كتاب التربية الإسلامية
الصف التاسع
تأليف: سفيان كبها
فائدة أبو مخ
مكتبة كل شيء
2019
صفحات بخط عادي 7-191
الناسخة: سمر عواوده
المكتبة المركزية للمكفوفين
وذوي عسر القرائي
إسرائيل تل أبيب 2020م
رقم التسلسل: 58855
يمنع نسخ أو نقل النسخة الملائمة معارضة لأوامر قانون تنسيق الاعمال والآداء، والبث للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لعام 2014 تشكل خرقًا لحقوق المنتجين.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
اَلحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، معلّم الخير للناس أجمعين، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فبفضل مِنَ الله تعالى وتوفيقه نضع بين أيديكم كتاب التربية الإسلامية للصف التاسع، وفق المنهاج الجديد للدين الإسلامي، هذا الكتاب الذي يمثل لبنة في بناء جيل يتمتع أفراده بشخصية إسلامية واعية بأمور دينها ودنياها، ومدركة لحق ربها ونفسها ومن حولها، وحريصة على أداء مسؤولياتها تجاه مجتمعها.
وقد اعتمدنا في تأليف هذا الكتاب الأسس والمعايير الآتية:
- الحرص على تنفيذ المنظومة التعليمية لوزارة التربية والتعليم، من خلال برنامج: "تعلم ذو معنى"، آخذين بعين الاعتبار التركيز على مهارات التفكير المختلفة، وذلك بإثراء الكتاب بالأنشطة والمهارات المنوعة، ليصل التلميذ إلى المعلومة بنفسه من خلال الاكتشاف والاستنتاج، والبحث أيضا عن المعلومة من مصادرها المعتبرة، ليكون التلميذ فاعلا في العملية التعليمية والتعلمية.
- حسن العرض والترتيب وسهولة العبارة، حيث تم عرض المادة بأسلوب يناسب قدرات التلاميذ: اللغوية والمعرفية والعقلية، مع الحرص على تنمية هذه القدرات والمهارات، ومراعاة الفروق الفردية بينهم.
- تنمية مهارة البحث لدى التلاميذ في مصادر المعلومات المختلفة، ومنها المواقع الإلكترونية المختلفة، وحرصا منا على تصفح التلاميذ للمواقع النافعة المفيدة، بعيدا عن المشبوهة وغير الموثوقة، اخترنا بعض المواقع الإلكترونية، ووضعنا روابطها في قائمة المراجع في نهاية الكتاب، والتي يُطلب من التلاميذ الاعتماد عليها عند توجيههم للبحث عن المعلومات المطلوبة.
- الاعتماد على المصادر الأصلية ما استطعنا، وعلى منهجية فقهية من خلال التقيد بمذهب فقهي واحد، وهو المذهب الشافعي، إلا في بعض المسائل التي أشير إليها في المحتوى. وكذلك الأمر في باب العقيدة، حيث جاء موافقا لما عليه جمهور العلماء مِنْ أهل السنة والجماعة.
- وختاما نأمل من الله تعالى أن نكون قد وفقنا في عملنا هذا إعدادا وتخطيطا وتنفيذا، ونسأله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب ويكتب له القبول.
- والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلفون
2019
محتويات الكتاب
الفصل الأوَل: العقيدةُ الإسلاميةُ صفحة 85-5
الفصل الثاني: السنّة النبويّة صفحة 86-174
الفصل الثالث: تزكيةُ النفسِ صفحة 196-175
الفصل الأوَّلُ
العَقيدةُ الإسْلامِيَّةُ
العقيدةُ والإيمان صفحة 7
مِنْ نواقض الإيمان صفحة 11
الإسلام والإيمان والإحسان صفحة 17
العقيدة الإسلامية ومعتقدات الجاهليّة صفحة 21
أثر الإيمان على تصرفات المؤمنين صفحة 25
التوكل والتواكل صفحة 29
الملائكة والإنس والجنّ صفحة 33
المعجزة والكرامة صفحة 41
محبّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الإيمان صفحة 46
هدف خَلق الإنسان صفحة 50
الحياة والموت صفحة 55
مِنْ أحداث اليوم الآخر صفحة 59
خصائص الجنّة والنار صفحة 70
الإيمان بالقضاء والقدر صفحة 81
تمهيد
إنّ للإيمان اركانًا ستّة يقوم عليه بنيانه، ولا يصحّ إيمان مَن لم تجتمع فيه هذه الاركان كلّها، قال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (177)). سورة البقرة
وقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)). سورة البقرة
وقال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)). سورة القمر.
وقد جاء ذكرها مجتمعة في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا سأله سيدنا جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ وَملائِكَتهِ وَكُتُبهِ ورُسُلهِ واليومَ الآخرِ والقدرِ خيرِهِ وَشرِّهِ). رواه مسلم
ونعرض في هذا الفصل بشيء من الإيجاز لبعض هذه الأركان، فنتحدّث عن مفهوم الإيمان والعقيدة، ونعرف بمقتضيات التوحيد، ونعرّف كذلك بالإسلام وإيمان والإحسان، ونعرض لبعض نواقض الإيمان، وفي الحديث عن الملائكة؛ نذكر أصنافهم ونبين بعض وظائفهم، ونتحدث فيما يخص ركن الإيمان بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام حول معجزاتهم، مفهومها وإمكانها، ونفرق بين المعجزة وغيرها، ونضرب لذلك الأمثلة التي توضح المقصود. ونتحدث فيما يخص ركن الإيمان باليوم الآخر حول البعث والحشر والعرْض والحساب، وعن شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومحبته، وعن الجنة وصفتها وخصائصها ونعيم أهلها، وذكر شيء من كرامتهم وسعادتهم وسرورهم، وعن النار وجحيمها، وحال أهلها وذكر شيء مما يلاقونه من الشقاوة والخزي والخذلان وبمن العذاب الأليم المهين والخُسران.
ونتذوق معا بعض ثمرات الإيمان ونلحظ أثره في حياة الفرد وعلى المجتمع.
ونتحدث فيما يخص ركن الإيمان بالقضاء والقدر، عن مفهمومهما، ووجوب رعاية الأسباب، ونضرب لذلك الأمثلة التي توضح المقصود.
ونعرض كذلك للهدف من خلق الإنسان، وكيف يحقق الإنسان ما خُلق له.
ونتذوق معا بعض المعاني الإيمانية والفوائد التربوية.
*7*
*7*
أَقرأُ وأفهمُ
وقال تعالى:
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)).
سورة التوبة.
وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)). سورة النحل.
وقال (صلى الله عليه وسلم):
(الإيمانُ بِضْعٌ وَسِتّوُنَ شُعْبَةً والحيَاءُ شُعْبَةٌ مَنَ الإيمَانِ). رواه البخاري ومسلم.
وقال (صلى الله عليه وسلم):
(ذاقَ طعمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وبالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً). رواه مسلم.
عن عُمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: (إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسُننا، فمن استكملها استكمل الإيمانَ، ومن رَضيَ بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولاً). رواه مسلم.
*8*
مفهومُ الإيمان والعقيدة:
الإيمانُ بالله تعالى يعني التصديق بوجود اللهِ تعالى تصديقاً جازمًا، وهو سبحانه واحد أحد لا شريك لهُ، وهو ربُّ كل شيء وخالقهُ، يتصفُ بصفات الكمال والجلال كلها، ليس كمثله شيء، وكل ما في الكون يدل دلاله واضحة على وجودهِ وقدرته سبحانه.
والعقيدةُ مصطلح أطلقه العلماء المتأخرون على جملة المسائل التي تتعلق بالإيمان، قال تعالى:
(ليسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (177)). سورة البقرة، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) حين سألهُ سيدنا جبريل عن الإيمانِ: (أن تُؤمنَ باللهِ وملائِكتهِ وَرُسلهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمنَ بالقدرِ خيرهِ وشرهِ). رواه البخاري.
والعقيدة الإسلامية هي الثوابت والمسلمات والأمور القطعيةُ التي يقوم عليها الدين، ولهذا يُطلق على علم العقيدةِ علم أصولِ الدينِ.
والتوحيد هو أساس العقيدةِ الإسلامية، ويعني: أنه سبحانه هو الربُّ لا ربَّ سواه، وأنه هو الإله الحق لا إله إلا هو، وأنه المعبود بحق فلا معبود سواه.
ولأجل التوحيد خُلقَ الخَلقُ، وبعث الله الرُسلَ، وأنزلت الكتبُ السماوية.
منْ مقتضياتِ التَّوحيدِ:
1. تنزيهُ الله تعالى عن كل وصفٍ لا يليق بِهِ سُبحانهُ، فلا يُوصفُ بنقص ولا ضعفٍ ولا خوفٍ ولا عجز، وتعظيمهُ ووصفهُ بصفات الكمال ونعوت الجَلال.
2. إفرادُ اللهِ وطاعتهُ بالعباد، ونقرأ دائما قوله تعالى: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) سورةالفاتحة.
3. طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسوله (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى
*9*
رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12)) سورة التغابن.
4. الاستسلامُ لأحكامِ الله تعالى والإذعانُ لها، وعدم الاعتراض عليها، قال تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ (54)) سورة الزمر.
أتعلمُ:
-. أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ. فمنْ أسلم بلسانهِ فلا بُدَّ أنْ يُصدقَ بقَلبهِ وأن يعمل بجوارحِهِ حتّى يَكون مُؤمنًا وفي الحديثِ: (قُلْ آمنتُ بالله ثُمَّ استَقمْ).
- أن أوثق عُرى الإيمان؛ الحُبُّ في اللهِ والبُغضُ في الله. فنحب كلَّ طَيبٍ ومعروفٍ، ونكرهُ كُلَّ سوءٍ ومنكرٍ وَشَرٍّ.
- أن الإيمان الصادق يستلزمُ العمل الصالحَ.
- أن الإيمان يجعل الحياة الطيبة في الدنيا والفوز بالجنة في الاخرةِ.
- أن الإيمان يجعلُ النفسَ مًطمئنةً راضيةً قانعةً بما يُقدرهُ اللهُ ويقضيهِ عليها ولها.
*10*
التقويم
أجبْ عمَّا يأتي:
1. من صفات الله تعالى: الحياةُ فهو الحيُّ، والبقاءُ فهو الباقي، والعلمُ فهوَ العليمُ... اذكر خَمْسَ صفاتٍ أخرى من صفات الله تعالى!
2. مَنَ العبارات الصحيحة المشهورة: التوحيد حقُّ اللهِ على العَبيدِ". اشرح كيف كيف يكونُ ذلك!
3. ذكر اللهُ تعالى في آية الكرسي جُملة من الأسماء والصفات بلغت عشرة.
أذكرها مُرتبةً حسب وُرودها في الآيةِ.
اِبحث في مصادر المعلومات وأجب:
قال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ، وَجَدَ حَلاوَةَ الْإيمانِ.)
الحديث. ما هي هذه الخَصالُ الثَلاثُ؟
*11*
*11*
(اَلكُفْرُ، الشرْكُ والنفاقُ)
بعد تحقق الإيمان في قلب المُسلمِ، لا بُدَّ للمسلم من صِيانته وتعهده فلا ينتقض، فهناك أمور تُنقِضُ الإيمان وتُبطل التوحيدَ، ؤالمؤمن الصادق يجتنبها ويحذر منها غاية الخدر، ومن هذه النواقض:
أولاً - الكُفر:
هو أن يُنكرَ الإنسان بقلبه أو بلسانه ركنًا من أركان الإيمانِ؛ كالإيمان بالله تعالى أو الملائكة أو اليوم الآخر، أو ركنا من أركان الإسلام؛ كالصلاة والزكاة وغيرهما. فمن أنكر من ذلك شيئا كان كافرا، وخرج من الدين الإسلامي، وحبط عمله، قال تعالى:
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) 5)) سورة المائدة، ومن مات مُصرًّا على كفرهِ استحق الخلود في النار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) سورة البقرة.
ثانيا - الشرك:
هو أن يجعل الإنسانُ شريكا لله تعالى، فيعبده ويتقرب إليه، وهذا الشرك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، حيث يُخرج صاحبه من الدين الإسلامي، ويُخلدة في النار إذا مات ولم يَتُبْ عنهُ، ولهذا وصفه الله تعالى بالظلم العظيم، قال تعالى:
(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) سورة لقمان.
*12*
مناقشة
- لماذا وصف الله تعالى الشرك بأنه ظلم عظيم؟
أن يعتقد الإنسان أن أحدا يشارك الله في الخلق أو الرزق أو الإماتة أو الإحياء، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) سورة الروم.
أن يصرف الإنسان شيئا من العبادة لغير الله تعالى، مثل الشرك في في الدُعاء بأن يدعو صنمًا، أو يطلب مغفرة من وثن، أو يستجد لحجر، أو أن يتخذ آلهةً من دونِ اللهِ يُحبها حُبًّا كحب الله، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (165)
سورة البقرة.
أقرأ وأسنتنج آثار الشِرك:
مَنْ مات مشركا بالله شركا أكبر فقد حبِط عمله، قال تعالى:
وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 88) سورة الأنعام.
مَنْ مات مشركا بالله شركا أكبر فلا يغفر له، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) سورة النساء.
مَنْ مات مشركا بالله شركا أكبر فإن الله قد حرّم عليه الجنّة، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) سورة المائدة.
*13*
ثالثا - النفاق:
وهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله ويُبطن الكفرَ، وهذا النفاق كُفر، أو أن يعمل شيئا من أعمال المنافقين مع وجود الإيمان في القلب؛ وهو دون الكفر. فالنفاق نوعان:
أولا: النفاق الاعتقادي: وهو إظهار الإسلام وإبطان الكُفْر.
فلمنافق يقوم بأداء بعض الشعائر الظاهرة؛ كالصلاة ونحوها، ولكن قلبه لا يؤمن بالله، أو يعتقد أن دين الإسلام ناقص لا يصلُح لكل عصر، أو نحو ذلك، فالنفاق أشد وأكبر من الكفر، لأن المنافق يظهر الإسلام وهو كاذب يُبطن الكُفر، ولهذا كان المنافقون أشد عداوة من الكفار، فهم المخادعون للمؤمنين، ولذلك هم أشد عذابا في الآخرة، قال تعالى:
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)
سورة النساء.
