأضحى.

2. (ألمِحراب)، وهو: تجويفه في الجانب القِبلي من المسجد ليشير إلى قِبلة المصلِّي في، الصلاة، إلى مكَّة المكرَّمة.

3. (أَلمئذنة) يعلوها الهلال، لآذان الصلاة.

4. (أَلميضأة)، ومكانها في صحن المسجد، وهي لِلوضوء قبل الشروع في الصلاة، وكذلك افتُرش المسجد بالسَّجّاد، وعُلِّقت عليه قناديلُ الإنارة.

هذا وقد تأثَّر بناء المسجد بالفنّ المعماريّ المحلّيّ لِلبلد، الَّذي ينشأ فيه. لذا اختلفت أشكال المآذن، فمنها الأسطوانيّ، ومنها المربَّع، أو المستطيل. كذلك أشكال القِباب، فمنها ما حاكى قُبّة الصخرة - بيت المقدس، أو قبَّة أيا صوفيا ـ إسطنبول، ومساجد تركيا في أيَّامنا.

يوجد صورة للمسجد النبوي في المدينة المنوّرة

شرح بمساعدة المعلمة


*157*

وعن الدور الثقافي للمسجد، فبالاضافة إلى كونه، مكانًا للتعبّد والصلاة، فقد أدَّى دورًا للتثقيف الديني؛ حيث كانت تعقد في رحابه حلقات الدرس التي يقوم عليها معلمون من العلماء؛ أما العلوم التي كانت تدرَّس، فهي: العلوم الشرعيَّة وفي مقدمتها القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والتفسير (القرآن الكريم)، والقراءات، حيث يجلس المعلم منهم متكئأ إلى سارية من سواري المسجد، ثم يتحلَّق حوله التلاميذ للقراءة، أو السماع عليه. واذا ما أنهى التلميذ / المتعلم دراسة مادة، أو كتاب يحصل من العالم، أو الشيخ / المعلم على إجازة، وهي بمثابة شهادة في أيامنا؛ تؤهله، وتخوِّله نقل ما تعلَّمه ورَواه عن العالم، وقد يَمتحن العالم، التلميذ في المادَّة المدروسة، بان يعرض عليه الكتاب الذي قرأه عليه ويطلب منه أن يقرأ فيه؛ فإذا أتقن القراءة والفهم يجيزه به؛ وتعرف هذه الطريقة بالعَرْض؛ وقد يكتب العالم الإجازة بخطِّ يده، وهذا دليل على مدى تقديره لنجابة تلميذه (الإجازة على سبعة أنواع أشهرها: الإجازة الخاصَّة والإجازة العامَّة. لا حاجة بنا إلى تفصيل الحديث عنها للتوسع انظر ابن الصلاح الشهرزوري، علوم الحديث (دمشق، 1986)، صفحة 151-165).

هذا ولم يقتصر التعليم في المسجد على الكبار فقط، بل تعداهم إلى الصغار أيضًا، فكان يجلس فيه الفقيه، أو المؤدِّب، ومن حوله الصبيان يعلمهم: القراءة، والكتابة، ومبادئ الدين والأخلاق، ويحفِّظهم القرآن الكريم.

أمَّا عن الدور السياسي للمسجد، فإنه لم يكن للمسلمين، في أوَّل الأمر، مبنًى معين للحكم، أو دار للإمارة. وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يجلس في مسجده بالمدينة، يستقبل الوفود؛ ويبعث منه الرسل إلى القبائل في شبه الجزيرة العربيَّة وإلى الملوك والحكام خارجها؛ ويستشير الصحابة؛ ويصدر القرارات المتعلقة بالسياسة والحرب جميعًا. وكان يكفي أنْ يسقط الخطيب في خطبته من على مِنبر المسجد ليكون ذلك إعلانًا بعزله وخلع الطاعة له. وفي العصور الأولى عمل المسجد، كمقرٍّ لما يعرف اليوم بمجلس الأُمَّة، حيث كان فيه يبايع الخليفة الذي اعتاد أن يلقيَ فيه خطبته التي تُعبِّر عن سياسته في مباشرة الحكم. وتبرز مركزيَّة المسجد في المدينة الإسلاميَّة، من كونه بمثابة نقطة انطلاق، أو وصول بالنسبة إلى شبكة المواصلات في نسيج المدينة، ويعتبر أحد ثوابت العُمران في المدن الإسلاميَّة الأولى.


*158*

(ثلاثة صور في الكتاب استعن بالمعلم)

منظر للمسجد الأقصى المبارك

قبة الصخرة المشرَّفة - القدس الشريف

منظر داخلي لقبة الصخرة المشرَّفة - القدس الشريف


*159*

(ثلاثة صور في الكتاب استعن بالمعلم)

منظر عام للجامع الأموي وتظهر قبة النسر

رواق الجامع الأموي وتظهر مأذنة العروس

الجامع الأموي ـ دمشق وتظهر قبة النَّسْر


*160*

(صورتان في الكتاب استعن بالمعلم)

منظر عام لجامع قرطبة ـ الأندلس

أعمدة جامع قُرْطُبة، وهي تبدو كالنخيل

أنظر موقع الإنترنت

http://travel.maktoob.com/vb/travell73025


*161*

(صورتان في الكتاب استعن بالمعلم)

الجامع الأزهر ـ القاهرة

حشدٌ من المصلين أثناء خروجهم من الجامع الأزهر، بعد صلاة يوم الجُمُعة

أنظر موقع الإنترنت

http://www.sis.gov.eg/Ar/Arts&Culture/Archaeology/islamic/070204000000000004.htm

(http://www.altareekh.com/vb/showthread.php?t=48367

ت. 2. دار الإمارة: وهي مسكن الوالي، وتأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهميَّة بعد المسجد الجامع، وتكون قريبة منه، حتى يتسنى للوالي القيام بواجبه كأمير المسلمين في صلاتهم. وكانت دار الإمارة متفاوتة الحجم وتتخذ أحيانًا طابعًا دفاعيًا مكان قصبة، أو قلعة، أو قصر بهدف الدفاع عن الوالي. ونجد هذه الخصائص في مدن الأمصار الأخرى التي كانت مقرًا للوالي.

كانت مساكن الخلفاء الراشدين حُجُرات قليلة، لا تفترق عن بيوت الناس، إلا بما فيها من الدواوين، فأصبحت في عهد الأمويِّين، ومن أتى بعدهم، قصورًا تنافس الخلفاء في تشييدها، وتزيينها، وأصبح البعض منها أشبه بالجبل لكثرة ما فيها من الأبنية، وارتفاع أسوارها وأبوابها العديدة، التي قد تبلغ عشرة أبواب. فأصبحت تشتمل على بهاء واسعة، وقاعات للجلوس ذات أعمدة عرفت باسم إيوان، ودهاليز، ودور خاصة للخلفاء، وعائلاتهم، ومستخدميهم، وحريمهم وأحيطت بحدائق غنَّاء؛ كما وأقام بعض الخلفاء قصورا لتكون مقراتٍ لهم، أوقات ممارسة هواية الصيد. وقصير عمرة، الذي ينسب إلى الخليفة


*162*

الوليد بن عبد الملك (خلف 86-96ه/705-715م) الذي يقع على بعد خمسين ميلا الى الشرق من مدينة عمّان (في المملكة الأردنيَّة)، هو خير دليل (أنظر الصورة التالية).

(صورتان في الكتاب استعن بالمعلم)

قصَيْر عَمْرة ـ الأردن

ساحة السباع في قصر الحمراء في غِرْنَاطَة - الأندلس

أنظر موقع الإنترنت

http://islamicirbed2.jeeran.com/qela3.htm

أنظر موقع الإنترنت

http://nadi.alkahf.com/showthread.php?p=245702


*163*

ت. 3. السوق: يعتبر السوق من بين أحد المعالم المُمَيِّزة للمدينة الإسلاميَّة. ولوقوع المسجد في وسط المدينة غالبًا، أحيط بالأسواق، التي هي عصب الحياة الاقتصادية في كل مدينة، وعلى مر العصور، ولقد تأثرت في شكلها، وتنظيمها، وتنسيقها، وموقعها، وسلعها، وأعمالها بالإقليم والمدينة التي تقام فيها. وفي الغالب كانت الأسواق مُبلِّطة، أو كان في جانبيها إفريزان يمشي عليهما الناس في زمن الشتاء، إذا لم يكن السوق مبلطًا؛ وكان البعض منها مسقوفًا (كما هي الحال في أسواق القدس وعكا القديمتيْن)؛ ويضاء نهارًا بالقناديل، لأن الضوء لا يصل إلى داخلها؛ لكن مسألة الإضاءة ظهرت متأخرة في المدن الكبرى، كالقاهرة مثلًا. ومن ثَّم ظهرت تسميات أخرى تدل على السوق مثل: خانة، ورِباع، وبازار، ودار وكالة، ودكان، وقيْسارية، وفندق وهو خاص بالتجار الأجانب، وكان عبارة عن غرف مختلفة، وصحن مكشوف، ومخازن؛ وفي عكا القديمة بعض نماذج لهذه الفنادق، وقد أقامها التجار الايطاليون زمن الحملات الصليبية (492-691ه /1099-1291م).

وكان الشراء والبيع غالبًا بالمُقايضة؛ وتغلب المناداة بأسماء البضائع قبل الإتفاق على سعرها، كما كان يحدث في سوق الجواري في بغداد؛ هذا ودعي كل سوق باسم نوع السلعة، التي يباع فيه، أو الصنعة، التي يمارسها الصنَّاع فيه؛ فهناك سوق الخبازين، وسوق العطَّارين، وسوق البَزَّازين (القماش)، وسوق الخيَّاطين وغيرها. ومن الجدير ذكره أن التنظيم الحِرَفي في الإسلام لم يظهر، إلا في وقت متأخر؛ وربما تجمع السوق في المدينة الإسلاميَّة بين التجارة، والأدب، والثقافة، والسياسة، كسوق (المِرْبَد) في البصرة، إذ أصبح على عهد الأمويِّين سوقًا عامَّة تقام فيها المجالس؛ وتتعدد الحلقات يتوسطها الشعراء، والرجاز، ويؤمها الاشراف؛ فيتناشدون ويتهاجون؛ وكفانا دليلًا على ذلك أنها كانت مَسْرحًا لشعر (النقائض) بين الشاعرين الأمويِّين جرير والفرزدق.

ت. 4. القطائع: وتعرف أيضا باسم الخِطط، أو الحارات. وهي عبارة عن ثكنات يقيم فيها الجند؛ وتقوم بالقرب من دار الإمارة لحماية الحاكم.