ثانيا: اَلنفاق العملي: وهو عمل شيء من أعمال المنافقين، مع بقاء الإيمان في القلب.
النفاق العملي محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، ومن فعل خصلة من خصاله ففيه خصلة من خصال المنافقين، ولكنه لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامي. وللنفاق خصال متعددة، منها: الكذب في الحديث، إخلاف الوعد، خيانة الأمانة والغدر في المعاهدة. ويدل على هذه الخصال قوله (صلى الله عليه وسلم): (آيةُ المنافقِ ثلاثٌ إذا حدّثَ كذَبَ، وإذا وَعَدَ أخْلفَ، وإذا أؤتِمنَ خانَ). أخرجه البخاري. وقوله (صلى الله عليه وسلم):
(أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصا، ومن كانت فيه خُلّضة منهن كانت فيه خُلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر).
أخرجه البخاريّ.
*14*
أكتشف؟
نواقض الإيمان: هي التي تفسدُهُ وتُخرج من وقعَ بها مِنْ دين الله، فيصبح كافرًا مرتدًّا، ومنها: الكُفْر، الشرك والنفاق.
أثري معلوماتي
آلفرق بين الكافر والغاسق والعاصي
الكافر: هو الذي يُنكر بقلبه أو لسانه ركنا ين أركان الإيمالى كالإيمان بالله تعالى أو الملائكة أو اليوم الآخر، أو ركنا من أركان الإسلام كالصلاة والزكاة وغيرهما. فمن أنكر مِنْ ذلك شيئا كان كافرا، وخرج من الدين الإسلاميّ.
اَلفاسق: هو الخارج عن طاعة الله، لأن الفسق في اللغة هو: الخروج عن طاعة الله،
والفاسق هو من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب دون الشِرْك، فهو يُسمى فاسقا ساقط العدالة، فهو ليس بكافر، وإنما مؤمن آثم وناقص الإيمان، لا تُقبل شهادته ولا يُقبل خبره، ولا يعتبر عدلا حتى يتوب إلى الله (سبحانه وتعالى)، قال تعالى:
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)) سورة النور.
اَلعاصي: هو الخارج عن طاعة الشرع، والمخالفُ لأمره، ويتفاوت حاله بحسب كبَر المعصية وصغرها، وقد يصل إلى درجة الفسق وقد لا يصل، إلا أنّه لا يَخرجُ منَ الدين الإسلاميّ.
*15*
الفرق بين الفسوق والعصيان: العصيان دون الفسوق. والذنوب منقسمة إلى صغائر وكبائر، فذنوب الفسق؛ كبائر. والعصيان هو الصغائر، قال تعالى:
(وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)) سورة الحجرات.
فجمعت الآية الكريمة بين الكفر والكبائر والصغائر، وتسمى بعض المعاصي فسقا دون البعض.
*16*
اَلتقويم
أجبْ عمّا يأتي:
1. ما المقصود بالمفاهيم الآتية: الكُفر، الشِرْك والنِفاق؟ هات مثالا على كلٍّ منها.
2. ما الفرق بين النفاق الاعتقاديّ والنفاق العمليّ؟
3. ما الدليل عاى أنّ الكُفْر يُحبِط العمل؟
4. ما الأسباب التي تدعو الناس إلى النفاق بِرأيك؟
5. اِستخرج من الآيتين الكريمتين الآتيتينِ صفات المنافقين الواردة فيهما، قال تعالى:
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) 143)) سورة النساء.
6. ما الفرق بين الكافر والقاسق والعاصي؟ وضّح ذلك منْ خلال الأمثلة.
ابحث في مصادو المعلوماي وأجب: ما المقصود بالشركِ الخفي؟ هات مثالا على ذلك.
*17*
*17*
شرع الله تعالى للناس منهجا يسيرون عليه، وكلّف الرسل عليهم الصلاة والسلام بتبليغ هذا المنهج لهم، لتحديد مسيرة حياتهم وتوجيهها نحو تحقيق الهدف الذي خُلقوا من أجله، وهو عبادة الله (سبحانه وتعالى) قال تعالى:
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (13)) سورة الشورى.
وقد ارتضى الله تعالى لعباده دين الإسلام بقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19)) سورة آل عمران.
وللدين الإسلامي أسس ثلاثة هي: الإسلام، الإيمان والإحسان.
مفهوم الإسلام:
الإسلامُ هوَ الخضوع لله تعالى والانقيادُ لطاعته فيها أمرَ به وما نهى عنه دون اعتراض، والرضى بالعبودية الكاملة لله رب العالمين، ومعنى ذلك أن يقبل الإنسان الدين الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ويعتبره منهاج حياته فكريًّا وعمليًّا، قال تعالى:
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) سورة الأنعام.
مفهوم الإيمان:
هو التصديق واليقين الذي لا يخالطه شك بالله تعالى، والعمل بما يتطلبه الإيمان بالله تعالى من اعتقاد أو قول أو فعل أو تركٍ.
وعاى هذا يستلزم الإيمانُ الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد بالقلب، أو قوْلٍ باللسان فقط، وإنما هو عمل بالجوارج أيضًا، ولذا قرن الله تعالى العمل بالإيمان في كثير مِنْ آيات القرآن الكريم كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) سورة الكهف.
*18*
مناقشة
ناقش العبارة التالية:
-. ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي ولكن هو ما وَقَر في القلب وصدّقه العمل".
مفهوم الإحسان:
الإحسان هو مراقبة الله تعالى في السرّ والعلن، وهو أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) 112( سورة البقرة.
والإحسان يجعل المسلم يتذكّر في قيامه وقعوده وخلوته أن الله تعالى مطّلع عليه، وناظر إليه، فلا يعصيه، ولا يحسّ بالحاجة إلى أحد سواه، فيطلب منه ويدعوه وحده، فإن عصى رجع إلى الله وتاب إليه فيتوب الله عليه.
أثرُ مُرَاقبةِ اللَّهِ في السرِّ والعَلَنِ
- الفوز بالجنة والنجاةُ مِنَ النار.
- الأمْنُ مِنَ الفزع الأكبر يومَ القيامة.
- دليلٌ على كمال الإيمان وحسنِ الإسلام.
- تثمرُ محبةَ الله تعالى ورضاه.
- تُثمر في قلب المؤمن خشوعًا وخوفًا وهيبةً وتعظيما لله تعالى، وإخلاصًا له في جميع الأحوال.
*19*
نشاط جماعيّ: نقرأ ونستنتج أركان الإسلام والإيمان.
عن عُمرَ بن الخطاب (رضي الله عنه) قال:
(بينما نحن جُلوس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثِّياب، شديدُ سوادِ الشَّعْر، لا يُرى عليه أثَرُ السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحد، حتى جلس إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسندَ رُكْبتيهِ إلى رُكبتيهِ، ووضعَ كَفَّيهِ على فخذيهِ؛ وقال: يا محمدُ، أخبرني عن الإسلامِ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(الإسْلاَمُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ الله، وَتُقيمَ الصلاةَ، وَتُؤْتيَ الزَّكاةَ، وَتصومَ رَمضانَ، وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليهِ سَبيلاً). قالَ: صدقتَ. قالَ عُمرُ (رضي الله عنه):
فعجبنا لَهُ، يسألهُ ويُصدقهُ. قال: فأخبرني عن الإيمانِ؟ قال (صلى الله عليه وسلم): (أنْ تُؤْمنَ بِاللهِ، وَملائكتهِ، وكُتُبهِ، وَرُسلِهِ، واليوم الآخِرِ، وتُؤْمنَ بالقدرِ خَيرهِ وشرِّهِ). قالَ: فأخبرني عن الإحسانِ؟ قال (صلى الله عليه وسلك):
(أن تَعبدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ، فإنْ لمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يراكَ).
صحيح البخاريّ.
*20*
اَلتقويم
أجب عمّا يأتي:
1. اِشرح أسس الدين الإسلاميّ في ضوء حديث جبريل (u).
2. ما العلاقة بين الإيمان والعمل؟
3. كيف تُفسر معنى الإحسان الذي وردَ في حديث عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؟
5. كيف يؤثر الإحسانُ على تعديل سلوك الإنسان؟
اِبحثْ في سورة الأنفال عن آيات تشعر إلى العلاقة بين الإيمان والعمل وانسخها في دفترك.
*21*
*21*
سادت في الجاهلية معتقدات غير صحيحة وبعض العادات غير المقبولة؛ نظرا لافتقار الناس لمصدر تشريعي يهتدون بهديه، ويستضيئون بنوره، فقد سيطر على عقولهم منطق الجهل والخرافة، فحجبهم عن التفكير الصحيح، فلما جاء الإسلام بين لهم بطلان تلك المعتقدات، وأنها قائمة على أوهام وخيالات، فنهاهم عنها، وأعلمهم بمضارّ تلك العادات، وأنها لا ترد مِنْ أمر الله شيئا، وأن الأمر كله لله، وأن الله تعالى هو الخالق الرازق، والمعطي المانع، والضارّ النافع.
ومن المعتقدات الخاطئة والعادات السيئة ما يلي:
أوّلًا - عبادة الأصنام:
كان العرب على الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا إبراهيم عليه السلام. ثم دخلت إليهم عبادة الأصنام. فعبدوا في الجاهلية الأصنام التي انتقلت عبادتها إليهم من غيرهم، وانتشرت بين قبائلهم. ومن الأصنام التي كانت تُعبد: أصنام قريشٍ؛ كاللاَّت، والعزى، ومناة، وهبل. ومنها أيضا: إساف ونائلة. واستمرت عبادة تلك الأصنام ي بلاد العرب حتى ختم الله رسالاته بسيدنا محمّد (صلى الله عليه وسلم) الذي طهّر الله به البلاد، وأرشد العباد إلى المعبود بحقٍّ، الذي لا يجوز أن يُعبدَ أحدٌ غيره، أو يشتركَ في عبادته أحدٌ.
ثانيًا - وَأدُ البناتِ:
وأدُ البنات: وهي أن يدفن الرجل ابنته بعد ولادتها حيه في التراب خوفَ العار. ولما جاء الإسلام حرم هذه العادة القبيحة تحريما شديدا، فقد قال الله تعالى في حق من يفعل ذلك: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ
*22*
يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)) سورة النحل، وقال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9))
سورة التكوير. فقد خلق الله تعالى الذكر والأنثى، وجعل كُلًّا منهما مكملا للآخر، ولكن كان الكثير من الناس في الجاهلية يقتلون الإناث خوفا من الفقر والعار لأنهنّ كن عرضه للسبيِ، فحرّم الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأد البنات فقال:
(إنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ عليكُمْ عُقوقَ الأُمّهاتِ وَوَأدَ البَناتِ.).
أخرجه البخاري ومسلم.
ثالثا - الأخذُ بالثّأر:
اِتفقت جميع الأديان على استنكار الاعتداء على حياة الغير بدون حق، وقد قال تعالى عقب قصة اعتداء ولد آدم قابيل على أخيه هابيل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)) سورة المائدة.
وفرضت عقوبة صارمة على المعتدين، وهي القصاصُ من القاتل أو عوض يرضى به أهل القتيل. فالقصاص شريعة سماوية نزلت بها الكتب السماوية الأولى، قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (45))
سورة المائدة.
وكان العرب قبل الإسلام يتمسكون بمبدأ القصاص من القاتل، فكانوا يباهون بعدد القبيلة، ويفاخرون بالأولاد، ويتكاثرون بالرجال، ويرون الاعتداء على واحد منهم اعتداء على القبيلة كلّها، فيهبّون جميعا للأخذ بثأره، غير مبالين من القصاص من غير القاتل ما دامت تربطه به قرابة أو صلة معروفة، فالجريمة عندهم تتضامن فيها القبيلة كلها، وأحيانا كانوا لا يرضون إلا بالقصاص بأكثر من القاتل، إظهارا للقوة، وإرهابا للغير، ولذلك شاعت الفوضى، وزاد التعصب، واضطرب الأمن، فلما جاء الإسلام وضع علاجا حاسما لهذا الداء الخطير، وحرم القتل بدون سبب مشروع، وأقر القصاص من القاتل فقط عند تعمّد القتل، كما جعل بديلا للقصاص وهو الدِية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178))
سورة البقرة.
*23*
رابعا - اَلطّيرة:
آلطيرةُ عادة سادت في الجاهلية، حيث كان المسافر إذا أراد السفر بكرَ إلى أوكار الطير فهيجها، فإنْ ذهبت الطيور عن يمينه تفاءل واستبشر ومضى في سفرهِ، وإن ذهبت عن شماله تشاءم وامتنع عن المضي في سفره. وقد بُعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) والناس على هذه العادة، حتى أسلم بعضهم ولا تزال هذه العادة ضمن الرواسب والمخلفات الجاهلية المعلقة في نفوسهم، فوقف منها الرسول (صلى الله عليه وسلم) موقفا حاسما، ونفى تأثير حركة الطير في فعل الإنسان، فقال (صلى الله عليه وسلم): (الطّيرةُ شِرْكٌ، الطّيرةُ شِرْكٌ، الطّيرةُ شِرْك) رواه أبو داود. كما بين أن التطير ليس من أخلاق الإسلام فقال (صلى الله عليه وسلم):
(ليس منّا مَنْ تطيّرَ)
رواه الطبرانيّ.
*24*
اَلتقويم
أجبْ عمّا يأتي:
1. ما الفرقُ بين عادة وأْدِ البنات وقتلِ الأولادِ مُطلقًا الوارد في قولهِ تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31))
سورة الإسراء؟
2. ما الفرق بين القصاص والأخذ بالثّأرِ؟
3. ما مفاسد الطيّرة برأيك؟
ابحث في مصادر المعوماتِ وأجب:
اكتب عَنْ إحدى العادات الجاهلية الآتية، وموقف الإسلام منها:
- شُرْب الخمر.
- اَلعصبيّة القبليّة.
- ما السّبلُ لعلاج التطير؟
*25*
*25*
أقرأُ وأفهمُ
وقال تعالى: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23))
سورة المائدة.
وقال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)) سورة الأعراف.
وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1))
سورة الأنفال.
وقال تعالى: (...فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)) سورة التوبة.
أتأملُ وأحلّلُ:
من خلال التأمُّل في الآيات الكريمة السابقة، أجد أن الله تعالى يبين أن من كان صادقًا في إيمانه، فإنّه يقوم بأعمال مجيدة، ويتصف بأوصاف حميدة، ويتحلى بأخلاق كريمة.
اِستخلص واذكر بعض هذه الأعمال والصفات!
*26*
ومِن آثار الإيمان على الفرد:
- الإيمان يُكسب صاحبه عزَّة النَّفسِ؛ لأنه يشعر أن الله معه ومؤيده، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)) سورة النحل.
- الإيمان يجعل المؤمن نشيطا عاملا منتجا، لا يتكاسل ولا يتواكل، حريصا على الوقت، لعلمه أن الله سائله عن عمره وعمله.
- الإيمان يجعل المؤمن ذا إيثار وتضحية وشجاعة، لا يخاف من بذل الروح والمال.
- الإيمان يجعل المؤمن مراقبا لله دائما، فلا يقصِّر في الطاعات ولا يفعل ما يغضب الله.
- الإيمان يجعل المؤمن مطمئن البال، مستريح الفكر، مطلبه الأعلى نيل رضوان الله.
- الإيمان يجعل المؤمن ذا قِيم عالية رفيعة وموازين ثابتة يزن بها الأمور بوضوح وثبات.
- الإيمان يجعل المؤمن ثابتا على الحقّ بصيرًا بالهداية يقصد وجه الله في أفعاله وأقواله فيحبّ لله ويبغض لله، ويعطي لله ويمتع لله. فالله مقصوده ورضوانه مبتغاه.
أثرالإيمان على المجتمع:
قال النبي (صلى الله عليه وسلم)
(مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوادِّهِمْ، وَتَراحُمِهِمْ، وَتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجسَدِ إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسهَرِ وَالحُمّى). رواه البخاري ومسلم.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم):
(المؤمنُ للمؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعضهُ بَعْضًا)). البُخاري ومسلم.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (المُسلمُ أخو المُسلمِ، لا يَخونُهُ ولا يَكْذبُهُ وَلا يَخذلُهُ، كُلُّ المُسلمِ عَلى المُسلمِ حَرامٌ، عِرْضُهُ وَمالهُ وَدمُهُ، التقْوى هاهُنا، بحسبِ امْرئٍ من الشرِّ أن يحتقرَ أخاهُ المُسلمَ)). البخاريّ ومسلم.
*27*
أَتعلمُ:
أن الأفراد هم لبنات المجتمع، فإذا صَلُح الأفراد صَلُح المجتمع، وإذا فسدوا فسد، وساد فيه الخلل والاضطراب، والعلاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع، وأن تأثير العقيدة في سلوك الفرد ينعكس بالإيجاب على المجتمع.
أن الإيمان يجعل الأمَّة المسلمة لا تعيش لذاتها ومصالحها فقط، بل تسعى لإيصال الخير للمجتمع الإنساني عامّة.
أن الإيمان يجعل المجتمع المسلم مجتمع خير وسِلم وأمن وسلام وحرية واحترام لا طبقية فيه ولا استعلاء، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13)) سورة الحجرات، ويحتكم المؤمنون فيه إلى شرع الله، قال تعالى:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (40)) سورة يوسف.
أنَّ الإيمان يجعل المجتمع المؤمن مجتمعا قويا، أفراده متماسكون كأنّهم بنيان مرصوص يشدّ بعضهم بعضًا، آمالهم وآلامهم واحدة؛ لأنها نابعة من عقيدتهم، وكلهم يسعون لتحقيق العدل والمحبة والأخوّة، ليعيش كل فرد في هذا المجتمع آمنا على دينه وروحه وعقله وماله وعرضه.
أفكّر وأناقش:
- كيف يكون حال مجتمع أفراده مؤمنون ويخافون الله تعالى؟
- كيف يكون حال مجتمع أفراده لا يؤمنون بالله ولا يخشونه؟
*28*
اَلتقويم
أجبْ عما يأتي:
1. الإيمان يُورث المحبة بين المؤمنين. اذكر ثلاثة آثار للمحبة بين الناس!
2. قال النبي (صلى الله عليه وسلم)
(أَكْمَلُ المُؤْمِنينَ إيمانًا، أحْسَنهُمْ خُلُقًا، وخيارُهْمْ خِيارهمْ لنسَائهمْ).
رواه أحمد والترمذي. ما الذي يرشد إليه هذا الحديث.
3. تأمل ما يلي، ثم بين العبارات الصحيحة من غيرها! مع التعليل!
- إن الإيمان تحصن المجتمع من الأفكار الشاذة والخاطئة.
- كلما زاد الإيمان؛ زاد تماسك المجتمع، وقويت الرابطة بين الناس.
- الإيمان يجعل كل إنسان مشغولا بمصلحته لا يهمه غيره.
- صاحب الإيمان الراسخ يميل إلى الكسل والخمول، وينتظر أن يأتيه رزقه من غير عمل.
- المجتمع المؤمن أكثر عدلًا وأمنًا وحريّة وسلمًا.
*29*
*29*
للعقيدة الإسلامية آثار في حياة المسلم، حيث أنها تجعله على صلة وثيقة بالله تعالى، فيؤمن بأن الله تعالى وحده هو الخالق، والرازق، وهو الذي يملك النفع والضرّ، وهو الذي يحيي ويميت، ولذا يتوجب عليه أن يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى في كل عمل من أعماله، ويتوكل عليه وحده، ولا يتوكل على أحد سواه، فالتوكل على الله ثمرة من ثمار الإيمانِ، والدليل على ذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(4)) سورة الممتحنة، وقولهُ (صلى الله عليه وسلم):
(لو توكلتُم على الله حقَّ التوكلِ لرزقكُم كما يرزُقُ الطيرَ تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا). رواه الترمذي.
مناقشة:
- لماذا يجتهدُ الطالب في مذاكرة الدروس؟
- لماذا يحرث الفلاح الأرض؟ ولماذا يبذُرُ الحبَّ؟
- لماذا يذهب المريضُ إلى الطبيب؟
أتعرّف على مفهوم التوكّل:
التوكل على الله تعالى هو: الاعتمادُ عليه، والالتجاءُ إليه في كلّ الأعمالِ بعدَ العملِ والأخذِ بالأسبابِ.
*30*
الفرقُ بين التوكّل والتواكل:
اَلمسلم مأمورٌ بالأخذ بالأسباب والاعتماد على الله تعالى للوصول إلى النتائج التي يرجوها من أعماله، فاجتهاد الطالب، وتحضير الأرض وبَذرُ الحبّ من قِبلِ الفلاح، وذهابُ المريض إلى الطبيبِ، كلّها أسباب يقومُ بها الإنسان ابتغاءَ الوصولِ إلى النتائج المرغوبة التي يصبو إليها، معَ أنّها بأمرِ الله تعالى، وهذا ما نسمّيه توكُّلًا، قال تعالى:
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)) سورة الواقعة
فالفلاح يحرثُ الأرضَ، ويبذر الحبّ في التربة، ويسقي الزرع، ومع ذلك ينتظر الثمرة متوكلًا على الله تعالى.
أما منْ يدّعي أنه يعتمد على الله تعالى ولكنه يتركُ العمل والأخذ بالأسباب، فهو ليسَ متوكلا على الله تعالى، بل هو متواكل، فالفلاح الذي يطمع في الحصول على الثمار دون أن يحرثَ الأرض، ويبذر الحَبَّ، ويسقي الزرع فهو متواكلٌ لأنه ترك العمل، وترك الأخذ بالأسباب. ومن تمام التوكل على الله تعالى عدم الاعتماد على الأسباب، بل الاعتقاد بأن النافع والضار هو الله تعالى، والأسباب ليست إلا وسيلة. لقيّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أناسًا يجلسون في المسجد بلا عملٍ، ويعتمدون في طعامهم وشرابهم على غيرهم، فسألهُم: مَنْ أنتم؟ فالوا: نحن المتوكلون. قاك: بلْ أنتُمُ المتواكلونَ، إنّ السماءَ لا تُمطرُ ذهبًا ولا فضّةً".
أستنتجُ:
اَلمسلم مأمورٌ بالأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله تعالى للوصول إلى النتائج التي يرجوها منْ أعماله. حقيقة التوكّل على الله تعالى: اطمئنان القلب بالإيمانِ، والرّضا بقضاء الله تعالى وقدرهِ، مع العملِ والأخذِ بالأسبابِ.
*31*
دروس في التوكّل على الله تعالى:
جاءَ أعرابي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه ناقتُهُ، فقال: أعقلُ ناقتي يا رسول الله أم أدَعُها وأتوكّلُ على اللهِ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(إعقلّها وتوكَّلْ. رواه الترمذيّ.
عندما اجتمع الكفّار والمنافقون وحاصروا المسلمين في المدينة في معركة الأحزاب، قام الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بحفْر الخندق، وتجهيز الجيش، وبث العيون لمعرفة حركة العدو، ومع ذلك كان معتمدًا على الله تعالى، متوكلا عليه، مطمئنا بنصره، قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)) سورة آل عمران.
أثري معلوماتي
منْ آثار التوكّل على الله تعالى في حياة المسلم
يدفع المسلم إلى الجدِّ والاجتهادِ، والأخذ بالأسباب التي قد تعينه على تحقيق أهدافه. يحقق الطمأنينة والاستقرارَ النفسيِّ لدى المسلمِ، فيرضى بما قدّرَ اللهُ تعالى لهُ. شعورُ المسلمِ بالعزةِ والقوةِ والكرامةِ؛ لأنهُ يدركُ بأنَّ اللهَ معهُ دائما في كل أحواله.
يزيدُ من إيمان المسلم، ويعزز ثقته بالله تعالى.
كفاية الله ورعايته للمتوكلين عليه، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (3)) الطلاق.
*32*
التقويم
أجبْ عمّا يأتي:
1. وضّح الفرق بين التوكّل على الله تتالى والتواكلِ مع ذكر مثال لكلٍّ منهما.
2. ما الاكار التي يستفيدها المسلم مِنَ التوكّل على الله تعالى؟
3. ناقش العبارة الآتية: "اَلمسلمُ يأخذُ بالأسبابِ كأنَّها كل شيءٍ، ثمَّ يعتمدُ على الله تعالى كأنَّها لا شيء".
4. بين العلاقة بين التوكّل على الله تعالى والأخذِ بالأسبابِ!
اِبحثْ في مصادر المعلوماتِ وأجب:
1. ما المواطنُ التي أخذَ النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها بالأسباب والتكلِ على الله تعالى في حادثةِ الهجرةِ النبويةِ.
2. وردَ في سورة الطلاق أن الذي يتوكّل على الله تعالى يكون الله معه، ابحث عن تلك الآية وانسخها في دفترك.
*33*
*33*
الملائكة
أقرأُ وأَفهمُ:
قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)). سورة فاطر.
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)) سورة الأحزاب.
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)) سورة التحريم.
وقال النبي، (صلى الله عليه وسلم):
(إنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطوفونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسونَ أَهْلَ الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم. قال: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وتحميدا، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: "يسألونك الجنة"، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلبا ً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم. البخاري ومسلم
أتعلم القيم التربوية: الاقتداء بالملائكة يزيدنا همة ويقينا. والحذر من الشيطان يجعلنا أكثر يقظة وبصيرة.
*34*
أصناف الملائكة ووظائفهم:
الملائكة: هم أجسام لطيفة نورانية، قادرة على التشكل، ومسكنها السماوات، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون ولا ينامون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، ويعني أن يؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون. قال تعالى: "لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ((6) سورة التحريم.
وهم أصناف كثيرة، فمنهم:
- حملة العرش، قال تعالى: "وَيَحمِلُ عَرشَ رَبّكَ فَوقَهُم يَومَئِذٍ ثمانية (17)" سورة الحاقة.
- الحافون حول العرش، قال تعالى: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)" سورة غافر.
- خزنة الجنة، قال تعالى: "والملائكة يَدخُلونَ عَلَيهِم مّن كُلّ بابٍ (23) سلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عقبى الدار (24)" سورة الرعد، ورئيسهم رضوان خازن الجنة.
- خزنة جهنم وعددهم تسعة عشر، قال تعالى: "عَلَيها تِسعَةَ عَشَر (30)" سورة المدثر، ورئيسهم مالك خازن النار.
- الكرام الكاتبون، قال تعالى: "عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعيدٌ (17) مّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلاَّ لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ (18)" سورة ق، وقال تعالى: "وَإِنَّ عَلَيكُم لحافظين (10) كِرامًا كاتبين (11) يَعلَمونَ ما تَفعَلونَ (12)" سورة الانفطار.
- الحفظة، وهم الموكلون بحفظ العبد في كل حالاته، وهم المعقبات، قال تعالى: "لَهُ معقّباتٌ مّن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ يَحفَظونَهُ مِن أَمرِ الله (11) سورة الرعد.
*35*
- الملائكة الذين يشهدون مجالس العلم ويحضرون حلق الذكر، كما جاء في الحديث المتقدم: "إِنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطوفونَ في الطّرُقِ يَلتَمِسونَ أَهلَ الذِّكرِ،.".
- منكر ونكير الملكان الذان يسألان الميت في القبر.
- نشاط صيفي:
عين وظائف الملائكة عليهم السلام أخذا من الآيات الكريمة التالية:
- "يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.).
- "وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا.".
- "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ".
- "والملائكة يَدخُلونَ عَلَيهِم مّن كُلّ بابٍ سلام عَلَيكُم.".
- "لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ".