*164*

فمدينة البصرة مثلًا قُسِّمت سبعة أقسام (دساكر)، يسكنها الأجناد، بحسب قبائلهم. واشتهرت القاهرة بحاراتها، التي كانت مخصصّة لطائفة معيّنة من الجند. وهذه المعسكرات كانت أشبه بمدن كاملة، يوجد فيها البيوت والدكاكين والأسواق والحمّامات. وقد عسكر جنود الفتوحات في قطائع، لتكون ثُكنات، أقيمت بالقرب من (دار الإمارة)، لحماية الحاكم. وكان عند تخطيط المدينة، يبدأ بإقامة أوَّلًا؛ (المسجد الجامع) في مركز المدينة، ثانيًا، (دار الإمارة)، وثالثًا؛ (القطائع)، وقد مُنحت للقبائل، الَّتي هاجرت إلى المدن الأولى، الَّتي أنشئت في الإسلام، منها: ألبصرة، ألكوفة والفسطاط. وأقيمت هذه (القطائع) حول (المسجد الجامع)، بحيث كانت لكلّ قبيلة حريّة تقسيم (القطيعة) المخصَّصة لها وبناء منازلها فيها. وكان تجعل في كلّ (قطيعة) رحبة (ساحة) فسيحة لمربط خيلهم وقبور موتاهم.

ت. 5. ألحمَّامات: إعتنى المسلمون بتزويد المدن بالحمَّامات، وكانت الحمَّامات موجودة في المدن الشرقيَّة منذ العهدين: أليوناني والرّومانيّ، فهي إذن ليست من مستحدثات الإسلام، وعندها فتح العرب المسلمون مدينة الإسكندرية وجدوا فيها العديد من الحمَّامات. لكنْ أتَّخذ الحمَّام في الإسلام طابعه الإسلامي، فأُزيلت منه التماثيل؛ لأنّ الإسلام يُحرِّم النَّحت ولا فرق في ذلك بين جسم الإنسان، أو الحيوان، وكثُرت الحمَّامات العامَّة في المدن الإسلاميَّة كثرة واضحة، لحاجات وظيفيّة مرتبطة بدعوة الإسلام لِلنظافة والتّطهر. ثمَّ أصبح هناك نوعان من الحمَّامات: حمَّامات خاصَّة واخرى شعبيَّة، وقد كثُرت هذه الأخيرة في المدن الإسلاميَّة. هذا ولم تكن الدَّولة تبني هذه الحمَّامات على نفقتها، وإنَّما يتكفّل بذلك الأفراد الأثرياء يبنونها بقصد استثماري، ويتوارثونها، وتخصَّص إيراداتها أحيانًا كوقفٍ للإنفاق على مدرسةٍ أو سبيلِ ماءٍ وغير ذلك.

كانت بعض الحمَّامات خاصَّة بالرجال، والبعض الآخر خاصَّة بالنساء، على حين كان هناك من الحمَّامات ما يُخصِّص فترةً لِلنساء وأخرى لِلرجال.


*165*

كان الحمَّام الإسلامي، في الغالب، مظلمًا، ترتفع عليه قِباب، فيها طاقات لجلب النور، فضلا عن تزويق سقفه، وترخيم أرضه؛ ويشمل الحمَّام عدة قاعات: منها الغرفة الأولى، واسمها (براني)؛ فيها مصاطب للجلوس؛ وبجوارها (الأدَبْخَانة)، وحجرة وسط (وسطاني) لعلها لخلع الملابس، ثم مكان الاستحمام، واسمه (تحميم) يدخله البخار من ثقوب في الأرض تتصل بخزانة مصنوعة من الرخام، أو الحجر، أو الطوب، تسمى (صهاريج)؛ وكان المستحم يلبس قبقابًا حتى لا تحترق قدماه.

صورة لمبنى حمَّام وتظهر اشعة الشمس تخترقه من فتحات في سقفه

شرح بمساعدة المعلمة

قام على خدمة الحمَّام موظفون مخصصون له منهم: حمَّامي، وقيّم، وزبّاد (حيث الوقود في الحمَّامات، كانت، في الغالب، من الزِّبل اليابس) ووَقاد، وسقاء، وحلّاق، أو مُزيِّن، ومُدَلِّك، وناطور، وهو الذي يحفظ ملابس الداخلين.


*166*

على أن أهمية الحمَّام لم تقتصر على كونه مؤسسة لنظافة البدن والطهر فقط؛ بل كان أيضا مركزا لنشاط اجتماعي بعيد المدى والأثر. ففي الحمَّام تجتمع نساء الحي عقب الاستحمام؛ فيتناقلن أخبار البيوت وأسرار الناس. والمريض إذا دخل الحمَّام كان ذلك إعلانا لشفائه؛ فيبادر المعارف، وأهل الحي، إلى تهنئته بالصحة والعافية.

(صورتان في الكتاب)

نجمة في مدخل قصر هشام بن عبد الملك ـ أريحا

فسيفساء حمّام قصر هشام بن عبد الملك ـ أريحا

ت. 6. البَيْمَارِسْتَان: وهي كلمة فارسية وتتألف من: (بيمار) أي مريض و(ستان) أي دار، فتصبح (دار المريض) وهي تعني اليوم (المستشفى)، وقد تختصر إلى مُرِسْتَان، أو مَارِستان، وإن كان للأمراض الجسدية والنفسية. عرف البيمارستان أولا في فارس، حيث أسس خسرو الأول الساساني (حكم 531-579م) بيمارستان مدينة جنديسابور. ويقال: إنَّ الخليفة الوليد بن عبد الملك كان أوَّل من بنى بيمارستان في الإسلام؛ بناه في دمشق وجعله مخصصا للمجذوبين، والعميان وذلك سنة 89ه /707م. وقد كثرت البيمارستانات في عهد العباسيين، وانتشرت في جميع مدن الإسلام. ففي سنة 235ه /850م. بلغ عدد البيمارستانات، في جميع أنحاء العالم الإسلامي، حسب بعض التخمينات، حوالي أربعة وثلاثين بيمارستانَ أقيمت على نمطٍ واحدٍ. وكان معظم هذه البيمارستانات موقوفة عليها أموال كثيرة؛ وهي مفتوحة لاستقبال جميع الناس: الأغنياء منهم والفقراء.


*167*

اهتم الخلفاء والأمراء في تنظيم عمل البيمارستان، حتى عدَّ البعض ذلك أحد المستحدثات الجميلة للثقافة العربيَّة الإسلاميَّة؛ إذ كان يلحق بكل بيمارستان، أطباء مزوَّدون بأغطية؛ وكان الطبيب يزور المرضى كل يوم، والممرضون الذين كانوا يزورونهم عدة مرات كل يوم، فيمنحونهم الأدوية؛ ويقدمون لهم الوجبات؛ وكان أشهر بيمارستان في العالم الإسلامي هو البيمارستان الذي أنشئ في دمشق سنة 367ه /978م، إذ كان يعمل فيه أربعة وعشرون طبيبًا. وكان العلاج والأدوية يمنحان مجانًا طيلة أكثر من ثلاثة قرون. وفي بعض الأحيان، كما هي الحال في بيمارستان القاهرة، كان المرضى في دور النقاهة يمنحون مقدارًا معينًا من النقود، وقت مغادرتهم البيمارستان، للإنفاق على معاشهم. وبلغ اهتمام أحمد بن طولون بالبيمارستان الذي أقامه في القاهرة، بأن كان يزور المرضى كل يوم جمعة من الأسبوع. وكان بكل مستشفى تعليمي إيوانٌ لإلقاء المحاضرات يستمع الطلاب فيه إلى الدروس، ثم ينسابون بين المرضى ليشخِّصوا الأمراض ويعالجوها تحت إشراف أساتذتهم. وكانت الدولة تدعَم هذه المدارس العليا بالميزانيات السخية.

كانت ممارسة الطب والصيدلة مهنةً منظمةً تراقبها الدولة منذ صدر الإسلام، إذ بدأ ذلك في عصر عبد الملك بن مروان، ولكن الخليفة العباسي المقتدر (خلف 295-320ه /908-932م) يعد أول من وضع نظامًا محكمًا في العالم لتأهيل الأطباء والصيادلة والكيميائيين، فكانت تعقد لهم في عصره اختباراتٌ للترخيص بمزاولة المهنة حماية للجمهور من الأدعياء، وأول من قام رسميًّا بهذه الاختبارات سنان بن ثابت (ت. 331ه /943م)، وكان يمنح من تثبُت صلاحيتُه من الأطباء إجازة في شكل شهادة مكتوبة تخوِّل له ممارسة المهنة، ويحدّد له فيها ما يصلح أن يتصدى لعلاجه من الأمراض (تشبه دبلوم التخصص في هذه الأيام). وقد بلغ مَن أجازهم ابن ثابت من الأطباء في بغَدادَ وحدَها نحو 800 طبيب. وسنان هذا هو مبتكر نظام البيمارستانات السيَّارة والزيارات الطبية (وهو ما يسمى الآن بالإسعاف). وفيه كان يوفَدُ الأطباءُ ومعهم الأغذية والأدوية على هيئة حملات لعيادة المرضى في السجون وأهالي النواحي النائية لنجدة الحالات الطارئة. ولم تُعرف في العالم دائرةٌ حكوميَّة للصحة فيما قبل العصر العباسي، وكان يرأسها أمين خاص من شيوخ


*168*

الأطباء يراقب ممارسة المهنة، ويختبر الأطباء والصيادلة، ويجيزهم، ويشرف على الخدمات الصحية، كعيادة الأطباء للسجون، وكالتفتيش على الحمَّامات العامَّة التي كانت العاصمة تعج بالآلاف منها.

وقد بُني مستشفًى عام دراسي في عهد هارون الرشيد، وسرعان ما تلته مستشفيات مثيلة في خارج العاصمة، وكان بكل مستشفى منها عيادةٌ خارجيَّة، ومكتبةٌ، ووسائلُ، وإمكانيَّاتٌ دراسيَّة لطلاب الطبّ، حتى إنَّه يمكن وصفُ تلك المستشفيات بأنها تشبه المستشفيَّات الجامعيَّة اليوم وقد بلغت تلك المستشفيَّات أوجَ تطورها في عهد الخليفة المستنصرِ (خلف 622-623ه /1225-1226م) في نهاية العصر العباسي، فكانت مدرسة المستنصريَّة أشبه بجامعة كبيرة بها بجانب المدارس العليا مستشفًى دراسيٌّ يعمل به أساتذة من الأطباء تُجرى عليهم الرواتب المنتظمة، وبه إيوان بقاعة المحاضرات، ومساكنُ للأساتذة والطلاب، كما في المدن الجامعيَّة اليوم. وكان بالمدرسة الكبرى مرافقُ مختلفةٌ، كقاعات الطعام، والمطابخ، والحمامات وما إليها.