- "وَلا يَشفَعونَ إِلا لِمَنِ ارتَضى.".
- "لَهُ معقّباتٌ مّن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ.".
- "مّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلاَّ لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ".
- "تَتَنَزَّلُ عَلَيهِم المَلائِكَةُ أَلَّا تَخافوا وَلا تَحزَنوا وَأَبِشروا بِالجَنَّةِ".
الشفاعة للمؤمنين - كتابة الحسنات والسيئات - التسبيح - التسليم على المؤمنين حفظ الإنسان - تبشير المؤمنين - الاستغفار للمؤمنين - تنفيذ أوامر الله - الدعاء
*36*
الجنّ
تحدثنا فيما سبق عن الملائكة عليهم السلام وهم عالم غيبيّ، فلزمنا الحديث عن عالم غيبي آخر، يشترك أهلهُ مع الملائكة في بعض صفاتهم ويختلفون عنهم في صفات أخرى عديدة، هو عالم الجنّ.
الجنّ: عالم غيبيّ لا يُرى بالأبصار، كعالم الملائكة، يجب الإيمان به.
والجنّ وكذلك الملائكة - لا يعلمون الغيب، قال تعالى:
(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26)) سورة الجن.
والجان في أصل خلقتهم خُلقوا من نار، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (خُلقتِ المَلائِكَةُ مِنْ نورٍ وَخُلقَ الْجانُّ منْ مارِجٍ مِنْ نارٍ وَخُلقَ آدَمُ ممّا وُصفَ لَكُمْ).
والجنّ ليسوا على صفة واحدة، فمنهم المؤمنون الصالحون، ومنهم غير ذلك، وفي التنزيل: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)) سورة الجن.
ولهم ذرية، ويأكلون ويشربون، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم في تسعة وخمسين موضعًا. ولهم لَمّة مختلفة عن لمَة الملك، وفي الحديث: (إن للشيطانِ لمةً بِابْنِ آدمَ وَلِلملَكِ لَمَّةً فَأمَّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعَادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ وأمَّا لّمَّةُ المَلَكِ فإيعاد بالخيرِ وتَصْديقٌ بالحقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِك فليَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ اللهِ فَلْيحمدْ اللهَ ومنْ وجدَ الأخْرَى فليتعَوَّذْ باللهِ منْ الشَّيطانِ الرَّجيمِ ثُمَّ قرَأَ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ. (268)). رواه مسلم.
أفكّر وأناقش:
كيف يكون حال الإنسان إذا تشبّه بالملائكة عليهم السلام؟ وكيف يكون حاله إذا تشبّه بالجنّ والشيطان؟
*37*
قصَّةٌ وعبرةٌ:
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، قال: وَكلني رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بحفظِ زكاةِ رَمضانَ، فأَتاني آتٍ فجعلَ يَحْثو من الطعام فأخذتُهُ، وَقُلتُ: واللهِ لأرفعنَّكَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: إني مُحتاجُ، وَعليَّ عِيال ولي حاجةٌ شديدةٌ، قال: فخليتُ عنه، فأصبحتُ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (يا أبا هُرَيرةَ، ما فَعَلَ أسيرُكَ البارِحَة)، قال: قلتُ: يا رَسولَ الله، شَكا حاجةً شديدة، وعِيالا، فرحمتهُ، فخلَّيَتُ سبيلهُ، قال: (أما إنهُ قدْ كذبَكَ، وسيعودُ)، فعرفتُ أنهُ سيعود، لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنه سيعود، فرصدتُهُ، فجاء يحثو من الطعامِ، فأخذتهُ، فقلتُ: لأرفعنكَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: دَعْني فإني مُحتاج وعليَّ عِيالٌ، لا أعودُ، فرحمتهُ، فخلَّيْتُ سبيلهُ، فأصبحتْ، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(يا أبا هريرة، ما فعل أَسيرك)، قلتُ: يا رسولَ اللهِ شكا حاجةً شديدةً، وعيالا، فرحمتهُ، فخلَّيتُ سبيلهُ، قال: (أما إنهُ قد كذبك وسيعودُ)، فرصدْتُهُ الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول اللهِ، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود قال: دعني أُعلمك كلمات ينفعك الله بها، قُلتُ: ما هو؟ قال: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. (255)) سورة البقرة. حتى تختم الآية، فإنك لن يَزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبحَ وكانوا أحْرصَ شيءٍ على الخير فقال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): (أَما إنهُ قد صدقك وهوَ كَذوبٌ، تعلمُ منْ تُخاطبُ مُنذُ ثلاثِ لَيالٍ يا أبا هُريرةَ)، قالَ: لا، قالَ: (ذاك شيطانٌ). رواه البخاريّ.
معافي المفردات: (آتٍ): اسم فاعل مِنْ أتى وأصله آتي. (يَحْثو): يأخذ بكفيه. (أسيركَ): سمّي أسيرا لأنّه ربطه بحبل. (فرصدته): ترقبته. (قد صدقك): أخبرك بما يوافق الواقع والحق. (وهو كذوب): من شأنه أن يكذب، وخلقُه كثرة الكذب.
*38*
أتعلّمُ مِنَ القصّة:
- أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مؤيد بالوحي؛ لهذا وجدناه في القصّة يخبر أبا هريرة رضي الله عنه عمّا سيكون.
- أن في المداومة على قراءة آية الكرسي حفظا من الشيطان.
- أن الجنّ والشياطين يحتاجون الطعام والشراب كحاجة الإنسان.
- أن لا ألتفت إلى وسوسة الشيطان وأن لا أصدِّقه؛ لأنّه كذوب.
- أن الجنّ والشياطين تخاف من الإنسان، فلا أخاف منها.
*39*
أُقارن وأستنتج:
مِنْ خلال المقارنة بين الملائكة والإنس والجنّ يظهر لي ما يلي:
(في الكتاب جدول مكون من ثلاث أعمدة):
الملائكة، الجنّ، الإنس
لا يأكلون ولا يشربون، يأكلون ويشربون، يأكلون ويشربون
لا يتزوجون ولايناسلون، يتزوجون ويتناسلون، يتزوجون ويتناسلون
خُلِقت مِنْ نور، خُلِقت من نار، خُلِقت من طين
ليست ذكور ولا إناثا، ذكور وإناث، ذكور وإناث
يموتون عند قيام الساعه، يموتون، يموتون
عالم غيبيّ، عالم غيبيّ، عَالمٌ مُدركٌ مُشاهَدٌ
لا يعلمون الغيب، لا يعلمون الغيب، لا يعلمون الغيب
يتشكّلون، يتشكّلون، لا يتشكلّون
لا يُدْرَكون بالأبصار، لا يُدْرَكون بالأبصار، يُدْرَكون بالأبصار
لهم أجنحة، فيهم ذوو أجنحة، لا أجنحة لهم
جميهم طائعون لله لا يعصون الله أبدا جميعهم طائعون لله، فيهم الطائعون
وفيهم العصاة، فيهم الطائعون وفيهم العصاة
لهم قدرات خارقة، لهم قدرات خارقة، قدراتهم محدودة
*40*
اَلتقويم
أحب عمَّا يأتي؟
1. عرف كلا من الملائكة والجنّ! وما حكم الإيمان بهم؟
2. وضح العبارة التالية:
الإيمان بالملائكة يزيد في الهمّة، ويدفع إلى الإكثار من الأعمال الصالحة!
3. كيف نقتدي بالملائكة في مواقفهم الإيمانية الآتية:
- يسيحون الليل والنهار.
- لا يعصون الله ما أمرهم.
- ويستغفرون للذين آمنوا.
4. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): إذا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيمينهِ وإذا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمينهِ فَإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بِشِمالهِ وَيَشربُ بِشِمالهِ). رواه مسلم.
أذكر ثلاثة أمور يرشد إليها هذا الحديث الشريف!
*41*
*41*
معجزات الأنبياء عليهم السلام
أيّد الله الرسل عليهم السلام بالمعجزات، والآيات الباهرات؛ لتكون دليلا على صدقهم وليهتدي بهم الناس إلى معرفة الله تعالى.
أَقرأُ وَأَفهمُ:
قال تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)) سورة الأنبياء.
وقال تعالى: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)) سورة الأعراف.
وقال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)) سورة الشعراء.
وقال تعالى في شأن عيس عليه السلام: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ. (49)) آل عمران.
وثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صعد أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: (أُثُبتْ أحُدُ فإنما عليكَ نبيٌ، وصديقٌ، وشهيدان). رواه البُخاري.
معافي المفردات: (فرجف) اضطرب وذلك معجزة. (صِدّيق) صيفة مبالغة من الصدق والمراد به أبو بكر رضي الله عنه. (شهيدان) هما عمر وعثمان رضي الله عنهما، وقد ماتا شهيدين.
*42*
مفهوم المعجزات وأمثلتها
المُعجزَةُ: هي أمر بخلاف العادة (خارج عن قوانين الطبيعة) يظهره الله على يد النبي عند تحدّي المنكرين، ويعجز المنكرون عن الإتيان بمثله، ويأتي موافقا لطلبهم؛ فيكون دليلا على صدق النبيّ.
اَستنتجُ:
- أن المعجزة مِنَ الله تعالى، هو الذي يخلقها ويظهرها على يد الرسول.
- أن المعجزة تكون خارقة للعادة وخارجة عن نواميس الطبيعة (يعني: قوانينها).
- أنها تظهر على يد النبي أو الرسول لتكون تصديقا له في دعواه.
- يعجز المشككون والمنكرون عن الإتيان بمثلها.
- أنّها تكون موافقة للمطلوب، فإنْ جاءت مخالفة للمطلوب، كانت إهانة.
مِنْ أمثلة المعجزات:
عدمُ إحراقِ النار لسيدنا إبراهيم عليه السلام. والناقةُ التي خرجت من الصخرة معجزة لنبي الله صالح عليه السلام، وفلقُ البحْرِ لسَيِّدنا موسى عليه السلام، والعصا التي انقلبت إلى حَيَّةٍ تسعى، ولسيدنا عيسى إبراءُ الأكمه والأبرص وإحياءُ الموتى.
نزولُ القرآن الكريم على سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وسلم)، نَبعُ الماء من بين أصابعه (صلى الله عليه وسلم)، تكثير الطعام ببركة دعائه، تكليمُ الشجر له، حنينُ الجذع له، تسليمُ الحجر عليه، تسبيحُ الحصى بين يديه (صلى الله عليه وسلم)، انشقاق القمر، عظيمُ بركته، شفاء الأسقام بمسِّ راحته، وغير ذلك كثير.
*43*
كرامات الأولياء
الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى عاى يد عبد صالح مِنْ غير الأنبياء عليهم السلام، تكريما له، وليدُل على صدقه في اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم).
وهي من الأمور الجائزة عقلا والواقعة فعلا. جاء بها كتاب الله تعالى والسنَّةُ المُشرفةُ، كما جاءت بها الأخبار الكثيرة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
من أمثلة الكرامات:
- قصة الصديقة سيّدتنا مريم بنت عمران حيث وُجد عندها الرزق بلا سبب، قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)) سورة آل عمران. وحملت بعيسى عليه السلام بدون ملامسة رجل، قال تعالى:( قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)) آل عمران. وتساقط عليها الرطب من النخلة اليابسة، قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)) سورة مريم. وأنطق الله لها وليدها في المهد صبيا، قال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)) سورة مريم.
- قصة أهل الكهف حيث مكثوا في الغار ثلثمائة وتسع سنين، قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)) سورة الكهف.
- إحضار عرش بلقيس، فقد أحضره الذي عنده علم من الكتاب قبل أن يرتدّ طرف سليمان إليه، قال تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)) سورة النَّمل.
*44*
وفي الأحاديث المرويَّةِ: قصة الثلاثة الذين آواهم الغار ففرّج الله عنهم بصالح أعمالهم، قصّة جريج العابد، وقصة الغلام والساحر، وغيرها.
أتعرَّفُ العجزة والكرامة من خلال الأمثلة التالية:
- وضع سيّدنا موسى يده في جيبه فخرجت بيضاء من غير سوء؛ هذه معجزة؛ لأنَّ: سيدنا موسى نبيٌّ وتحققت في هذه الخارقة جميع شروطها.
- رزق سعيد وهو شاب في الثلاثين مِنْ عمره مِنْ زوجته الشّابة ابنة 28 عامًا بولدين توأمين؛ هذه لا تسقى معجزة ولا غيرها؛ لأن هذا أمر يألفه الناس، وليست خارقة للعادة.
- أُتي النبي (صلى الله عليه وسلم) برجل أرمد يشكو عينيه فتفل فيهما فبرئ، هذه معجزة، وقيل لمسيلمة الكذاب أن يفعل مثل هذا، وجاؤوه برجل أرمد، فتفل في عينه فعمي. هذه إهانة لمسيلمة، وليست معجزة، لأنها جاءت على خلاف المطلوب.
- لو قال مَنْ يدّعي النبوة: معجزتي إنطاق هذا الحجر، فنطق الحجر مكذبا له، وقال: أنت كاذب ولست نبيا. هذه إهانة لذاك المدّعي؛ لأنها رجعت عليه بالتكذيب.
- رأى سيدنا عمر رضي الله عنه وهو على المنبر في المدينة المنورة جيش المسلمين في مأزق وهم ببلاد العراق، فنادى قائد الجيش واسمه سارية، بقوله: يا سارية! الجبلَ الجبلَ، يعني اجعلوا الجبل خلفكم وأسندوا ظهوركم إليه، فسمعه سارية وفعل كما أشار سيدنا عمر، فنصرهم الله على عدوهم. هذه كرامة من الكرامات؛ لأنَّ: سيدنا عمر كان من الصالحين ولم يكن نبيًّا.
- لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيبر، قدّمت له زينب بنت الحارث ذراع شاة ليأكل وقد وضعت فيها سُمًّا، فكلمت ذراع الشاة النبي (صلى الله عليه وسلم): لا تأكل مني يا رسول الله فإنّي مسمومة. هذه: معجزة؛ لأنَّها: حصلت مع النبي (صلى الله عليه وسلم).