ت. 7. المقابر: كانت تقام عادة، في الجهات الجنوبية، أو الغربية من مراكز العِمْران في المدينة الإسلاميَّة؛ وذلك لمراعاة اتجاه الرياح السائبة. وقد بدئ زمن العصر العباسي، في بناء مقابر خاصة، أشبه بجوامع جنائزية لأهل البركة الصالحين وأولياء الله من الصوفيَّة، عرفت بأسماء: قباب، أو مقابر، أو أضرحة، أو مراقد، أو مزارات، أو مشاهد، وهذه الأخيرة عرفت على أنها للعلويين، على أساس الشهادة أي الإيمان، أو أنهم استشهدوا في سبيل نصرة عقائدهم، كمشهد الحسين بن علي في كَرْبَلاء (في العراق).

يبقى أمر آخر متعلق بالمدينة الإسلاميَّة الأولى كلّ مدينة، انها مسألة تزويدها بالماء؛ فإن معظم المدن الإسلاميَّة الأولى قد أقيمت بالقرب من الأنهر؛ وجلبت المياه إلى داخل المدينة بواسطة أنابيب، أو ترع. كما اعتاد السكان في بعض هذه المدن، صنع أحواض لجمع مياه المطر؛ وقد عرفت هذه الأحواض أيضا باسم (مصانع)؛ وهنالك آثار باقية لمثل هذه المصانع؛ بجوار مدينة القيْروان.


*169*

وكانت طريقة التخلُّص من مياه المراحيض، تتمّ بواسطة جمعها في خزانات، أو في، قناة تحت الأرض؛ ويشرف على نقلها، والتخلص منها أناس مختصون، ففي القاهرة كانت الدولة تعطي حق نقل مياه المراحيض لملتزم يدفع للدولة أموالًا مقابل احتكار هذا العمل في المدينة؛ ثم يتفق مع السكان على الأجر الذي يتقاضاه مقابل عمله هذا. ولا يستطيع صاحب ملك في المدينة أن يفعل ذلك، إلا عن طريق هذا الملتزم. وهناك وسيلة أخرى للتخلص من الماء المستعمل، وذلك بحفر آبار عميقة يصرف إليها الماء حتى يتسرَّب مع الماء الجوفي.

أ. نماذج من المدن الإسلاميَّة الأولى:

لقد أنشأ العرب المسلمون عددًا من المدن بقي معظمها، وما زال قائمًا إلى يومنا، كالبصرة، والكوفة، والفسطاط، والقيروان، وبغداد، وسامراء، والقاهرة. وفي السطور القادمة سنتناول الشرح عن بعضها:

ث. 1. البصرة: هي أول مدينة بنيت في الإسلام، بناها عُتبة بن غَزْوان سنة 14ه /635م. وموقعها القديم كان في المنطقة التي بنيت فيها مدينة الزبير الحالية. وقد بنيت على أنقاض معسكر للفرس، في منطقة كانت تعرف بالخُرَيْبة. والسبب في بنائها كان لجعلها مركزًا عسكريًا لجيوش المسلمين الفاتحة، وهذا ما قاله عتبة لعمر بن الخطاب: (لا بدَّ للمسلمين من منزل يشتُّون به إذ شتّوا، ويدخلون فيه إذ انصرفوا من غزوهم) (أنظر النصَّ في السطور التالية)، فقد اتخذ عُتْبة بن غَزْوان منطقة الخريبة معسكرا، حيث أخذ الخليفة يرسل العرب إلى البصرة تباعا لتسكنها؛ فلما كثروا هناك بنى فيها عتبة مساكن؛ وهي سبعة دساكر (مفردها دسكرة وتعني القرية الكبيرة)؛ وكانت أكثر البيوت التي بناها مصنوعة من القصب؛ ثم بنيت بعد ذلك باللّبْن، وبنى أوَّلًا، المسجد، ثمَّ دار الإمارة بجانبه، ثم السجن، والديوان، وحمَّام الأمراء؛ كما وأمر ببناء الخِطط بحيث يكون لكل قبيلة خِطَّة خاصة، أي: حيّ قائم بذاته، لها مسجدها، وأسواقها، ومقبرتها؛ فظهرت فيها خمسة أحياء؛ وهذه المعالم كانت أهم مميِّزات مدينة البصرة؛ ولم يمضِ عشرون عامًا على تأسيسها، حتى أصبحت


*170*

مركزا هامًا من مراكز العالم الإسلامي: تجاريًا، وثقافيًا، وسياسيًا. ويصف المؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري (ت. 269ه /892م) عملية إنشاء البصرة، قائلا:

حدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن أبي عُبيْدة قال: لما نزل عُتبة بن غَزْوان الخُرَيْبة، كتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه نزوله إيَّاها، وأنه لا بدَّ للمسلمين من منزل يشتون به إذ شتوا، ويكنسون (أي: يدخلون) فيه إذ انصرفوا من غزوهم، فكتب إليه أن اجمع أصحابك في موضع واحد، وليكن قريبا من الماء والمرعى، واكتب اليَّ بصفته، فكتب إليه: إني وجدت أرضًا كثيرة القصبة، في طرف البرّ إلى الريف، ودونها منافع ماء فيها قصباء، فلما قرأ الكتاب، قال: هذه ارض نَضِرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب، وكتب إليه أنْ انزلها الناس، فأنزلهم إيّاها، فبنوْا مساكن بالقصب، وبنى عتبة مسجدا من قصب، وذلك في سنة 14ه /635م، فيقال: إنه تولى اختطاط المسجد بيده وبنى عتبة دار الإمارة دون المسجد في الرحبة التي يقال لها اليوم (زمن البلاذري) رَحْبة بني هاشم، وكانت تسمى الدهناء وفيها السجن والديوان، فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه ووضعوه حتّى يرجعوا من الغزو، فإذا رجعوا أعادوا بناءه، فلم تزل الحال كذلك، ثم إن الناس اختطوا وبنوا المنازل (البلاذري، فتوح البلدان، بيروت، 1987، صفحة 482-483).

ث. 2. الكوفة: بناها سعد بن أبي وقَّاص عام 17ه /638م. بعد معركة القادسيَّة، أيام الخليفة عمر بن الخطاب، عند مدينة الحيرة، إلى الغرب مِن نهر الفرات والسبب في بنائها، لجعلها مركزًا عسكريًّا للجيوش الفاتحة، ودارًا للهجرة، وقيروانًا (مكانًا للخيل)، كما يقول البلاذري:

إنَّ عمر بن الخطاب كتب إلي سعد بن أبي وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة وقيْروانًا، وأن لا يجعل بينه وبينهم بحرًا، فأتى الأنبار على الفرات وأراد أنْ يتخذها منزلا، فكثر على الناس الذباب فتحوَّل إلي موضع آخر، فلم يصلح فتحوَّل إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل وأنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها وذلك سنة 17ه /638م (المرجع: البلاذري، م.س.، صفحة 387).

وهكذا فالاستقرار في الكوفة كان الغاية والمحرِّك للعمل العسكري، كما هي الحال في البصرة. وقد أضحت مِصرًا (أي: مركزًا عسكريًا حدوديًا) لانطلاق الجيوش العربيَّة الإسلاميَّة في مواصلة فتوحاتها لأراضي الإمبراطوريّة الفارسيَّة (الساسانيَّة).


*171*

لقد تميَّزت الكوفة بجودة موضعها، وهوائها النقي ومواردها المائية الطيبة. وقد بنيت بيوتها، في البداية من القصب؛ وما حلَّت عشرة أشهرٍ، من بنائها، حتَّى التهمتها النيران؛ فأمر الخليفة عمر بن الخطاب باتخاذ دور قائمة من اللِّبن؛ وقد اشترط (ألا يزيدَنَّ أحدُكُم على ثلاثة أبياتٍ ولا تطالوا في البنيان) (هشام جعيط، الكوفة: نشأة المدينة العربيَّة الإسلاميَّة (الكويت، 1986)، صفحة 123). وبنى فيها مسجدًا جامعًا، انطلقت منه شوارع مستقيمة، كانت بمثابة صفوف للخيام، بمعنى أنها كانت الخطط القبلية ذاتها؛ ثم بنيت دارٌ للإمارة (القصر)؛ وكانت على ما يبدو تقع إلى الجنوب الشرقي من المسجد؛ ثم أقيمت الأسواق، وخُصص خلاءٌ لساحة استُخدمت للاجتماعات وعُرفت بالميدان، أو الرَّحْبَة.

وكانت هذه أبرز معالم مدينة الكوفة، ثم ازدهرت بالمباني التي أنشأها بناؤون من العرب، والفرس؛ ولقد اتخذها الخليفة علي بن أبي طالب مقرًّا لخلافته بعد أن نقلها من المدينة المنوَّرة، في الحجاز، لكثرة أتباعه في الكوفة، ولتوسطها في الأراضي الإسلاميَّة الجديدة؛ إلا أن نجاح معاوية في تأسيس الدولة الأمويَّة؛ حرمها من هذا المركز السياسي الجديد؛ لتحلَّ محلها دمشق، عاصمة للدولة الأمويَّة. هذا وقد تمت عملية بناء الكوفة على مراحل: فبعد بناء سعد بن أبي وقاص لها في خلافة عمر بن الخطاب؛ جاءت مرحلة أخرى في العهد الأموي، حيث شيدت، خلال ولاية زياد بن أبيه، ثم خالد القسري، واستمرت عمليَّة التشيِّيد هذه في العصر العباسي (ن.م.، صفحة 113، 118).

ولقد اتُّخِذت الكوفة مقرًا للخلافة العباسيَّة أول نشأتها، حتى بنى السفاح (الخليفة العباسي الأوَّل) مدينة الهاشميَّة، ثم بنى الخليفة العباسي الثاني (أبو جعفر المنصور) بغدادَ عام 145ه /762م. لتصبح عاصمة للدولة العباسيَّة.

ث. 3. بغداد: (عن مدينة بغداد انظر الشرح في الفصل القادم).


*172*

- أسئلة ونصوص

1. قال عبد الرحمن بن خلدون: فيما تُجَب مراعاته في أوضاع المدن:

إعلم أن المدن قرار تتخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف، ودواعيه، فتؤثر الدعة، والسكون، وتتوجه إلى اتخاذ المنازل للقرار. ولما كان ذلك القرار، والمأوى وجب أن يراعى فيه دفع المضارّ بالحماية من طوارقها، وجلب المنافع، وتسهيل المرافق لها، فأمَّا الحماية من المضار، فيراعى لها أن يدار على منازلها جميعًا؛ سياج الأسوار، وأن يكون وضع ذلك في متمنَّع من الأمكنة، أمَّا على هضبة متوَّعرة، من الجبل، وأمَّا باستدارة بحر أو نهر بها، حتى لا يوصل إليها، إلا بعد العبور على جسر، أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو، ويتضاعف امتناعها وحصنها، ومما لا يراعى في ذلك للحماية من الآفات السماوية: طيب الهواء للسلامة من الأمراض، فإن الهواء، إذا كان راكدًا خبيثًا، أومجاورًا للمياه الفاسدة، أو مناقع متعفِّنة، أو مروج خبيثة، أسرع إليها العَفَن من مجاورتها، فأسرع المرض للحيوان الكائن فيه لا محالة ومما يراعى من المرافق في المدن، طيب المراعى لسائمتهم؛ إذ صاحب كل قرار لا بد له من دوْجن الحيوان للنتاج، والضرع والركوب، ولا بد لها من المرعى، فإذا كان قريبًا طيبًا كان ذلك ارفق بحالهم، لما يعانون من المشقة في بعده. ومما يراعى أيضًا المزارع، فإن المزروع هي الأقوات، فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك أسهل في اتخاذه، وأقرب في تحصيله (المرجع: إبن خلدون، م.س.، صفحة 347 ـ صفحة 348).

1. ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في المكان الذي يُتخذ لبناء المدينة؟

2. ماذا كانت دوافع بناء المدن الإسلاميَّة الأولى؟ اِشرح.

3. لماذا أمر عمر بن الخطاب قواده، بإقامة معسكراتهم بحيث لا يفصل بينه وبينهم ماء؟

4. كيف تمّ تخطيط المدينة الإسلاميَّة؟ اِشرح مشيرًا إلى التغيرات التي طرأت عليها

5. إلى أي مدى استفاد العرب من الفن المعماري للشعوب التي فتحت بلادها؟ وضِّح

6. ما هو الدور الذي لعبه المسجد، في الحياة السياسيَّة والثقافية، في الإسلام؟ اشرح.

7. بيّن المراحل التي مرّ بها بناء المسجد في الإسلام.

8. ما هي مميزات السوق في المدينة الإسلاميَّة؟ اِشرح.

9. ما هي أهمية الحمَّام، والبيمارستان في الحياة الاجتماعيَّة في المدينة الإسلاميَّة؟ اشرح.


*173*

الفصل السابع: مدينة بغداد، وطبقتا الخَاصَّة والعَامَّة فيها

أ. دوافع بناء مدينة بغداد:

لقد تخلّى العباسيّون، بعد نجاح ثورتهم سنة 132ه /750م، عن مدينة دمشق، حاضرة أسلافهم الأمويِّين، لأنها ظلَّت على ولائها لهم؛ ولأنها كانت قريبة من حدود الدولة البيزنطيَّة؛ ولأنَّ مركزها القاصي ناحية الغرب، لا يلائم دولة، تمتد أراضيها من البحر الأبيض المتوسط حتى السند؛ ولأنَّ إقليم العراق قُدِّر له أن يكون حَلقَة وصْل، بين العالم السامي والعالم الإيراني، وهما العنصران اللذان تألفت منهما الجماعة الإسلاميَّة؛ اختار الخليفة السفاح الكوفة أوَّلا، لتكون مقرًا له؛ ثم اتخذ بالقرب منها مدينة الهاشمية؛ ثم بدأ ببناء (قصر (يزيد) ابن هُبَيْرة)؛ غير أنه تركها لأن الأهالي ظلوا يسمونها باسم مؤسسها الأول يزيد بن هبيرة: آخر الولاة الأمويين في العراق، قبيل سقوط الحكم الأموي عام 132ه /750م. ثم اتخذ السفاح سنة 134ه /752م عاصمته بالقرب من الأنبار، على نهر الفرات، عند تفرع قناة عيسى؛ غير أنه مات سنة 136ه /754م قبل أن يكملها؛ أما الخليفة أبو جعفر المنصور، كما يقول الطبري: فقد بنى مدينة سمَّاها (الهاشمية مقابل مدينة ابن هُبيرة؛ إلا أنه، بعد ذلك، (كره سكناها، لاضطراب من اضطرب أمرُه عليه من الراوندية (وهم من الخراسانيين من أتباع عبدالله الراوندي والذين يؤمنون بتناسخ الأرواح وقد دعموا الثورة العباسية. وعندما تولى ابو جعفر المنصور الخلافة نسبوا إليه الخوارق والمعجزات ثم آلهوه فتخلص منهم. أنظر الطبري، م.س.، ج 8، صفحة 533)؛ فاخذ يبحث عن مكان جديد يصلح مقرًا لحكمه وجنده، من الخُرَاسانيين؛ وليكون، في الوقت نفسه، قريبًا ورقيبًا على الكوفة؛ حيث الشيعة العلويون؛ وبعد استقصاء وبحث عن موقع ملائم، وقع اختياره، على الموضع الذي أقيمت فيه بغداد، حيث يصل فيه النهران: دجلة والفرات إلى اقرب نقطة؛ وذلك لأسباب: عسكريَّة، واقتصاديَّة، ومناخيَّة،


*174*

وسياسيَّة. أما الأسباب العسكريَّة، فتكمن في كون النهرين يشكلان عائقًا طبيعيًا ضد أي جيش ينوي احتلال المدينة، ومن الأسباب الاقتصاديَّة، فإن النهرين يشكلان معًا، وفي الوقت ذاته، طرقًا للمواصلات، لإمداد المدينة بالمؤونة، والسلع؛ والمؤرخ اليعقوبي ينسب لأبي جعفر المنصور، قوله في هذا المعنى:

فجزيرة بين دجلة والفرات: دجلة شرقها، والفرات غربها، مُشرعة للدنيا، كل ما يأتي في دجلة من واسط والبصرة والأبُلَّة والأهواز وفارس وعُمَان واليمامة والبحرين وما يتصل بذلك، فإليها ترقى وبها ترسي، وكذلك ما يأتي من المَوْصل وديار ربيعة وأذَرْبَيْجَان وأرمينية مما يُحمل في السفن في دجلة، وما يأتي من ديار مضر والرِّقة والشام والثغور ومصر والمغرب مما يحمل في السفن في الفرات فيها يحتط وينزل، ومدرجة أهل الجبل وأصبهان وكور (أي: إقليم) خراسان، فالحمد لله الذي ذخرها لي وأغفل عنها كل من تقدمني، والله لأبنيها، ثم أسكنها أيام حياتي، ويسكنها ولدي من بعدي، ثم لتكونن أعمر مدينة في الأرض (المرجع: أحمد بن أبي يعقوب، كتاب البلدان، القاهرة، 1937، صفحة 237-238).

وأما من حيث الأسباب المناخية، فإن جوَّها صحي معتدل، خالٍ من البعوض إلى حدّ لا بأس به؛ أما الأسباب السياسيَّة، فهي في معرفة العباسيين للاهميَّة السياسيَّة (والاقتصاديَّة) للأقاليم الشرقية للدولة الإسلاميَّة، حيث أنصار العباسيين في ثورتهم ضد الأمويين؛ كما كره أبو جعفر المنصور (كما أشرنا)، البقاء في الهاشمية القريبة من الكوفة، معقل الشيعة والراونديَّة؛ لهذا أقيمت بغداد عام 145ه /762م. ويقال: إنه عندما قرَّر أبو جعفر المنصور

بناء بغداد جمع حوالي مائة ألف (!) من المهندسين، والبنائين، والصناع. وبهذا جرت العادة أن يخطط الخلفاء والأمراء للمدن التي ينوون بناءها؛ وهو ما فعله المعتصم بالله حينما أراد بناء مدينة سامرَّاء. نستنتج من ذلك، أن الخلفاء والأمراء كانوا يعتمدون على التخطيط العمراني، قبل الشروع في إنشاء مدنهم ومنشآتهم العمرانية، مستعينين بكبار المهندسين، والبنائين، والحرفيين؛ حتى لو اقتضى الأمر بهم إلى الاستعانة بالدول المجاورة مثل الدولة البيزنطيَّة


*175*

تخطيط مدينة بغداد، وأسماؤها:

كان تخطيط بغداد بشكل دائري، ويشمل:

1. الخندق: يحيط بالمدينة، وكان عميقًا، وقد أجري فيه الماء من القناة التي تأخذه من نهر كَرْخَايا.

2. السور الأول (أو سور المُسْنَاة): ويُحِدّ الخندق السابق من الداخل؛ والمُسناة (عبارة عن جدار لحبس الماء)، قد بنيت من الآجُر بصورة متقنة، ويعقبها سور بسيط هو سور المُسناة.

3. الفصيل الخارجي: وهو يلي سور المسناة، وعرضه حوالي خمسين مترًا. وكان خاليًا من الدور، ومهمته الدفاع عن المدينة.

4. السور الثاني (أو الأعظم): ويبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثين مترًا؛ أمَّا عرضه عند الأساس، فهو خمسة وأربعون مترًا، يقل تدريجيا كلما ارتفع؛ وقد أقيمت عليه أبراج، وشرفات مدورة، بلغ عدد هذه الأبراج بين كل بابين ثمانية وعشرون بُرجًا، إلا بين بابي البصرة والكوفة، فأنه يزيد واحدًا لوجود الشرطة، وسجن المُطبق، في هذا المقطع من السور.

5. الفصيل الداخلي: وعرضه حوالي مائة وخمسين مترًا، وقد أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بإقامة الدور للسكن فيه، لأن السور الأعظم يؤمن الحماية.

6. السور الثالث (الداخلي): عبارة عن حاجز يفصل الرَّحْبَة العظمى (أي: الساحة المركزيَّة) عن سائر المدينة، وأقيم فيها قصر الخليفة أبو جعفر المنصور؛ وهو المعروف بقصر الذهب، أو (القبة الخضراء)؛ وإلى جانبه أقيم المسجد الجامع مع دار الحرس، وسقيفة لصاحب الشرطة؛ أمَّا منازل أولاد الخليفة والدواوين فتدار حول الرحْبَة.


*176*

7. الأبواب: وهي: باب الكوفة، وباب الشام، وباب البصرة، وباب خُرَاسان؛ فإذا قدم إليها احد من الحجاز دخل من باب الكوفة؛ وإذا جاء من الغرب دخل من باب الشام؛ وإذا جاء من الأهواز، والبصرة، ووَاسط، واليمامة، والبحرين، دخل من باب البصرة؛ وإذا جاء من المشرق دخل من باب خُرَاسان.

وكان لكل باب من هذه الأبواب الأربعة، بابان، باب دون باب، بينهما دِهْليز (أي: ممر طويل وضيِّق) ورَحْبَة، يدخل إلى الفصيل الدائر بين السورين، فالأوَّل باب الفصيل، والثاني باب المدينة. هذا وأقيم على كل باب من الأبواب الأربعة قبة خضراء، تشرف على المدينة؛ وعلى رأس كل قبة تمثال تديره الرياح لا يشبه نظائره؛ وبُني حول كل قبة مجلس من خشب، يجلس فيه الحرَّاس.

وكانت أسواق بغداد، في أوَّل أمرها، داخل الأسوار، فأمر المنصور في نقلها إلى خارجه؛ لأن الضجيج والتشويش المنبعث منها يصل إلى قصره؛ ثم ليمنع أيّ محاولة لتسلل جواسيس الأعداء إليها بزي التجار؛ فنقلت جميع الأسواق إلى منطقة الكَرْخ، في الجهة الجنوبية الغربية بين قناتيْ: الصَّراة وعيسى المتفرعتين من نهر الفرات؛ فكان لكل صناعة، أو حِرفة سوقها، في الكَرْخ الذي أصبح معقل الشيعة (أنظر تخطيط بغداد على الصفحة التالية).

وقبالة باب خراسان، وعلى الضفة اليمنى لنهر دجلة، بنى الخليفة المنصور مدينة الرُّصافة وأحاطها بخندق وسور؛ لتكون مقرًا لابنه المهدي؛ وأقام فيها حامية من الجند؛ لكي يستعين بهم لقمع أي تمرد قد يواجهه في بغداد؛ ولتقي بغداد من أي هجوم قد تتعرض له من ناحية خراسان؛ وقد عرفت الرُّصافة بالجانب الشرقي لبغداد، تمييزًا لها عن الجانب الغربي وهو المدينة المدورة، كما ترى في التخطيط التالي:


*177*

تخطيط مدينة بغداد، استعن بالمعلم

هكذا تكون مدينة بغداد قد تشكلت من ثلاثة مُرَكِّبات، هي:

1. التحصينات والأسوار الخارجية

2. المنطقة السكنية، وفيها شوارع منظمة ومنسقة.

3. وسط المدينة (الرَّحْبَة)، وهو على شكل ساحة كبرى، ضمت: قصر الخليفة، والجامع، وقصور أولاد الخليفة، ودواوين الحكومة.


*178*

أسماء المدينة:

عُرِفت مدينة المنصور بأسماء عِدَّة، هي:

1. بغداد: وهي لفظة فارسيَّة، اختلف المؤرخون في اشتقاقها، فقال البعض: إنها مكونة من كلمتين: (بَاغ) بالفارسية وتعني بستان، و(دَاذ) اسم رجل هو صاحب البستان. أو من (بغ) وتعني صنم، و(داد) وتعني أعطى أو منح، قيل: إن كسرى اقطع هذه الناحية عبدًا من المشرق من عباد الاصنام، فقال العبد: (بغ دادي) أي الصنم أعطى، أو من (بغ) وهو اسم لملك صيني، و(داد) بمعنى أعطى، أو من (باغ) وتعني بستان و(داوذية) هو صاحب البستان ويقال لها أيضا: بُغداد، بغداذ، مغدان وبغدان.

2. مدينة السلام: وهو الأسم الذي أطلقه عليها مؤسسها، الخليفة أبو جعفر المنصور، ويقال لها أيضا: (دار السلام) تشبيهًا لها بالجنة.

3. المدينة المدوَّرة: لأنها على شكل الدائرة.

4. الزَّوْرَاء: قيل سميت بهذا الاسم، لأن الخليفة أبو جعفر المنصور، لما عمرها، جعل الأبواب الداخلية مزوَّرة (أي: متعرِّجة) عن الأبواب الخارجية، وقيل: بل لازورار نهر دجلة عند مروره بها.

5. المنصوريَّة: أو مدينة المنصور، نسبة إلى مؤسسها الخليفة أبو جعفر المنصور.

ث. طبقتا الخاصّة والعامَّة:

قلنا إن العراق قد شمل خليطا من القوميات، والأجناس، فبعد بناء المدينة، ونتيجة للازدهار والرخاء الذي شهِدته العراق وحاضرة الدولة العباسيَّة بشكل خاص، قدم اليها العديد من الشعوب، وفيهم: العربي، والفارسي، والخُرَساني، والتركي، والسندي، والرومي، والكُرْجي، والأرمني، والكردي، والبربري، والنوبي، والزنجي، والأندلسي، وغيرهم.

وكانت حياة هذه الفئات متباينة اجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وعلى الرغم أنه من الصعب توزيع


*179*

المجتمع البغدادي إلى طبقات؛ لأن مفهوم الطبقة الاجتماعيَّة على شئ من التعقيد؛ إلا أننا لا نستطيع أن ننفي وجود الطبقات في ذلك المجتمع؛ وقد اعتاد المؤرخون تقسيمه إلى طبقتين مميزتين من جميع النواحي هما: الخاصَّة والعامَّة.

ث. 1. طبقة الخاصَّة:

تشمل طبقة الخاصة أصحاب الخليفة من ذوي قرباه، ومن رجالات الدولة البارزين كالوزراء، والكتاب، والقواد، والأشراف، والقضاة، والشهود، علاوة على بعض المقربين من أهل الفن الموهوبين، والعلماء، وأهل الأدب. وكانوا يختلفون نفوذًا، وسطوة، باختلاف الخلفاء، واختلاف الظروف المحيطة بهم؛ هذا وقد تمتعت طبقة الخاصة بمميزات مختلفة في المجتمع البغدادي؛ ففضلا عن السياسة، والحكم، وتقلد الوظائف، وقد برزت تلك الميزات في شتى نواحي الحياة المعيشية؛ كما تجدها في السطور التالية:

أ. الحفلات الخاصَّة: تميزت قصور الخلفاء العباسيِّين، بمظاهر الروعة، والبهاء، وضروب البذخ، والترف، والنعيم. وكانت حفلات الزواج، التي روتها كتب التاريخ، هي مثالٌ على مستوى البذخ الذي وصل إليه ابناء العصر، ولاسيما الخلفاء منهم. ومن هذه الحفلات، حفلة زواج المأمون من بوران، ابنة وزيره الحسن بن سهل قيل: (إن والدها الحسن، قد نثر في يوم زفافها على: الهاشميين، والقواد، والكتاب، والوجوه، بنادق المسك (أي: الطيب)، فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوارِيَ، وصفات دوابّ، وغير ذلك، فكانت البندقة، فإذا وقعت في يد الرجل فتحها، فقرأ ما فيها؛ فإذا علم ما فيها مضى إلى الوكيل المُرْصَد لذلك؛ فدفعها إليه، وتسلم ما فيها، سواءٌ كان ضيعة، أو ملكًا آخر، أو فرسًا، أو جارية، أو مملوكًا. ثم نثر على سائر طبقات الناس الدنانير، والدراهم، ونوافج المِسك، وبَيْض العنبر. غير أنَّ ما أنفقه على المأمون، وقواده، وأصحابه، وسائر من كان معه من أجناده، وأتباعه، وكانوا خلقًا لا يحصى، حتى على الحمَّالين، والمكارية، والملاحين، وكل من ضمَّه عسكره. ذكروا أنه خدم في ذلك الاحتفال ستة وثلاثون ألف ملاح. ونفد الحطب يومًا، فأوقدوا تحت القدور الخيش مغموسًا بالزيت؛ ولما كانت ليلة البناء، وجُلِّيت بوران على المأمون؛ فرش لها حصيرًا من ذهب؛ وجئ بمكتل مرصع بالجواهر، فيه دُرر (أي: حجارة كريمة) كبار نثرت على


*180*

النساء، وفيهم زُبَيْدة زوجة الرشيد، وابنته حَمْدُونة، فما مسّت إحداهن من الدُّرِّ شيئًا، فقال المأمون: (شرِّفن أبا محمد وأكرِمْنَه)؛ فمدت كل واحدة منهن يدها؛ فأخذت درَّة؛ فبقي سائر الدُّرِّ يلوح على ذلك الحصير الذهب ويتلألأ، فقال المأمون: (قاتل الله الحسن بن هانئ (الشاعر العباسي أبو نُواس)) وكأنه قد رأى هذا حيث قال:

كأن صُغْرى وكُبْرى من فَقَاقِعِهَا حَصْبَاء دُرٍّ على أرضٍ من الذهبِ

وكانت في المجلس شمعة عنبرٍ فيها مائةُ رَطْل، فضجّ المأمون من دخانها، فعُملت له مُثُل من الشمع، فكان الليل مدة مقامة فيه، كالنهار. وبلغت نفقة هذا الاحتفال خمسين مليون درهم، وأمر المأمون للحسن بن سهل، عند منصرفه، بمبلغ عشرة ملايين درهم، واقطعه (فم الصُلح)، وهي داره، التي زُفت فيها بُوران، فجلس الحسن، وفرّق المال على قواده، وأصحابه، وحشمه، وأطلق له خراج (أي: منحه التصرف بضريبة الخراج) فارس والأهْوَاز (تقع جنوب غرب إيران) مدة سنة، وجاء المأمون إلى عروسه في الليلة التالية، فنثرت عليه جدَّتها الدُّرر، وكانت في صينيَّة من ذهب) (ابن خلدون، م.س.، صفحة 173).

وعلى الرغم من أنه يصعب على المرء تصديق ما ورد في خبر زواج المأمون هذا، فإن ذلك ليس بالغريب عن مجتمع، كالمجتمع العباسي، حيث أموال الولايات في الدولة الواسعة، تتدفق على بغداد عاصمة العباسيين؛ ومهما يكن من أمْرٍ، فإن حفلة زواج المأمون هذه، ووليمة فخمة أخرى أقامها الخليفة المتوكل بمناسبة طهور ابنه، ستظلان حادثتين فريدتين في تاريخ الإسلام.

ب. المجالس وأنواع التسلية: كان الخلفاء يقيمون في بلاطهم مجالس الغناء، والطرب، والشعر، والأدب، والمناظرة، والعِلم؛ واعتادوا، منذ زمن الأمويِّين واستمر ذلك زمن العباسيِّين، ترتيب ندمائهم علي طبقات، حسب أهميتهم، مقتبسين ذلك عن البلاط الفارسي؛ فكان الخليفة يجلس من وراء ستارة، يتولى خدمتها خادم خاص يدعى (صاحب الستارة)، أمَّا الندماء فيجلسون على أبعاد متفاوتة من الستارة،؛ وقد روى الجاحظ في الكتاب المنسوب


*181*

له، التاج في أخلاق الملوك، ان الشاهنشاه (أي: ملك الملوك) أردشير بن بابك الفارسي، كان أوَّل من رتَّب الندماء، فجعلهم ثلاث طبقات:

الأولى؛ الأساورة (الفرسان)، وأبناء الملوك، وكان مجلسهم من الستارة على عشرة أذرع (الذراع العباسيَّة تساوي: 04، 54 سنتمرا) الثانية؛ بطِأنة الملك، وندماؤه، ومحدثوه من أهل الشرف والعلم، ومجلسهم من الطبقة الأولى على عشرة أذرع.

الثالثة؛ المضحِّكون، وأهل الهَزَل والبطالة، ومجلسهم على عشرة أذرع من الطبقة الثانية. ولم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الأصل، ولا وضيعه، ولا ناقص الجوارح (أي: الأعضاء)، ولا فاحش الطول أو القِصر، ولا مؤوف (أي: مصاب بآفة)، ولا مرمي بأبَنَة (أي: عيب)، ولا مجهول الأبوين، ولا ابن صناعة دنيئة، كابن حائِك أو حجَّام (الحجامة: إخراج الدم الفاسد من قفا العنق ويعرف اليوم بشيل الكاسات).