- أصيبت عين قَتادةَ بن النعمان في غزوة أحد حتّى وقعت على وجنته فردها النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) فكانت أحسن عينيه وأحدَّهُما نظرًا. هذه معجزة؛ لأنها: حصلت مع النبي (صلى الله عليه وسلم).
*45*
اَلتقويم
1. عرّف المعجزة والكرامة! وما الفرق بينهما؟
2. هل يلزم المسلم أن يصدّق بمعجزات الأنبياء؟ ولماذا؟
3. كيف تكون كرامات الأولياء (الصالحين) دليلا على صدق نبوّة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)؟
4. اُذكر ثلاث معجزات لسيدنا محمّد (صلى الله عليه وسلم) غيرَ التي ذكرت في الدرس!
5. متى يكون الأمر الخارق دليل صدقٍ وتأييد؟ ومتى يكون دليل تكذيب وامتهان؟
*46*
*46*
إنّ محبة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي أساس الإيمان الصادق وسبيل كماله، وهي من أسمى ما يستشعره المؤمن ويحياه. وليس هذا الحبّ عاطفة مجرّدة، وإنما هو حب حقيقي يملأ القلب والعقل والوجدان، ودليل صدق هذه المحبة هو اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) في كل ما أمر به، أو نهى عنه، ونصرته، ونشر هديةِ وسنّته.
وكيف يحظى بالشفاعة؟ أو كيف يدخل الجنّة من ليس من أهل المحبة؟ هيهات هيهات!
قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) سورة آل عمران.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار). البُخاري ومسلم.
وقال (صلى الله عليه وسلم): (لا يُؤمنُ أحَدُكُمْ حتّى أكونَ أحَبَّ إليهِ من وَلَدهِ، ووالدِهِ، وَالناسِ أجْمعينَ) البُخاري ومسلم.
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رجُلا سألَ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم): مَتى الساعةُ يا رسول الله؟ قال: (ما أعدَدْتَ لها)
قال: ما اعددتُ لها؟ منْ كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدقةٍ، ولكني أحبُّ الله ورسولهُ، قال: (أنتَ مع مَنْ أحببْتَ) البخاري ومسلم.
قصَّة وعبره:
لما أخرج أهل مكة زيد بن الدَثنة من الحرم ليقتلوهُ. واجتمع رهط من قريشٍ، فيهم أبو سفيان بْن حَربٍ، قال له أبو سفيان: أنْشدكَ الله يا زيد، أتُحب أن مُحمدًا عندنا الآن في مكانك نضربُ عنقهُ، وأنك في أهلكَ؟ قال: والله ما أحب أنَّ مُحمدًا الآن في مَكانه الذي هُوَ فيه تُصيبهُ شوكة تؤذيه، وأني جالسٌ في أهلي. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يُحب أحدًا كحبِّ أصحابِ مُحمدٍ مُحمدًا.
أفكر وأستخلص: ما العبرة المستفادة مِنَ القصّة؟
*47*
أستنتجُ:
- أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم لما عايشوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وعرفوا صفاته وأخلاقه؛ أحبوه حبًّا شديدا يفوق حبهم لآبائهم وأمّهاتهم وأنفسهم والناس أجمعين.
- أن المسلمين لو عرفوا نبيهم حق المعرفة لما حادوا عن نهجه، ولاستمسكوا بشريعته وهديه.
- أن غير المسلمين لو عرفوا صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وشمائله؛ لأحبّوه، ولما كان فيهم من يعلن الإساءة لجانبه الكريم (صلى الله عليه وسلم).
أتعرف:
علامات الصادقين في محبة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)
- هناك علامات تظهر على المحبين لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتبين صدقهم في محبتهم، منها:
- طاعة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والاهتداء بهديه، واتباع سنته. قال (صلى الله عليه وسلم): (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى يَكونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ) ابن أبي عاصم في السنّة.
- أن يكون فقدُ رؤيته (صلى الله عليه وسلم) أشد على نفس المحب من فقد أي شيء في الدنيا.
- تعظيم النبي (صلى الله عليه وسلم) وتوقيره والأدب معه، إذ أن تعظيمه (صلى الله عليه وسلم) من أكبر حقوقه (صلى الله عليه وسلم) على أمّته، ومن أهم واجبات الدين.
- كثرة تذكّره، والشوق إلى لقائه، وتمنّي رؤيته (صلى الله عليه وسلم)، فمن أحبَّ شيئًا أكثر من تذكره وذِكره، ولا يكون ذلك إلا إذا شغلت المحبة قلب المحب وفكره. قال (صلى الله عليه وسلم): (مِنْ أشَدِّ أُمتي لي حُبًّا، ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهمْ لو رآني بأهله ومالهِ). مسلم.
- الاستعداد التام لبذل النفس والمال دونه (صلى الله عليه وسلم)، وقد كان الصحابة أصدق الناس لهجة عند قولهم: (فداك أبي وأمي ونفسي يا رسول الله).
*48*
- محبة قرابته وأهل بيته وأزواجه وصحابته، ويتمثل هذا في توقيرهم، ومعرفة فضلهم، وحفظ مكانتهم، والثناء عليهم بما هم أهله.
- نصرة سنته والذب عن شريعته، وإعلاء شأن دينه.
أفكّر وأناقش
محبّة النبي (صلى الله عليه وسلم) ليست عاطفة مجردة، أو شعورًا وجدانيا فحسب، وإنما حب حقيقي يملأ القلب والعقل، ويقارنه اقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وحُسنُ اتّباع!
مِنْ فوائد محبة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)
- أنها دلالة على كمال الإبمان وحُسن الإسلام.
- أن قلب صاحبها تغشاه البركة والتوو على الدوام.
- أنها تَظهر آثارها عند الشدائد والكربات.
- أنها تثمر النعيم والسرور في الدنيا الموصل إلى نعيم وسرور الآخرة.
- أنها تستدعي السعي إلى إحياء سنته. والحفاظ على دعوته.
- أنها تستوجب حبّ من أحبه وما أحبه (صلى الله عليه وسلم).
- أنها تشعر المؤمن المحب بحلاوة الإبمان؛ فيذوق طعم الرضا وينعم بالراحة النفسية.
- أنها مع حبّ الله تعالى وسيلة أكيدة لاستجلاب نصر الله وعونه.
نشاط بيتي:
أكتب مقالة من صفحة واحدة ترد فيها على من ينتفض بعض من تحب وخاصة الرحمة المهداة للعالمين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)!
*49*
التقويم
أجبْ عما يأتي:
1. كيف يمكن للمؤمن أن يزداد حبًّا للنبي (صلى الله عليه وسلم)؟
2. ما كان تعقيب أبي سُفيان لما حضر مقتل زيد بن الدَثنة رضي الله عنه؟ وماذا يفهم من قوله ذاك؟
3. كيف يكون حال المسلمين إذا صدقوا في متابعة هدْي الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)؟
ابحث في مصادرالمعلومات وأجب:
اِرجع إلى كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (الفصلين؛ الرابع والخامس)، أو غيره من المصادر، واستخرج بعض المواقف التي تظهر شدّة محبّة الصحابة للنبيّ (صلى الله عليه وسلم)!
*50*
*50*
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وصوّره، فأبدع خلقه وأحسن التصوير، ومنحه عقلا وفهما، وبسط له في الرزق ووهبه علما، وسخر له جميع مخلوقاته، وكلفه بعبادته وابتلاه، وهي المقصود من خلقه وإيجاده، فأمره ونهاه، ومنعه وأعطاه، وقرّبه وأقصاه، وأماته وأحياه، ومن الناس من أطاعه ومنهم من عصاه، فكان فيهم الرابح والخاسر، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)) سورة الذاريات.
وقال رسول الله )صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي:
(إنَّ الله تَعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغْ لعبادتي أملأْ صدركَ غِنًى وأسدَّ فقركَ، وإلا تفعلْ ملأتُ يديْكَ شُغلا ولمْ أسُدَّ فقركَ). رواه الترمذي.
هدف الإنسان من الحياة:
تتباين أهداف الناس في هذه الحياة الدنيا، ولا يجتمعون على هدف واحد:
فمنهم من يعيش لشهواته؛ وتحقيق رغباته، وإشباع نزواته، ناسيا لربّه معرضا عن امتثال أمْرِه واتّباع هديه، وهو أقرب إلى البهيمية وفي انحطاطٍ عن رتبة الإنسانية. قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) سورة محمّد.
ومنهم من يعيش لنفسه، مؤمنًا بالله وكتبه ورسله، وما جاء في شرعه، يسأل الله من خيره وبره، غير أنه لا يعنيه غيرُه، ولا يهمّه غير مصلحته، فهذا لأنانيته يكثر منتقدوه، وقد يؤذيه حاسدوه وشانِئوه.
ومنهم من يعيش لنفسه ولغيره، ويكون نافعا منتفعا، ناصحا منتصحا، بانيا ومقوِّمًا، يرحم اليتيم. ويحنو على الضعيف، ويعطف على المسكين، ويُعين المظلوم، فهذا إنسان كريم ذو خُلُق قويم.
أتعلم القيمة التربويةَ:
حياة الإنسان لها هدف، لذا يلزم السعي الحثيث لإظهاره وبيانه وتحقيقه.
*51*
ومنهم من يعيش لربه، ويطمع برضوانه وقُربه، لا يرضى إلا بما يُرضي الله، ويأبى أن يفعل ما يُسخط به مولاه، إن أحبَّ فلله وإن أبغض فلله، وإن قال فلله وإن سكت فلله، وإن أعطى فلله وإن منع فلله، وهكذا دأبه في قوله وفعله وفي شأنه كلّه.
مفهوم العبادة:
العبادة: اسم ٌجامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة والحج، وما يتعلق بها من الأذان، وتلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والطهارة، والخشوع في الصلاة والطمأنينة فيها، ومراقبة الله تعالى ومحبته وخشيته، وإخلاص القصد له، وغير ذلك. ومعنى العبادة لا يقف عند هذا المفهوم الخاص، وإنما يتعداه إلى مفهوم واسع وشامل، يعم كل مناحي حياتنا ويلمّ جميع جوانبها، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) سورة الأنعام.
كيف يحقق الإنسان ما خُلق له:
أفهمُ مما تقدم أن عبادة الله تعالى وحده هي الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان، وهي وظيفته في الحياة. وكل عمل مشروع (جائز) يراد به وجه الله تعالى؛ عبادة، فمنْ أطعم الجائع، وعلّم الجاهل، وأرشد الحائر، وداوى المريض، وواسى المصاب، وراعى الحرمات وأحسن الجوار، ودفع الظلم، وحفط الحقوق والعهود، وأحط الخير للناس، وأحسن إليهم، وصدق في الحديث، وسامح وعفا، وأدى ووفى وتفكر وتدبر، وأتقن العمل، يفعل لذا من أجل الله، فهو في عبادة.
ومن ترك الأذى، واجتنب المحرّم، وابتعد عن المنكرات، يترك هذا من أجل الله، فهو في عبادة.
وخلاصة الأمر: أن الإنسان خُلق لمعرفة الله تعالى، يمتثل تعظيما لأمره، يبتغي بذلك وجه ربه الكريم، وهو مع الامتثال والتعظيم مشفق على خَلقِ اللهِ.
*52*
- إصلاح ذات البين؛ عبادة:
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ألا أخبرتم بأفضل من درجة الصِيام والصلاة والصدقةِ؟)
قالوا: بلى، قال: (صلاحُ ذات البين، فإنَّ فساد ذاتِ البينِ هيَ الحالقةُ لا أقول تحلقُ الشعر، ولكن تَحلقُ الدينَ) أبو داود والترمذيّ.
أفكرّ وأناقش:
كيف يكون إصلاح ذات بين المتخاصمين عبادة؟ وتحت أيّ مفهوم يندرج هذا النوع من العبادة؟
- عمارة الأرض وتشييد الحضارات عبادة:
إن مِنَ العبادات المهمة عمارة الأرض، وإقامة العدل فيها، وحفظ حدود الله، قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) سورة هود. وقد اقتضت حكمة الله خلقَ آدم عليه السلام وذريّته واستخلافهم في الأرض؛ ليُمضوا أحكام الله، ويعمُروا الأرض بالصلاح لا بالفساد. قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا (56) سورة الأعراف.
الغاية مِنَ استخلاف الإنسان في الأرض:
إنّ الغاية من استخلاف الإنسان: ليبني ويعمّر، ويزرع ويثمّر، ويصنع ويبتكر، وينمي ويطوّر، ويبيع ويتّجر، فإن كان فَعَلَ ما ذُكر، في دائرة الجائز ولم ينحرف، ولم يُفرط ولم ينجرف، مع حُسنِ القصد وابتغاء رضى مولاه؛ كان عمله عبادة وطاب ممشاه، ووجد في سعيه رشاده، وأجزل الله ثوابه، وأحسن مثواه.
*53*
أتعلّم:
- أنِّ خلق الإنسان كان لغاية سامية وهدف نبيل، وهو العبادة.
- أنَّ خلق الإنسان لم يكن عبثيا بل لحكمة أرادها الله، وكذا خلق السماوات والأرض وما فيهنّ، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) سورة المؤمنون.
استنتج:
أن الله تعالى جعل الإنسان مُكلفا مُختارا، وابتلاه بالخير والشر؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، ولتتمايز معادن الناس، وفي الحديث: (الناسُ معادن كمعادن الفضة والذهب، خِيارهم في الجايلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا). رواه مسلم.
*54*
اَلتقويم
أجبْ عمّا يأتي:
1. ما الهدف من خلق الإنسان؟
2. عرّف مفهوم العبادة!
3. وضّح أهمية العبادة في الإسلام!
4. ميّز العبادة بالمفهوم الخاصّ من العبادة بمفهومها العامّ فيها يأتي:
- الاجتهاد في طلب العلم.
- الإمساك عن الطعام والشراب نهارا في رمضان.
- إتقان المعلم تعليم تلاميذه.