راعى الخلفاء العباسيون هذا النظام، في مجالس الندماء؛ فكان الخليفة هارون الرشيد قد جعل للمغنين مراتب، وطبقات؛ وإذا ما استحسن غناء بعض المغنين نقله إلى الطبقة المتقدمة؛ كما فعل مع المغني اسحق برصوما؛ أمَّا ابنه الأمين فما كان يبالي أين قعد، ومع مَن قعد؛ وكان لو وجد بينه وبين ندمائه مئة حجاب خرَّقها كلها؛ وألقاها عن وجهه؛ حتى يقعد، حيث قعدوا؛ وكان من أعطى الخلق للذهب والفضة. يقال: إنه أمر أن يُعمل له، في سبيل لهوه ومسرَّته، خمس حرّاقات (هي ضرب من السفن فيها مرامي نيران) على صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، فعملت، وسيرت في دجلة، وركب الأمين في حرَّاقة الأسد.

ومن المظاهر المرافقة لمجالس الأنس، والطرب، كان وجود المضحِّكين؛ فكانوا يلبسون ملابس مضحكة يقلدون بها الدِّبَّ، والقرد، ويعلقون في أعناقهم الجلاجل (أي: الأجراس)، مما يضحك الثكلى. وكان إذا طرب الخليفة، كلف هؤلاء المضحكين ما لا يطاق


*182*

من ضروب العذاب وهم يتلذَّذون بذلك؛ فكان الخليفة المتوكل، مثلًا، عند طربه، يأمر بأبي العِبر المضحِّك، أن يُرمى به بالمنجنيق إلى الماء، وعليه قميص حرير؛ فإذا علا في الهواء صاح الطريق الطريق؛ ثم يقع في الماء فيخرجه السباح.

إلى جانب مجالس الندماء، عقد الخلفاء مجالس الأدب، والشعر، والمناظرة؛ فقد اهتموا بسماع أخبار، ونوادر، وأشعار العرب، للترويح عن النفس من شاغل الدولة؛ وكانوا يبذلون لأهل الأدب، والشعر الأموال الطائلة، والخِلع (جمع خلعة وتعني: الثوب المُهْدى)؛ فكان هارون الرشيد أرغب الخلفاء بسماع الشعر حتى تكاثر الشعراء على بابه؛ فضاقت بهم بغداد واضطروا إلى امتحانهم، وترتيبهم في الجوائز؛ وكان إذا عنَّ للخليفة بيت من الشعر، أو قصيدة، خرج وَصيفٌ، أو حاجب، أو نحوهما، فيقول للشعراء: (مَنْ منكم يقدر أن يقول قول فلان، أو يحفظ القصيدة الفلانيَّة، فليدخل وله كذا وكذا). وكان المأمون قد افرد يوم الثلاثاء من كل أسبوع لمناظرة الفقهاء من سائر أهل المقالات.

كانت هذه المجالس، تعد من أنواع التسلية لدى الخلفاء، وقد مارسوا أنواع تسلية أخرى منها: الصيد، وسباق الخيل، ولعبة الكرة (أو الأكَرَة)؛ وكانت تُلقى في أرض الميدان؛ فيتسابق الفرسان إلى التقافها بعصا عقفاء؛ وقد عرفت هذه اللعبة بأسماء أخرى مثل: الصولجان، أو الجوكان، وهي ألفاظ فارسيَّة، وهي ما تعرف في يومنا بلعبة البولو (Polo). وكان هارون الرشيد أوَّل خليفة لعب بالصولجان، وبالنَّشاب، ولعب الطبطاب، وهي ما تشبه لعبة التنس في أيامنا.

ومنها أيضا لعبة الشطرنج، وهي تعتبر في ذلك العصر من (الآداب)، فكان المأمون قد أولِع في ممارسته لها، ويقول: (هذا مُشْحِذ للذِّهن). وقبل الشطرنج عرفوا لعبة النَّرْد، وهي عبارة عن طاولة مقسمة مثل الشطرنج، ومع أن لعبة الشطرنج قد حللها الفقهاء على أساس ألا يتراهن فيها، وألا تشغل عن الصلاة، فإنهم قد حرَّموا لعبة النرد استنادًا إلى أحاديث نبويَّة، ورغم هذا التحريم فإننا نجد الرشيد وابنه الأمين يمارسانها مع وزرائهما.


*183*

ت. الإحتفالات الرسميَّة: كان للخلفاء العباسيين، مواكب رسمية في بغداد ذاتها، في الأعياد الإسلاميَّة وغيرها من المناسبات، تسمى (الركوبات)؛ فكان الخليفة، وأهل بيته، ورجال حاشيته، وموظفوه، يخرجون في موكب رسمي؛ يعرضون أنفسهم للناس حتى تراهم العامّة، وذلك بقصد تأكيد سلطة الدولة؛ وكان الجميع يلبسون، في هذه الركوبات، زيًّا رسميًّا موحدا اسود اللون يحمل اسم الخليفة؛ وغالبا ما كانت هذه الركوبات تنتهي إلى الجوامع للصلاة.

هذا ولم تختلف حياة الخلفاء الاجتماعيَّة عن باقي رجال الدولة، والأمراء؛ فقد قلدوهم في ذلك حتى لا تجد فروقًا كبيرة بينهم (أنظر الملحق رقم 1).

ث. 2. طبقة العامَّة:

ث. 2. أ مفهوم العَامَّة، وأصلهم، وصفتهم: أما تسميتهم بالعامَّة، فيعود إلى كثرتهم وعدم إحاطة البصر بهم؛ وقد شكل عامَّة بغداد القسم الأعظم من سكان المدينة؛ وكانوا من أصول بشريَّة متعددة؛ فهم أخلاط من العرب، والفرس، والترك، والديْلم، والنبط، والأرمن، والجركس، والأكراد، والكُرج، والبِرْبِر وغيرهم؛ أما سبب تسمية العامَّة بهذا الاسم، فيعود إلى كثرتهم، وعدم إحاطة البصر بهم؛ بينما يعزو البعض ذلك إلى جهلهم بالأمور الدينيَّة التفصيلية، والتزامهم بالعموم فقط.

ومما يميز طبقة العامة عن الخاصة؛ أنهم ليسوا من أصحاب السلطة (فضلا عن جوانب اجتماعيَّة مختلفة كما سنرى)، فقد دعوا بالسوُقَة لا لأنهم أهل السوق، بل هم الرعيَّة، سمُّوا بذلك لأنَّ السلطان يسوقهم لإرادته، فينساقون له، فيقال: رجل سُوقة، وقوْم سُوقة. وقد أضحت كلمة (سُوقة) مرادفة لكلمة (عامّة). فتصنيف العامّة هذا لم يكن على أساس اقتصاديٍّ بل لعدم كونهم من أصحاب السلطة الحكوميَّة. والذين ينتمون إلى العامّة هم: أهل


*184*

المهن، والصناع، والتجار، والخدم (من الأماء والرِّقيق)، والفلاحون، والجند، واللصوص، والشُّطَّار، والعيَّارون.

لم تكن النظرة إلى العامّة، تنطوي على احترام، ومما يوضِّح ذلك، التسميات العديدة الأخرى التي أطلقت عليهم، مثل: غَوغَاء، دَهْمَاء، أوْبَاش، سَفَلة العامَّة، جُهَّال، حَشُو الرعية وغيرها. وكانت أبرز صفات العامّة الجهل، إمَّا في الثقافة العامّة، أو في الأمور الدينيَّة التفصيليَّة (بدري محمد فهد، العامة ببغداد في القرن الخامس الهجري (بغداد، 1967)، صفحة 15).

لم يأمن الخلفاء جانب العامّة، فكانوا يتجسسون عليهم باستمرار لمعرفة ما يتحدثون به، وقد ولَّى بعضُهم شخصًا خاصًّا، مهمته التجسس على العامّة، أطلقوا عليه اسم (صاحب الخبر)، ففي عهد الخليفة المأمون كان (صاحب الخبر)، إبراهيم بن السندي، روي أنَّه رفع إلى المأمون مرة (بأنَّه وجد رقاعًا في طرقات بغداد فيها شتم للسلطان، وكلام قبيح)، (وفيها تهديد، ووعيد) (احمد بن طاهر ابن طيْفور، بغداد في تاريخ الخلافة العباسيَّة (بغداد، 1968)، صفحة 36-37، 132)، وهذه إحدى الطرق التي كان يلجأ إليها عامة بغداد للتعبير عن غضبهم، وعدم رضاهم عن السلطة المركزية.

ث. 2. 2. فئات العامّة:

1. الخدم: وكانوا رقيقًا وأحرارًا. ومن النساء، والرجال على حدٍ سواء. وهم يشتغلون في خدمة الناس في بيوتهم، أو في دور الخلافة، والأمراء. وينقسم الخدم إلى ثلاث مجموعات، هي: الجواري، والرِّقيق، والخِصْيان:

كان لإنتشار الجواري في بغداد، ناحيتان: الأولى ايجابيَّة، والأخرى سلبيَّة. أمَّا الناحية الايجابية، فهي: أن الجواري أشعْن (الظرافة) مما حدا بالنساء الحرائر (أي: العربيَّات) أن يجرين في أثرهن، كحبِّ الأزهار وتعشقها، والاعتناء بها، أو كنقش الأشعار الرِّقيقة، والجُمل الطريفة، على الأقمشة، والأردية، والأكمام، والعصائب، والمناديل، والوسائد


*185*

حتى أصبح في المجتمع البغدادي جماعة من المتأنقين راعوا التأنق في الزِّيِّ، والطعام، والشراب، والسلوك. إضافة إلى ذلك، ابتكرن طريقة جديدة في تصفيف الشعر، وهي: ليِّ الشعر على صورة حرف (و)، فأطلق عليهم (الواوات) أو على صورة العقرب. وفوق هذا وذاك، فقد أدخلن (الأدب)، فكانت الجواري أنشط من الحرائر في الإنشاء الأدبي والإيحاء إلى الشعر، ولعل مرجع ذلك إلى أنه قد أتيحت للجواري فرصة مجالسة الأدباء، والشعراء دون حرج، بينما ضُرب على الحرائر (حِجاب البيت) أي منعن من الخروج بحرية من البيوت. أمَّا الناحية السلبيَّة، فهي: أن المغنيات من الجواري أي القيان، منهن من ظهرن للغناء في محال يأوي إليها الفتيان لسماعهن والأنفاق عليهن. وهذا النوع من الجواري قد نشرن ضروب المجون. فكن يوقعن الشباب الموسر بحبهن حتى قيل: (إنه لم يبتل (يُمْتحن) أحد من أهل المروءات والأدب، وأهل التظرف والأدب، ولا امتحن سُرَاة الفتيان ببليَّة هي أعظم من هوى القيان لأن حبَّهُن حبّ كذوب، وعِشقهن عِشق مشوب، وهواهن منسوب إلى المَلل) (ن.م.، صفحة 94).