- الأذكار عقب الصلوات الخمس.
- سعي الوالدين في طلب الرزق.
- عيادة المريض!
5. اِستخرج من الآية الكريمة الآتية ثواب مَنْ يحقق ما خُلق له: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) سورة البقرة!
*55*
*55*
اَلحقيقة الناصعة الواضحة انّ لكل بداية نهاية، ولكلّ مخلوق أجل لا يستأخر عنه ساعة ولا يستقدمُ، فهذا أمر يقينيٌّ قاطع، يؤمن به الإنسان مهما كانت درجة إيمانه، فلا أحد سيبقى في الدنيا إلى ما لا نهاية، وفي ذلك قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) سورة الرحمن. فالموت حق على المخلوقات، ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقول: (اللهمَّ إنِّي أَعُوذُ بِعزَّتِكَ، لا إلهَ إلا أَنْتَ، أنْ تُضلَّنِي، أنْتَ الحَيُّ الذي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ والإنْسُ يَموتونَ) رواه مسلم.
مناقشة
- ما أثر تذكر الموت في إصلاح النفوسِ؟
- (من أيْقن أن الموت حق، والجنة حقّ، والنار حقّ؛ هانتْ عليه مصائبُ الدنيا وهمومها"، ناقش هذا القول.
مفهوم الأجل:
الأجل هو الوقت الّذي حدّده الله تعالى نهاية لحياة الإنسان وِفْقَ علْمه وحكمته، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا (145) سورة آل عمران، فهو بيد الله تعالى لا يتقدم عن وقته ولا يتأخر، قال تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) سورة المنافقون.
فعلى المسلم أنْ يستعدّ للقاء ربه أن ينتهي أجله.
*56*
يدركُ المسلم أن الموت حقٌّ، وأنه قدَرُ الله يُنهي قوَّة القويّ، وضغف الضعيف، وينهي صحّة الصحيح ومرض المريض، وأن بعدهُ حسابًا وجزاءً، فإمّا الجنّة وإمّا النارُ، حيث قدر الله لكل مخلوقٍ أجلًا فلا يتأخر عنه، ولا يتقدّم، ولا يمنعُ من الموت طول بقاء، أو صحة، أو صغرُ سنٍّ، قال تعالى: )أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (78)) سورة النساء.
ووقتُ الموت لا يعلمه إلا الله تعالى، فلا أحد من المخلوقين يعلم متى سيموت، ولا كيف يموت، ولا أينَ يموتُ، فما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأيّ أرض تموت. قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)) سورة لقمان.
وحقيقة أخرى يجب أن يعلمها الإنسان أن هذه الحياة المحدودة التي لها بداية ونهاية، أنها من بدايتها إلى نهايتها مفتوحة أمامه بطرقها ومساراتها، لكن ليس في النهاية إلا طريقان: طريق الجنّة وطريق النار. فالناس في الدنيا يصنّفون بمئات الأصناف، أمّا يوم القيامة فإنهم جميعا إما مؤمن وإما كافر، قال تعالى:
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)) سورة آل عمران.
*57*
أتعرّف:
من حكمة الله - وهو المحيي المميت - أنْ جعل للموت سبب:
السبب الأساس للموت هو: انتهاء الأجل، أمّا الأمور الظاهرة والمشاهدة كالمرض والتعرّض للحوادث فإنها أسباب لا تؤدّي إلى الموت بذاتها، ويظهر أثرها إذا وافقت انتهاء الأجل.
إن الإنسان المُفرط لما يحضره الموت يندم حيث لا ينفع الندم، ويتمنى أن يؤخر إلى أجل قريب، ولن يؤخر، ولن يرجع إلى الدنيا، فما أشدَّ حسرته! وما أطول ندمه! أما المؤمن التقيّ الطائع فإنه يرى الموت تحفته، ودافعًا إلى الجِدّ والعمل الصالح، وراحة له من نصب الدنيا ولأوائها، وينقله إلى جوار من يحبّ.
لما احتضر سيدنا بلال بن رباح رفي الله عنه وكانت زوجته تبكي بجواوه قال لها: (لا تبكي؛ غدا أَلْقَى الأَحِبَّةَّ وَصَحْبَهْ) ابن عساكر في تاريخ دمشق. فمزج مرارة الموت بحلاوة الشوق إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن تقدمه من الصحابة رضوان الله عليهم.
*58*
اَلتقويم
أجِبْ عمّا يأتي:
1. ما الأسباب الظاهرة للموت؟ أذكر ثلاثة منها!
2. ما السبب الحقيقي للموت؟ وضّح ذلك!
3. كيفَ يؤثّر الموت في سلوك الإنسان؟
4. ما المقصود يالقول "الأجل بيد تعالى"؟
إبحث في أحد كتب التفسير وأجب:
قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) سورة المُلك.
لماذا خلق الله تعالى الحياة والموت؟
*59*
*59*
مِنْ أحداث اليوم الآخر
إنّ لهذه الحياة أمدًا ونهاية، وإنّ كل نفس لا بدّ وأن تموت، ثمّ يكون بعد الموت بَعْث وحَشْر وحساب. وخُلقَ الإنسان ضعيفًا، وتعتريه الغفلة، فكان من رحمة الله على عباده أن أخبرهم عن تلك المواقف وما يجري فيها من أمور وما يكون فيها من أهوال؛ ليعدّ لها الإنسان عدته، ويسعى إلى نجاته، (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) سورة الشعراء.
أَقرأُ وأَفهمُ:
قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)) سورة النحل.
وقال تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44)) سورة ق.
وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)) سورة التغابن.
*60*
البعثُ والحشْرِ:
البعثُ: هو إعادة الأجساد بعد فنائها، فتعود لها الحياة روحًا وجسدًا بعد مماتها.
الإيمان بالبعث هو أن يصدق المؤمن تصديقًا جازمًا بأن الله تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرّق منها حتى تصيد بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حيّة، فيقوم الناس كلّهم بأمر الله تعالى أحياءً صغيرهم وكبيرهم. قال تعالى: )أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير((11) سورة العاديات.
والحشر: هو الجمع، وقد سمّي يوم القيامة بيوم الجمع؛ لأن الخلائق كلها تجمع فيه، ويكون الحشر بعد بعث الخلائق وإخراجهم من قبورهم. ويتم حشر الخلق بِسَوْقِهِم إلى موقف الحساب، وهو المكان الذي يقفون فيه انتظارًا لفصل القضاء بينهم.
قال تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) سورة القمر.
وقال النبى (صلى الله عليه وسلم): (تُدْنى الشمسُ يومَ القيامَةِ مِنَ الخَلقِ حتّى تَكونَ مِنْهُم كمقْدارِ ميلٍ، فيكونُ الناسُ على قدرِ أعمالهمْ في العرقِ فمنهمْ مَنْ يكونُ إلى كعْبيهِ، ومنهم مَنْ يكونُ إلى ركبتبهِ، ومنْهمُ مَنْ يكونُ إلى حِقْوَيهِ، ومنْ يُلجِمُهُ إلجامًا) وأوْمَأ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) إلى فيه. رواه مسلم.
(حقوَيْهِ): الحِقوُ: الخُصْر، وهو وسط الإنسان فوق الوَرْك. (والوَرْكُ: ما فوق الفخِذ من الإنسان، منطقة خلفية للحوض، تبدأ من الخصر إلى الفخذ).
*61*
نَشاط بيتيّ:
اِرجع إلى المصحف الشريف واقرأ السور التالية: القيامة (الآيات 1-12)، والانفطار، والزلزلة، والقارعة.
ثم اذكر بعض أهوال القيامة التي اشتملت عليها آياتها!
وعن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم):
(ما بَيْنَ النفْخَتَينِ أَرْبَعونَ) قالوا: يا أبا هُرَيرة أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبيتُ، (ثُمَّ يُنزل الله من السماءِ ماءً فينبُتونَ، كما ينبُتُ البَقْلُ) قال:
(وليس من الاسان شيءٌ إلا يَبْلى، إلا عظمًا واحِدًا، وهوَ عَجْبُ الذنَبِ، ومنه يُركبُ الخَلقُ يومَ القيامةِ) البُخاري ومسلم.
(قال أبيتُ) معناه: أبيتُ أن أجزم بأنّ المُرادَ أربعون يومًا أو سنةً أو شهرًا. وقد جاء من رواية غيره من الصحابة رضي الله عنهم أنّها أربعون سنة (عَجْبُ الذنب) العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو رأس العصعص، وهو أوّل ما يُخلق من الآدمي وهو الذي يبقى منه ليُعاد توكيبُ الخلق عليه.
أفكّر وأستنتِجُ:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (6)) سورة الحج.
ذكر الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين دليلين على البعث، ما هما؟ وكيف يكون الاستدلال بهما؟
*62*
العَرضُ والحسابُ
إنّ في القرآن الكريم والسنّة المشرفة نصوصًا كثيرة؛ آيات كريمة وأحاديث شريفة، تثبت العرض والحساب وتبين مصيرَ الإنس والجنِّ، إما إلى جنة ورضوان ونعيم مقيم، وإمّا إلى نار وحميم وخسران مُبين. فكان لزامًا على كل عاقل أن يُعِد العُدة ويتزود بالزاد الصالح ويتحلى بالتقوى ليفوز يومئذ.
قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8) سورة الزلزلة.
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)) سورة الانشقاق.
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ ((11)) سورة القارعة.
وقال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)) سورة يس.
مفهوم العَرْض والحساب:
العَرْض: هو عَرْض العباد على الله، قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)) الحاقة، وقال تعالى: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (48)) الكهف، يعرضون على الله تعالى حفاة عراة، غُرلًا. (غرلًا): غير مختونين.
والحساب: هو سؤال الله لعباده عن أعمالهم، وعمّا فعلوه بالنعم التي مَنحهم إيّاها؛ فيّسرُّ المؤمن التقي، ويخيبُ الفاجر الشقيُّ. وفي الحديث: (مَا مَنْكمْ مِنْ أحدٍ إلا سيُكلِّمُهُ اللهُ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ تُرْجمانٌ). البُخاري ومسلم.
*63*
والمؤمنون على درجات؛ فمنهم مَن يدخل الجنة بغير حساب، ومنهم من يُحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا، وهو العرض، ومنهم من ديُناقش الحساب، وفي الحديث: (مَنْ نوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ). البخاري ومسلم، ولكنه لا يبقى في النار بقاءً دائمًا.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (عُرضتْ عَليَّ الأُمَمُ، فأخذَ النبيُّ يمُرُّ معهُ الأمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ معهُ النفَرُ، والنبي يَمرُّ معه العشرةُ، والنبيُّ يمُرُّ معهُ الخمسَةُ، والنبيُّ يمرُّ وحدهُ، فنظرتُ فإذا سواد كثير، قلتُ: يا جبريلُ، هؤلاءِ أُمتي؟ قال: لا، ولكن انظُرْ إلى الأفقِ، فنظرتُ فإذا سوادٌ كثيرٌ، قال: هؤلاء أمتُكَ، وهؤلاءِ سبعونَ ألفًا قُدامهمْ لا حساب عليهم ولا عذاب، قُلتُ: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوونَ، ولا يسترقونَ، ولا يتطيَّرونَ، وعلى ربِّهمْ يتوكَّلونَ. فقام إليهِ عُكاشة بْنُ مِحْصنٍ، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهُمْ، قال: (اللهمَّ اجعلهُ منهُمْ) ثُمَّ قامَ إليه رجلٌ آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ). البخاري ومسلم.
وعَنْ عائِشة رضي الله عنها: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالَ: (لَيسَ أحدٌ يُحاسبُ يومَ القيامةِ إلا هَلَكَ (فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: (فَأَمّا مَنْ أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسيرًا (8)) سورة الانشقاق. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّما ذلك العَرْضُ، وليْسَ أحَدٌ يُناقَشُ الحِسابَ يَوْمَ القيامَةِ إلَّا عُذِّبَ) البُخاري.
أتعلّم:
- أنَّ الناس سيخرجون من قبورهم ويُعرَضون على الله تعالى.
- أنَّ الناس محاسبون على أعمالهم التي قدّموها في الدنيا.
- أنَّ المؤمنين يُحاسبون حسابًا يسيرًا ويؤْتى كل منهم كتابهُ بيمينه.
- أنَّ ما يصيب المؤمنَ مِنْ شدَّة وبلاء ومرض ونصبٍ في الدنيا يُكفِّرُ عنه مِنْ سيئاته.
- أنَّ نبيَّنا (صلى الله عليه وسلم) أكثر الأنبياء وَالمرسلين أتباعًا يوم القيامة، وأمّته أكبر الأمم، وأفضلُها.
*64*
نشاط صفيّ:
إقرأ الآيات التالية: ثم بيّن كيف يكون الناس يوم القيامة من حيث: حالُهم، صفتُهم، ما يلاقونه من أمور، وما مصيرُهم؟
قال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)) سورة الزًّمَر.
وقال تعالى:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)) سورة القيامة.
وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)) سورة عبس.
وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)) سورة آل عمران.
وقال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)) سورة يونس.
وقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10)) سورة الغاشية.
*65*
اَلتقويم
أجِبْ عمَّا يأتي:
1. أذكر كيف يكون حال الناس عند البعث وفي الحشر؟
2. قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)) سورة المؤمنون.
أذكر بعض الدلائل والمعاني المشتركة بين هذه الآيات الكريمة والآيات المتقدمة من سورة الحج (الآيتان 5-6)
3. إبحث! وأذكر أسماء أخرى ليوم البعث ويوم الحشر!
4. ما مصير من يكذب بيوم البعث؟ وكيف يكونُ حالهُ؟
5. اُذكر نوعي الحساب يوم القيامة! ومن يخص كل منهما؟
6. من خلال الآيات التي مرّت في الدرس؛ اكتب ما يدل على المسائل أو المعاني التالية:
- يرجع إلى أهله في الجنّة فرحًا بما أعطاه الله.
- جزاء الناس وِفق أعمالهم.