أمَّا عن الرِّقيق من الخدم السودان والخِصْيان، فكانوا يلقون من العامّة كثيرًا من السخرية، ويحكى أن العامّة كانت تستهزئ بالخدم السودان في الشوارع وتصيح بهم قائلة (يا عقيق، صُبّ ماء واطرح دقيق (طحين)، يا عاق، يا طويل الساق).

2. الجند: كان الجند، في بغداد، على نوعين: الأوَّل مقيم ثابت، وهم جند الخلافة وكانوا اخلاطًا من أصول مختلفة؛ أمَّا الثاني، فكان غير مقيم فيها، بل يأتيها لفترة من الزمن ثم يتركها، وهم الجند البويهيون والسلجوقيون الذين برزوا في المجالين العسكري والسياسي في بغداد، خلال القرنين الرابع والخامس للهجر / العاشر والحادي عشر للميلاد.

3. العُمَّال: كان العمال في بغداد، من الأحرار، والرِّقيق؛ فالأحرار كانوا من ذوي المهن والصناعات المختلفة؛ ومنهم من يشتغل بأجرة يومية عند أصحاب الدكاكين؛ وقد يشتغل البعض الآخر متنقلًا أينما وجد العمل؛ فكان هذا النوع من المال يحمل أدوات عمله


*186*

ويقف في الأسواق انتظارا لمجيء من يطلبهم. كان العامل يتفق مع صاحب العمل قبل البدء بالعمل؛ وكان المحتسب هو المسؤول عن أمر العلاقة بين العامل وربِّ العمل؛ (فإنه، إذا تعدَّى مستأجر على أجير في نقصان أجرة، أو استزادة عمل، كفَّه عن تعديه، وكان الإنكار عليه، معتبرا بشواهد حاله، ولو قصّر الأجير في حق المستأجر، فنقصه من العمل أو استزاده من الأجرة، منعه منه وأنكره عليه، إذا تخاصما إليه) (انظر الماوردي، الاحكام السلطانية، صفحة 255).

كانت النظرة إلى أهل الصناعات في بداية العصر العباسي مُحْتَقَرَة، ولكنها تغيَّرت في القرن السادس للهجرة / الثاني عشر للميلاد؛ لأن الناس بدأوا ينظرون إلى الصناعات على أنها من الضروريَّات الاجتماعيَّة؛ أمَّا أنواع المهن والصناعات التي وجدت في بغداد فهي: الحبوبيون، والدقَّاقون (أي: الطحَّانون)، والخَبَّازون، وصنَّاع الزلابية، والجزّارون، والشواؤون، والرَّوَّاسون (بائعو الرؤوس)، والأكارعون (الكراع هو الجزء المستدَّق العاري من اللحم من ساق البقر والغنم)، وقلاؤو السمك، والطباخون، والهرائسيون (بائعو الهريسة وهو نوع من الطبائخ)، النقانقيون (صانعو المصارين المحشوة باللحم والتوابل والبصل)، الصيادلة، والعطارون (بائعو التوابل)، والشرابيون (صانعو الأشربة)، والسمَّأنون، والبزّازون (بائعوا الأقمشة)، والصبَّاغون، والأساكفة، والصيارفة، والصاغة، والنحاسون، والحدَّادون، والبياطرة، والحجّامون، والكحَّالون، والمجبِّرون، والجرائحيون.

4. التجَّار: لقد اعتُبر التجار من العامّة، رغم كونهم من أصحاب الثروات الطائلة؛ وذلك لأن المجتمع البغدادي، وهو مجتمع إسلامي، لم يَسُد فيه عرف قسم الناس وفق أسس مادية؛ ولهذا رأينا رجال السياسة ينظرون إلى التجار باعتبار أنهم من العامّة؛ فالوزير ابن الفرات (ت. 312ه /924م) وصف ابن الجصَّاص، تاجرًا من القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد، بأنه (رقيع عامّيّ)؛ وكان التجار في بغداد على ثلاثة أصناف:

أ. التاجر الخزّان: وهو التاجر الذي يشتري البضاعة وقت رخصها، وتوفرها في الأسواق، وكثرة عرضها، وقلة طلبها؛ فيخزنها انتظارًا لتغيير ظروف الأسواق، وقلة هذه البضاعة،


*187*

إمَّا لانقطاع وصولها، أو لصعوبة نقلها، أو تأخرها عن أوقات ورودها؛ وعندها يعرضها للبيع ليجنيَ الأرباح الطائلة.

ب. التاجر الرَّكّاض: وهو الذي يذهب لجلب السلع من البلدان الأخرى لتسويقها في بغداد؛ وكان عليه أن يعرف أوَّلًا نوع السلع التي يجب جلبها؛ ثم أن يعرف أحوال الطرق التي سيجتازها، أو الحوادث المتوقعة في البلد الذي يقصده.

ت. التاجر المُجهّز: وهو الذي يستقر في السوق؛ ويزود وكلاء له في بلدان مختلفة لهم خبرة في التجارة؛ ويثق بهم قبل كل شيء، فيتفق معهم على حصة معينة من الربح؛ فيرسل لهم البضائع لبيعها ويترك لهم حرية التصرف في بيعها.

كانت كل مجموعة من دكاكين التجار، أو الباعة تكوِّن سوقًا قائمة بذاتها؛ تختلف في مبيعاتها، وتجارتها عن الأسواق الأخرى؛ فحافظت هذه الأسواق على تخصصها؛ فكانت هناك سوق العطارين، والصيادلة، والبزَّازين، والجواهريين وغيرها.

لقد لعبت الأسواق دورا هامَّا في حياة بغداد الاجتماعيَّة، والاقتصادية، والثقافية، فكانت هذه الأسواق تتخذ مكانًا لمتابعة الدرس، ولاسيَّما سوق الورّاقين فيها، حيث كانت تعقد فيها مجالس العلم، ويلتقي فيها الأدباء، والعلماء.

5. الباعة: وهم يتولون بيع المواد الاستهلاكية الضرورية لحياة الناس اليومية، وهؤلاء يقسمون إلى قسمين: القسم الأوَّل: الباعة الثابتون، وهم: أصحاب الدكاكين في الخانات، والأسواق، والقسم الثاني: الباعة المتجوِّلون، وهم: الذين لا يستقرّون في مكان معين؛ ويطلق عليهم، أيضا، اسم (الطوَّافين)؛ لأنهم كانوا يطوفون ببضاعتهم في شوارع بغداد.

6. الدَّلالون: وهم مَن يدللون على البضاعة، في السوق، لاغراء المشترين؛ ولهذا تعرَّضوا لمراقبة المحتسب باستمرار؛ (فكان يُقرُّ منهم الأمناء ويمنع الخونة وهم السماسرة الذين يدلّون المشتري على السلع وأثمانها؛ فهم، إذًا، واسطة بين البائع والمشتري؛ ولذلك كانوا يأخذون


*188*

نماذج من بضائع الباعة، أو التجار؛ ويعرضونها عر المشتري؛ وقد يلجأون إلى استخدام شتى أنواع الحيل، حتى الكذب، بهدف إقناع المشترين.

7. الشُّطّار والعيَّارون:

7. أ. في تعريف الشُّطّار، والعيّارين: الشاطر: هو الذي شَطَرَ (أي: انفصل) عن أهله وتركهم مُرغمًا، أو مخالفا؛ وأعياهم خبثا، ومكرًا؛ وسار على صِراط غير مستقيم؛ وهي صفة تطلق على الرجل الواسع الحيلة، والدهاء؛ أمَّا العيَّار، فهي صيغة مبالغة للعائر وهو: المتردِّد، الجوَّال، والنشيط في المعاصي (والمثل العربي يقول: (لاحق العيَّار لباب الدار)، أي راقب الشخص حتى تعرف ما في نيته عمله).

الشُّطّار والعيّارون، هم خليط من أدنى عامّة بغداد؛ وقد اطلق عليهم ألقاب تدل على وضعهم الإجتماعي مثل: فُسَّاق، أوْباش، غوْغاء، سفلة العامّة، زُعّار (جمع أزعر وهو الشرس، سيء الخُلق)، دُعّار (جمع داعر وهو الفاسق، والفاسد، والفاجر)، لصوص، حراميَّة، فَجَرة، سُوقة، رُعاع، طُغَّام، عُراة، طرَّارون (جمع طرَّار، وهو: الذي يطرّ أي: يشق الثوب، او كيس الدراهم المشدود على الوسط)، نطَّافون (النطاف هو الرجل المهيب المتهم) مقامرون، أهل السجون، أنذال، باعة الطريق، وغيرها؛ وهي، ولا شك، تدلّ على نظرة المجتمع البغدادي السلبيَّة نحوهم.

لقد عانى الشُّطّار والعيّارون من قلق الحياة الإقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والسياسيَّة؛ فقد اصابهم الفقر الشديد؛ فانتظموا في وحدات مسلحة عرفت بالفصيلة، وتتشكل من عشرة أفراد، يقودها عريف، والسَّريَّة، وتتشكل من عشرة فصائل ويقودها نقيب، والكتيبة، وتتشكل من عشر سرايا ويقودها قائد، ثم (الفيْلق)، ويتشكل من عشر كتائب، ويقوده أمير.

كان أوَّل ظهورٍ، للشطَّار والعيّارين على مسرح الأحداث في بغداد، خلال الحرب الاهليَّة بين الأخوين: الأمين والمأمون سنة 197ه /812م. ذُكر أنهم كانوا يدافعون عن بغداد، التي


*189*

حاصرتها جيوش المأمون ويقاتلون عراة في أوساطهم التبابين (سراويل صغيرة تستر العَوْرَة) والميازر (جمع مِئزر، وهو: سروال متوسط يصل إلى الركبتن)؛ وقد اتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخُوص (سُعَف النخل) يسمونها (الخُوَذ) (جمع خُوْذة)، ودَرَقًا من الخُوص والبواري (جمع بارية وهي التُرس)، قد قيِّرت وحشيت بالحصى والرمل (المسعودي، مروج الذهب، ج 3، صفحة 411).

7. ب. نشاط الشُّطّار والعيّارين:

كوَّن الشُّطّار والعيّارون إحدى الحركات الشعبية النشطة في المجتمع البغدادي، على امتداد القرنين الرابع والخامس للهجرة / العاشر والحادي عشر للميلاد؛ وانضم بعضهم وراء زعيم منهم؛ وقاموا بممارسة أعمال السطو ضد التجار، والأغنياء، ورجال الدولة في المدينة وضواحيها؛ فكانوا يسطون على الأسواق؛ أو يقومون بقطع الطرق على التجار القادمين من بغداد وإلهيا، ومصادرة أموالهم؛ ولقد عبَّر أحد العيّارين ويسمى ابن حَمْدُون، كان يقطع الطريق بالقرب من بغداد، عن الدوافع التي جعلته يمارس مهنة قطع الطرق، فقال:

يا هذا، الله بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعله نرتكب أمرًا عظيمًا مما يرتكبه السلطان.

وأنت ترى أن ابن شيراز في بغداد يصادر الناس ويفقرِّهم، حتى يأخذ الموسر المُكثر، فلا يخرج من حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصدقة (أي: طلب التصدق وهي المثوبة)، وكذلك يفعل البريدي في واسط، والبصرة، والديْلم في الأهواز، وقد علمت أنهم يأخذون أصول الضياع، والدور، والعِقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحُرْم والأولاد، فاحسب أننا نحن مثل هؤلاء، وان أحدا منهم صادرك.

فقلت: أعزَّك الله، ظُلم الظَّلَمَةِ، لا يكون حُجَّة، والقبيح لا يكون سُنَّة (طريقة ومنهج)، وإذا وقفت أنا وأنت، بين يدي الله (عزَّ وجلَّ)، أترضى أن يكون هذا جوابك له؟ فأطرق مليًّا، ولم أشك في أنه يقتلني، ثم رفع رأسه، فقال: كم أُخِذ منك؟ فصَدَقَتُه.

فقال: أحضروه، فأُحْضِر، فكان كما ذكرت، فأعطاني نصفه (المرجع; أبو علي المحسن التنوخي، الفرج بعد الشدة، تحقيق عبود الشالجي، ج 4، صفحة 239).


*190*

ولقد كثُرت هجمات هؤلاء الشطار والعيارين؛ واتسع مداها خلال القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد؛ وتأذَّى الناس منها أذىً شديدًا؛ بينما وقفت السلطة المركزيَّة عاجزة عن منعهم؛ أمَّا السلطان، فكان يعتز بهم، ويعتبرهم من بطانته. يقول المؤرخ محمد بن جرير الطبري (ت. 311ه /923):

كان فُسّاق الحَرْبيَّة (وهي مَحَلَّة تقع في الجانب الغربي من بغداد)، والشطّار يَجْتَمعون فيَأتون القرى، فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك لا سلطانَ يمنعهم، ولا يقدر على ذلك، منهم لأن السلطان كان يعتزّ بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنعهم، من فسَق يركبونه، وكانوا يجبون المارَّة في الطريق، وفي السفن، وعلى الظُهُر (أي: ظهر الدوابِّ) ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يعدو عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم، ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطُربُل (وهي ناحية في بغداد الغربية)، فأنتهبوها علأنية، واخذوا المتاع، والذهب، والفضة، والغنم، والبقر، والحمير، وغير ذلك، وادخلوها بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم (طلبوا نصرته)، فلم يمكنه أعداؤهم عليهم، ولم يردّ عليهم شيئا مما كان أخذ منهم، وذلك آخر شعبان (22 آذار 201ه / 817) (المرجع: الطبري، م.س.، ج 9، صفحة 414-415).

ولما وجد الناس أن هؤلاء (الفُسَّاق) يصولون ويجولون لا سلطان يمنعهم، بادر صلحاء كل حي إلى تنظيم صفوفهم، للتصدي لهم، وقطع دابرهم. قال المؤرخ الطبري:

قام صُلحاء كل رَبَض (حارة) وكل درب، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم، فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدًا، لقمعتم هؤلاء الفسّاق (أي: الشطّار والعيارون)، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من اظهار الفسق بين اظهركم (المرجع: الطبري، م.س.، ج 9، صفحة 415).

واستمرت هجمات الشطَّار والعيّارين، خلال القرن الخامس للهجرة / الحادي عشر للميلاد وحتى كادت أن تكون سنوية، وبرز من بين قادتهم في هذا العصر، شخص يدعى (أبو علي


*191*

البُرْجُمي) الذي كان مجرد ذكر اسمه هو مصدر رعب للكثير من سكان بغداد وضواحيها، لتتعرف إلى ذلك، إقرأ النص التالي:

كَثُرت العملات والكبسات في الجانب الشرقي من المعروف بالبُرْجمي، ومن معه من الدعّار، والمتغربين من الأجمة بالأخمرية (وهو مقرّه وحوله ماء وقصب)، وكانوا يدخلون على الدار، التي يعينون عليها، من نقوب ينقبونها (أي: إخراج حجر من المبنى) به، فيصيح أهلها، ويطلبون مغيثًا، أو معينًا من الأتراك (جند السلاجقة) الذين يجاورونهم، فلا يخرج أحد منهم من داره، ولا يمتعض لما يجري في جواره وزاد الأمر بخلو الجانب الشرقي من ناظر في معونة. ودخل على أبي بكر بن تمام الخطيب، ومنزله ملاصق مسجد القهرمانة بازاء دار المملكة (مقرّ السلطة)، واستغاث بالملك ودعاه باسمه، فلما كان في ليلة السبت لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 420ه / 1029م ارتفع الصياح ليلًا في جوار دار المملكة لأن هؤلاء الدعّار قصدوا دارًا لبعض الأتراك وحاولوا الوصول إليها، فنُذر بهم وسمع الملك الصوت، فركب في غلمانه، وحواشيه، وخرج إلى باب درب حمّاد، فطلب القوم، وخرج كثير من العامّة يدعون له، ويذكرون الأتراك بما يعجزونهم فيه، فعاد إلى داره وتعدى الفساد من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي، وكُبست فيه دور، وفتحت دكاكين، وكُبس جامع الرُّصافة ليلًا وأخذت ثياب من فيه، واستؤذن الخليفة في تحويل آلات الجامع من الستور، والقناديل، فحولّت بالرُّصَافة (المرجع: عبد الرحمن بن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج 8، صفحة 200-201).

إن السلطة المركزيَّة، وبسبب تسلط القادة العسكريّين، من البويّهيين أولا، ثم السلاجقة ثانيًا، قد عجزت عن كبح جِمَاح الشطار والعيارين؛ كثيرا ما اضطرها إلى انتهاج سياسة المهادنة نحوهم؛ فكانت تتنازل لهم عن جباية الأسواق؛ وبذلك حلّوا محل السلطة في الجباية من السكان؛ أمَّا التجار والأغنياء، الذين فقدوا الثقة بحماية الدولة لهم، فكانوا يلجأون إلى مداراة الشطَّار والعيَّارين، وملاطفتهم اتقاءً لشرهم، وذلك بتقديم الهدايا لزعمائهم.


*192*

7. ت. مميِّزات الشُّطّار والعيّارين:

لم يكن الشطَّار والعيَّارون مجرد لصوص، بل كانت لهم صفات خاصَّة وأخلاق، جعلتهم مختلفين عن عصابات اللصوص في أيامنا. أمَّا هذه الصفات، فيمكن إيجازها، كالتالي (فهد، م.س.، صفحة 308-309):

أولا: إنهم لم يصادروا إلا أموال التجار، والأغنياء، ورجال الدولة؛ ولم يجدوا بعملهم هذا حرجًا أو نوعا من اللصوصية، بل صناعة يحللونها، على حد قولهم، على أساس أن ما يستولون عليه من أموال التجار، والأغنياء، هي: زكاة تلك الأموال، كما أوصى بها الإسلام، للفقراء والمساكين (كما بينا في حديثنا عن مالية الدولة الإسلاميَّة) (التنوخي، م.س.، ج 4، صفحة 232). هذا ولم يتعرضوا لأصحاب البضائع القليلة؛ ولم يفتشوا امرأة ولم يسلبوها؛ إذ روي عن العيّار ابن حَمْدون، الأنف ذكره، أنه (إذا قطع الطريق لم يَعْرِض لأصحاب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا اخذ ممن حاله ضعيفة شيئًا، قاسمه عليه، وترك شطر ماله في يديه، وأنه لا يفتش امرأة، ولا يسلبها) (ن.م. صفحة 238-239).

ثانيًا: عدم بوحهم بأسرار أصدقائهم، ومؤيديهم مهما لاقوا من تعذيب، أو إيذاء؛ وواضح من هذه الصفة أن العيَّار يقوم بما لا يمكن أن يقوم به لصّ عادي؛ ومن جهة أخرى فان هذه الصفة تظهر قوة الرابطة التي تجمعهم؛ والتي تَحول دون إفشاء بعضهم لأسرار بعضهم الآخر، مهما تنوع التعذيب والإيذاء.

ثالثًا: كانوا يحرصون على شرفهم، ولا يزنون، ولا يهتكون عِرْض امرأة.

رابعًا: صبرهم على الشهوات.


*193*

خامسًا: محافظتهم على شرف الكلمة، فلا يتنازلون عن كلمة قطعوها لإنسان، وإن تعرضوا بسببها إلى التصادم مع السلطة الحاكمة؛ فقد طلب من شاطر أن يسلم إلى السلطان غلامًا كان يخدمه، فرفض، فضُرب ألف سوط، لكنه استمر على إصراره.

سادسًا: إنهم لا يكذبون، فقد جاء عن أحدهم أنه كان مسجونًا، ثم سمع بمجيء تاجر ومعه جوهر يقدر قيمته بألوف الدنانير، فأغراه ذلك بالخروج من السجن لسرقته، ولما كان لا يستطيع الهرب من السجن، اتفق مع السَّجَّان على أن يعود إلى سجنه مباشرة بعد سرقة الجوهر وكان الضمان الوحيد الذي قدمه للسجان هو كلمة وعد؛ وعده بها بأن يعود إلى سجنه مباشرة بعد سرقة الجوهر، وقد وفى بوعده.

فهذه أخلاق تشهد على أن للقطار والعيَّارين مبادئ معينة، حاولوا تطبيقها في المجتمع البغدادي؛ وكان في جملة هذه المبادئ إعادة توزيع الثروة، لذلك كانت هجماتهم مستمرة على التجار، ودور الأغنياء، ورجال الدولة في بغداد وخارجها.

صورة لزخرفة اسلاميَّة


*194*

ـ أسئلة

1. اشرح دوافع، ومميزات بناء مدينة بغداد، وتخطيطها.

2. إشرح ثلاثة مميزات لحياة الخاصة في مدينة بغداد.

3. ما هو مفهوم كلمة (العامّة)؟ وضِّح مشيرا إلى الصفات التي ميزتهم.

4. ما هي أقسام العامَّة في بغداد؟ وضِّح

5. إلى أي مدى أثر انتشار الجواري في بغداد على المجتمع البغدادي؟ وضِّح ذلك.

6. تحدث عن الحياة الاجتماعيَّة للعمال والتجار، في المجتمع البغدادي.

7. ماذا نعني بالشاطر والعيّار؟ وضِّح.

8. لماذا لجأ الشطار والعيَّارون إلى اعمال السطو؟ وضِّح ذلك

9. بيّن التنظيم العسكري للشطّار والعيّارين.

10. كيف حاول سكان بغداد مقاومة نشاط الشطّار والعيّارين؟ إشرح

11. ما هي المميزات التي تميّز بها الشطّار والعيّارون؟ وضِّح

نهاية الكتاب