- مَنْ عمل في الدُنيا وزن ذرّة من خير يرى ثوابه.
- الناس سيخرجون مِنْ قبورهم، ويُعرضون على الله تعالى.
- الذين لهم الحسنى في الآخرة.
*66*
الشفاعة
مفهوم الشفاعةُ، هي: طلب ممن وقع في حقه ذنب أو تقصير، أن يتجاور عن المذنب أو المقصّر. وهي توسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة، ومثال جلب المنفعة: شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأهل الجنة بدخولها أو الترقي فيها، ومثال دفع المضرّة: شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) لمن استحق النار من عُصاة الموحدين أنْ لا يدخلها، أو أن يخرج منها. وتسمّى الشفاعة وسيلة.
أنواعُ شفاعته (صلى الله عليه وسلم):
- النوع الأول: الشفاعة العظمى الخاصة بنبيّنا (صلى الله عليه وسلم) مِنْ بين سائر إخوانه مِنَ الأنبياء والمرسلين، عليهم الصَّلاةُ والسلام أجمعين.
- النوع الثاني: شفاعته (صلى الله عليه وسلم) في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنّة.
- النوع الثالث: شفاعته (صلى الله عليه وسلم) في قوم آخرين قد أمر بهم إلى النّار أن لا يدخلوها.
- النوع الرابع: شفاعته (صلى الله عليه وسلم) في رفع درجات من يدخل الجنّة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
- النوع الخامس: الشفاعة في أقوام ليدخلوا الجنّة بغير حساب وهم السبعون ألفًا.
- النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمّن يستحقه. كشفاعته (صلى الله عليه وسلم) في عمّه أبي طالب أن يخفّف عنه عذابه.
- النوع السابع: شفاعته (صلى الله عليه وسلم) أن يُؤْذَنَ لجميع المؤمنين في دخول الجنة.
- النوع الثامن: شفاعته (صلى الله عليه وسلم) في أهل الكبائر مِن أمّته ممّن دخل النّار فيخرجون منها.
نَشاطٌ بيتي:
اِرجع إلى المصحف الشريف واقرأ الآيات التالية:
الأعراف (الآية 53)، الشعراء (الآيات 91-104)، المُدَّثِر (الآيات 39-48).
ثم بيّن كيف يكون حال الكافرين مع الشفاعة؟ وهل لهم منها نصيب يوم القيامة؟
*67*
حديثُ الشفاعةِ:
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (يجتَمعُ المُؤمنون يَومَ القِيامَةِ، فَيقولونَ: لو استَشْفعْنا إلى رَبِّنا، فَيَأتونَ آدمَ فَيقولونَ: أنتَ أبو الناسِ، خلقَكَ اللهُ بيدِهِ، وأسجدَ لَكَ مَلائكَتَهُ، وًعلَّمَكَ أسماءَ كُل شيءٍ، فاشفعْ لنا عِنْدَ رَبِّكَ حتّى يُريحنا من مَكاننا هذا، فَيقولُ: لَستُ هُناكُمْ، ويذكرُ ذنبهُ فَيستَحي، إيتوا نوحًا، فإنهُ أوَّلُ رسولٍ بعثهُ اللهُ إلى أهلِ الأرض، فيأتونَهُ فيقول: لَستُ هُناكُمْ ويَذكُرُ سؤالهُ رَبَّهُ ما ليسَ لهُ بِهِ عِلمٌ فيَستحي فَيقولُ: ائْتوا خليلَ الرحْمَنِ فَيَأتونه فَيَقول: لَسْتُ هُناكمْ، إيتوا مُوسى عبدًا كَلَّمهُ اللهُ وأعطاهُ التوْراةَ، فيأتونَهُ فيقولُ: لَستُ هُناكمْ، ويَذْكرُ قَتْلَ النَّفسِ بغير نفسٍ فيستحي مِنْ رَبِّهِ فيقول: إيتوا عيسى عَبْدَ اللهِ ورسولهُ، وكَلمَةَ اللهِ وروحهُ فيقولُ: لَسْتُ هُناكمْ، إيتوا مُحَمَّدًا (صلى الله عليه وسلم)، عَبدًا غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فيأتوني، فأنْطَلِقُ حتى أستأذِنَ على رَبّي، فيؤذن لي، فإذا رأيت رَبّي وقعتُ ساجِدًا، فيدعُني ما شاء اللهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رأسَكَ وَسَلْ تُعطهْ، وَقُلْ يُسمعْ واشفع تُشفعْ، فأرفعُ رَأسي، فَأَحمدُهُ بِتَحميدٍ يُعلمُنيهِ، ثُمَّ أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأدخلهُمُ الجَنَّةَ، ثم أعودُ إليهِ فإذا رأيتُ رَبّي مِثلهُ، ثُمَّ أشْفعُ فيحُدُّ لي حَدًّا، فأُدخلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ الرابعةَ، فأقول ما بَقيَ في النارِ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرآنُ، ووجب عليه الخُلودُ).قوله: إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ)، يعني قول الله تعالى (خالخالِدينَ فيها (162) سورة البقرة. البُخاري ومسلم.
معاني المفردات:
(لَسْتُ هُناكمْ) لست أهلا لهذه المرتبة وهذا العمل.
(ذنبه) وهو قربان الشجرة التي نهي عن الاكل منها.
(أوّلُ رَسولٍ) بعد الطوفان الذي حصل وأهلك الناس.
(ما ليس له به علم) ما لم يطلع على الحِكمة منه وذلك عندما سأل ربّه تعالى نجاة ولده من الغرق.
(قَتْلُ النَّفسِ) هو قتله القبطي.
(كلمتُهُ) لأنه وجد بكلمة كن.
(روحُهُ) لأنه ذو روح.
(بتحميد يُعَلِّمنيهِ) بجمل وألفاط فيها أعلى معاني الحمد يلهمني الله تعالى إيّاها في ذاك الموقف. (فَيَحُدُّ لي حّدًّا) يعيّن لي قومًا.
(إليه) إلى الله عز وجل.
(مثله) أي فعلت مثل ما فعلت في المرة الأولى.
(حَبَسَهُ القرآنُ) حكم عليه القرآن بالخلود في النار بمثل قوله تعالى: (خالِدينَ فيها) حيثما ورد ني القرآن.
*68*
- كيف ترى منزلة النبي (صلى الله عليه وسلم) مِنْ خلال هذا الحديث؟
- هل في هذا الحديث دلالة على رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالناس؟ بيّن!
- لماذا يتوجه المؤمنون إلى هؤلاء النبيّين دون غيرهم؟ وضّح!
*69*
اَلتقويم
أجب عما يأتي:
1. عن عَوْفِ بن مالك الأشجعيِّ (رضي الله عنه) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أَتاني آتٍ مِنْ عندِ ربّي فخَيِّرني بينَ أن يُدخلَ نِصْفَ أُمتِي الجَنَّةَ وبينَ الشفاعةِ، فاخْترتُ الشفاعَةَ، وَهيَ لمنْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شيئًا). الترمذيّ.
اِستخلص ثلاثًا مِنْ دلالات هذا الحديث!
2. لمنْ تكونُ الشفاعة يومَ القيامةِ؟
3. مَنْ هم أسعد الناس بشفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
4. اِرجع إلى مصادر المعلومات المختلفة، ثم استخرج الحديث التالي، واكتبه في دفترك:
قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم): (أُعْطيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْليِ: -- وأُعطيتُ الشَّفاعةَ، --).
*70*
*70*
الجنّة جزاء المتّقين
يرزق الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات واتقوا ربّهم: الجنّة، يدخلونها خالدين فيها، ويؤخر فريقًا عن دخولها، وهم عُصاة المُوحِدين، فإنهم يبقون في النار ما شاء الله لهم أن يمكثوا فيها، ثم يخرجون منها إلى الجنة بمشيئة الله ورحمته.
قال تعالى:
(وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) سورة البقرة.
وقال تعالى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)). سورة آل عمران.
وقال تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)). سورة آل عمران.
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46)) سورة الحجر.
صفة الجنة ونعيمها وخصائصها:
إن صفة الجنة ومعرفة خصائصها ومزاياها وكذا نعيمها أمرُ ليس بمقدور العقل أن يحيط به، وما جاء في القرآن العظيم وفي السنّة المطهرة إنما هو تقريب لبعض ما أعدّ الله للمؤمنين فيها، ليطلبوها ويشتاقوا إليها، فممّا جاء في شأنها:
- أنّ فيها ما لا عَينٌ رَأتْ وَلا أذُنٌ سَمعتْ ولا تخيّله عقل: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (قال الله عز وجل: أعْددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت وَلا أذنٌ سمعتْ ولا خطر على قلب بشرٍ، واقرأوا إنْ شئتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ (17) سورة السجدة). رواه البخاري ومسلم.
- أنها خفتْ بالمكارةِ: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): حُفَّتِ الجنةُ بِالمَكارهِ وَحُفتِ النارُ بالشهواتِ) مسلم.
*71*
- أن خلقَها سابقٌ على خلق النار: قال (صلى الله عليه وسلم): (لمَّا خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ، قال: يا جبريلُ، اذْهَبْ فانْظرْ إليْها، فَذَهَبَ فَنَظرَ، فقالَ: يا رَبِّ، وعزِّتِكَ لا يَسْمَعُ بِها أحدٌ، إلاَّ دخلها، فحفَّها بِالمَكارِهِ، ثُّمَّ قالَ: اذهَبْ فانظُرْ إليها فذهَبَ فَنَظرَ إليها، فَقالَ: يا رَبِّ،لقدْ خَشيتُ أنْ لا يدخلَها أحدٌ، فلما خلق الله النارَ، قالَ: يا جبريلُ، اذهَبْ فانظرْ إليها، فذهَبَ فنظرَ إليْها، فَقَالَ: يا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِها أحَدٌ، فيدخُلُها، فحَفَّا بِالشهواتِ، ثُمَّ قالَ: اذْهبْ فَانظُرْ إليْها، فَذَهَبَ فنظر إليْها، فقال: يا رَبِّ، وعزتِكَ لقد خشيتُ أنْ لا يَبْقى أحَدٌ إلادخلها). ابن حبان في صحيحه.
- أن نعيمها لا ينقطع وسرورها لا ينفد.
- أنها لا صَخَبَ فيها ولا نَصَب، ولا همّ ولا غمّ ولا تعب، ولا أرَق ولا خوف ولا مرض ولا ألم ولا وَصَب، ولا حرّ ولا برد، ولا جوع ولا عَطَش، ولا نوم ولا مَوْت ولا فناء ولا كسل.
- أنّها باقية بلا نهاية.
- أنَّها جنَّةٌ تَجري فيها أنهار مِنْ مِياهٍ غير متغيرة الطَعْمِ واللون والرائحة، وفيها أنهار مِنْ لبن لم يتغيّرْ طعمهُ ولم يفسُدْ، وفيها أنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لذيذة الطعم والمذاق لشاربيها، لا تُغيب العقول، ولا تفسد أجساد الشاربين، وفيها أنهار من عسل قد صُفي من الشمع والفضلات. وللمتقين في الجَنَّةِ من كل الثمرات، ولهم مغفرة من الله، قال تعالى:
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)) سورة محمّد.
- أنها مأْوى المتّقين يوم القيامة، ويَلبسون فيها حليًّا مِنْ ذهب، ولؤلؤ، ويلبسون فيها ثيابًا من حرير. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)) سورة الحج. وقال تعالى:
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)). سورة فاطر.
*72*
- أنها مكانُ إقامة المتّقين. يأمنون فيها الموت وَالهمّ والحزن والعذاب، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)) سورة الدخان.
- أن فيها سُرُرًا (أسرّة) وأرائك ومخدات ومساند يتكئ عليها المؤمنون، قال تعالى: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)) سورة الغاشية.
(السرر) جمع سرير. (ونمارق) وسائد، ومفردها: نُمْرُقة. (الزرابي): الطنافس (الطنفسة: الصوفة أو الكنبة) التي لها خمل رقيق (مَبْثُوثَةٌ) كثيرة مفرّقة.
- أن أهل الجنّة يجلسون فيها على سُررٍ متقابلين متحابّين. قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)) سورة الحجر.
وقال تعالى: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)) سورة الواقعة.
(الوضونة) المنسوجة كحلقات الدرع، والمتواصلة قد أدنى بعضها من بعض، والمشبّكة بالدرّ والياقوت.
- أن فيها الحدائق وارفة الظِلال، كثيرة الفواكه، كثيرة المِياهِ، تجري في أرجائها الأنهار، قال تعالى:(أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)) سورة الكهف.
- أن للمتّقين فيها فَواكة مختلفة الأنْواع والطعوم والمذاق والرائحة، قال تعالى: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55))، ويأكلون اللحم الطيب اللذيذ، قال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)) سورة الواقعة. ولهم فيها من كلّ ما يرغبون به، قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)) سورة الزخرف.
- أن لأهل الجنّة حقَّ التمتّع بجميع ما فيها مِنَ النعيم دون حساب وبلا تحديد. قال تعالى: (...
*73*
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)). سورة غافر. وقال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)). سورة الواقعة.
- أن فيها (وِلْدانٌ مخلّدون) غِلمانٌ وجوههم نَضِرَةٌ حسنة ومشرقة، كأنَّهم لِشدة حُسنِهم وروعة جمالهم اللؤلؤ المنثور، لا يَهرمون، ولا تتبدّل أحوالُهم، ولا يَموتون، قال تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19)). الإنسان. وقال تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)) سورة الواقعة. يقومون بخدمة أهل النعيم.
- أن للمؤمنين في الجنّة زَوجاتٍ حِسانًا واسعاتِ العُيون، قال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)) سورة الطور. وقال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)) سورة الواقعة. وقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)) سورة البقرة.
نشاط صفي: اِقرأ واستنتج
اِستخرج من النصوص التي مرّت في هذا الدرس الأدلة أو الشواهِدَ على ما يلي: (إنّ في الجنّة أشجارا وحدائق)، (فيها السررُ والأرائك)، (فيها الطعام الطيب الشهي، والشراب اللّذيذ)، (يتزوج المؤمن من الحور العين)، (الحور العين جميلات جدًّا)، (في الجنّة أصناف الفاكهة الكثيرة)، (لباس أهل الجنّة من الحرير والاستبرق)، (الجنة كثيرة المِياه؛ فيها الأنهار الجارية والعيون الكثيرة)، (أهل الجنّة يطلبون ما يشتهون ويأكلون ويشربون ويتمتّعون بما يرغبون)، (هم فيها آمنون)، (لا يموتون)، (ولا يمرضون)، (ولا يصيبهم أيّ أذى)، (سعداء)، (مرتاحون)، (يتزاورون)، (وهم فيها خالدون).
*74*
صفة أهل الجنّة عامّة؟
- سُئِلَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الجنَّة: كيفَ هيَ؟ قال: (مَنْ يدخُلُ الجَنَّةَ يحيى لا يموتُ، وينعَمُ لا يَبْأسُ، وَلا تَبْلى ثَيابهُ، وَلا يُبلى شَبابهُ، قيلَ: يا رسول اللهِ، كيفَ بِناؤُها؟ قال: لَبِنَةٌ من فِضَّةٍ، وَلَبنةٌ مِن ذَهبٍ، مِلاطُها مِسْكٌ، وَحصباؤُها اللؤْلؤُ والياقوتُ، وتُرابُها الزعْفرانُ). ابن أبي شيبة في المصنف.
- قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أوَّلُ زمرةٍ قدخلُ الجنةَ مِنْ أُمتي عَلى صورةِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ على أشَدِّ نَجْمٍ في السماءِ إضاءةً، ثُمَّ هُمْ بعد ذلك مَنازلٌ، لا يتغوَّطونَ ولا يبولونَ ولا يمتخطونَ ولا يبزُقونَ، أمشاطُهُمُ الذهبُ ومجامرُهم الألُوَّةُ ورشحُهُمُ المِسكُ، أخْلاقُهم على خُلقِ رَجُلٍ واحِدٍ، على طول أبيهم آدم سِتونَ ذِراعًا). مسلم.
معاني المفردات: مِلاطها المسك: أي طينها المسك. والملاط: الطين الذي يطلى به الحائط. (اللَّبنة): واحدة اللبنِ وهي التي يُبنى بها الجدار (رشحهم المسك): عرقهم كالمسك في طيب رائحته، و(المجامر): جمع (مِجْمَر (ومُجْمَر) الذي يوضع فيه النار للبخور (الألوَّةُ): العود الهندي الذي يُتبخّر به.
أفكّر أناقش وأتدبر؟
كيف يكون حال مَنِ اطلع على صفة الجنّة وصفة أهلها ونعيمهم!
في ظنّك! هل قدمت للجنة ما يجعلك تستأهل نعيمها المقيم؟ وكيف تُصلح ما فات؟
*75*
صفةُ نساء الجنّة خاصّة:
قد وصف الله تعالى نساء أهل الجنّة والحور العين وحسنهنّ وجمالهنّ الظاهر والباطن في كتابه العزيز بأوصاف عدّة، منها:
- أنهن حسناوات جميلات سوداوات العيون، قال تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)) سورة الدخان.
- أنهن في صفاء الياقوت وفي بياض المرجان، قال تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) (58)) الرحمن.
الرحنن. قيل: لو أن إحداهرع اطلعت مرع السماء لأضاءت لها، ولفلب ضوء وجهها الشمس والقمر. قيل: لو أن إحداهن اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولغلب ضوء وجهها الشمس والقمر.
- أنهن مطهرات من كل أذى كان يصيب النساء في الدنيا قال تعالى: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) سورة البقرة الآية 25، وسورة النساء الآية 57.
- أنهن خيرات الصفات والشِيَم، وحسان الوجوه، قال تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) الرحمن.
أتعلّم:
- أن الله يحب عبده المؤمن ويكرمه، وتظهر كرامة المؤمنين في أبهى صورها في مستقرّ إقامتهم.
- أن الجنة تستحق أن يجد الإنسان في طلبها، وأن يُضحي من أجلها.
- أن الجنة لا تُنال بالتمني والتشهّي، وإنما بإيمان بالله، وإخلاص له، ورغبة إليه، وبعمل صالح.
- أن كرم الله لا يقف عند حدّ ولا يحصره عدّ، فهو سبحانه يثيب عل القليل والكثير،
- قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)) سورة الزلزلة.
*76*
أسماء ُ الجنة:
ذكر القرآن الكريم الجنّة بأسماء عدة، لشرفها وعظيم أمرها، وهذا التعدد هو باعتبار صفاتها وإن كان مسمّاها باعتبار ذاتها واحدًا، فالاسم العام الذي يتناول تلك الدار وما فيها مِنَ النعيم هو (الجنة)، قال تعالى: (تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا (63)) سورة مريم.
وقال تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) سورة الأعراف.
فمن أسمائها: دار السلام، قال تعالى: (هُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)) سورة الأنعام. (ودار المقامة) قال تعالى: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)) سورة فاطر.
نشاط بيتيّ:
ارجع إلى المصحف الشريف واستخرج أسماء أخرى للجنّة من الآيات التالية:
مريم الآية 61، المؤمنون الآيتان 10-11، العنكبوت الآية 64، لقمان الآية 8، الدخان الآية 51، النجم الآية 15، القمر الآيتان 54-55.
*77*
النار وجحيمهُا
إن الله تعالى الرحيم بأهل الإيمان والتقوى والطاعة والخير والبر، وهو الرؤوف بهم، (...يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54)) سورة المائدة، وهو الغفور الذي يفغر ذنوبهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وهو التواب الذي يلهمهم التوبة ويتقبلها منهم (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) سورة الأحزاب. وهو سبحانه شديد العقاب لمن ماتوا وهم كفار نشروا الشر وأظهروا في الأرض الفساد، وهو المنتقم ممن ظلموا وتكبروا وتجبروا وساموا الأبرياء صنوف العذاب. فإن غفر ورحم فبفضله وتكرما منه، وإن عذب وانتقم فبعدله ولا يظلم الله أحدا أبدا، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) سورة النساء، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44))
سورة يونس.
النار دار العذاب بئس المصير والمآب:
قال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78)) سورة الزخرف.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)) سورة الأعراف.
وقال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) سورة الحج.
*78*
وقال تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)) سورة العنكبوت.
وقال تعالى: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)) سورة الدخان.
وقال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): (نارُكُمْ جُزءٌ مِنْ سَبْعينَ جُزْءًا مِنْ نارِ جَهَنَّمَ)، وقبل يا رسول الله إن كانت لكافية قالَ: (فُضِّلتْ عليهنَّ بتسعةٍ وَستينَ جُزءًا مِثْلُ حَرَّهَا). رواه البُخاري ومسلم.
أعرفُ وأتيقنُ:
أن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، فهو أعدل العادلين، لذلك يختلف عذاب المعذبين يوم القيامة ويكون على قدْر كبائرهم وعتوهم وإصرارهم، فكل بحسب ذنبه وزلته. قال (صلى الله عليه وسلم): (مِنهُمْ مَنْ تأخُذُهُ النارُ إلى كعبَيهِ، وَمِنْهُمُ مَنْ تأخُذُهُ النارُ إلى حُجْرتهِ، ومنهُمْ مَنْ تَأْخذُهُ النارُ إلى تَرْقُوتهِ.) مسلم.
معاني المفردات:
(حُجْزَتِهِ): وسطه، مكان وضع الحزام.
(الترقوة): العظم الذي في أعلى الصَدرِ بين ثَغرة النحر والعاتق (الكتف).
*79*
نشاط صفّي:
اِستخرج من الآيات التالية ومن التي تقدمت في الصفحة السابقة ما يُلاقيه أهل النار من صُنوف العذاب!
- قال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)) سورة القمر.
- وقال تعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)) سورة النبأ.
- وقال تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71)) غافر.
- وقال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)) الواقعة.
- وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)) النساء.
- وقال تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)) الغاشية.
والضريع نوع مِنَ الشوك المرّ النتن، لا ينفعُ آكلهُ ولا يُشبعهُ.
- وقال تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)) المزمّل. والغصة هي التي يعلق بها الطعام في الحلق فلا يسهل عليه دخوله إلى الجوف ولا يسهل خروجه عنه للتخلّص منه.
- وقال تعالى: (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)) الحاقّة. والغسلين: صديد الأبدان والقيح.
- وقال تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) إبراهيم.
*80*
اَلتقويم
أجب عمّا يأتي:
1. ما أثر معرفة صفة الجنّة ونعيمها ومعرفة أهوال النار وجحيمها على سلوك المسلم؟
2. هل لمعرفتك بخصائص الجنّة تأثير على تحديد هدفك في حياتك؟ بين ذلك
3. قارن بين أهل الجنّة وأهل النار، من حيث: طعامُهم وشرابُهم، ألوانُهم وبشرتُهم، لباسهم وحليُّهم، ومعاملتُهم!
4. كيف يتّقي المؤمن عذاب النار؟
5. برأيك! مَنْ أشدُّ تحفيزًا على طاعة الله، ذِكر صفة الجنّة ونعيمها أم ذكرُ صفة النار وأهوالها وجحيمها؟ ولماذا؟
*81*
*81*
إنّ الإيمان بالقضاء والقدر ركنٌ مِنْ أركان الإيمان الستّة. ونبين فيها يأتي أنّ الفهم الصحيح لهذا الركن الهامّ يجعل المؤمن في ثقة بوعد الله وأمره وفي طمأنينة لما يقضيه المولى الكريم ويقدّره.
مفهوم القضاء والقدر:
القضاء: هو العلم السابق الّذي حكم الله بِه في الأزل.
والقدر: وقوع الخلق على وفق الأمر المقضي السابق (القضاء).
قال تعالى: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)) سورة مريم، وقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)) سورة البقرة. فالقضاءُ والقدرُ أمران متلازمان، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، فأحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء.
عن عليّ رضي الله عنه، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في جَنازةٍ، فَأَخذ شيئًا فجعل ينْكُتُ به الأرضَ، فقال: (ما منكم من أحدٍ إلّا وَقَد كُتِبَ مَقعدُهُ من النارِ، ومقْعَدُهُ مِنَ الجنَّةِ) قالوا: يا رسول الله، أَفَلا نتَّكِلُ على كِتابنا، وندعُ العَمَل؟ قال: (اِعْملوا فكُلٌّ مُيسَّر لما خُلقَ له، أمّا من كان من أهلِ السعادة فيُيّسَّرُ لِعَمَلِ أَهلِ السعادةِ، وأمَّا من كان من أهلِ الشقاءِ فيُيَسَرُ لِعملِ أهلِ الشقاوةِ)، ثم قرأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)) سورة الليل.
رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن مسعود، قال: (حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوقُ: (إنّ أحدكم يُجْمعُ خَلْقُهُ في بطنِ أُمِّه أربعين يومًا، ثمَّ يكونُ في ذلك عَلَقةً مثلَ ذلك، ثم يكون في ذلك مُضغَةً مثل ذلك، ثم يُرسَل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربعِ كلماتٍ: بِكَتبِ رِزقهِ، وأجلهِ، وعملهِ، وشَقيٌ أو سعيدٌ، فَوالّذي لا إله غيرُهُ إنَّ أحدكم ليعملُ بعملِ أهلِ الجِنَّةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهلِ النار، فيدخلها، وإنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل النار، حتى ما يكونُ بينه وبينها إلّا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة، فيدخلها) البُخاري ومسلم.
*82*
رعاية الأسباب مَنَ القدر:
إنّ الأخذ بالأسباب من صدق التوكُّل، وقوة اليقين، وصحة الدين، والخذ بها يكون دون الاعتماد عليها، ونسيان المُسبب وهو الله سبحانه. فاعتماد المرء على الأسباب وحدها خلل في العقيدة، وترك أخذِه بالأسباب خلل في العقل، ومن الفهم الصحيح للقدر، أن يأتي بالأسباب، ويُفرغَ قلبه من الاعتماد عليها، والركون إليها، ويعتمد على الله وحده، وقد جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلَيْن بقوله: (احْرِصْ على ما يَنفعُكَ، واسْتعنْ بِالله، ولا تَعْجِزْ) رواه مسلم.
ومن الفهم الصحيح للقدر، أن يأخذ بأسباب الهداية ويسلك سبيل الرشاد، فيصلّي ويزكّي ويصوم. ويأمر بالمعروف ويأتمر به، وينهى عن المنكر، وينتهي عنه، ويفعل الخير، ويجتنب السيئات والشرّ. وهو مع هذا كلّه يسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والرضا وحسن القبول.
أمثلة على فهم القدر:
1. درست سعاد للامتحان واستعدّت استعدادًا جيّدًا مستعينة بالله: فعل سعاد صحيح.
2. مرض أبو رَشدين ورفض العلاج والتداوي قائلًا: إنْ كتب الله لي الشفاء شُفيتُ: أخطأ أبو رشدين في ترك التداوي والعلاج، لأنّ الّذي خلق الداء وهو الله خلق الدواء.
3. يداوم أبو خالد على عمله الّذي يكسب منه قوته وقوت عياله ويتقنه، ويقول: الرازق هو الله، وأتقن عملي لأنّ الله يجبُّ إذا عمل أحدُنا عملًا أن يتقنه: فعل أبي خالد صحيح ولا ينافي القدر.
4. حرث المُزارع رضه ورَشَّ البِذار، وتعهدَّها بالرعاية والسقاية وحرص على دفع الآفات عن الزرع حتّى أتى وقت الحصاد: فعل المزارع صحيح ولا يتعارض مع القدر.
5. قال زيدون: (لا أصلي حتّى يهديني الله). أخطأ زيدون في ترك الصلاة، وعليه أن يؤدي ما فرض الله عليه، ثمّ يسأل الله الهداية والثبات على طاعته.
*83*
أفكّر:
مِن خلال ما تعلّمته عن القضاء والقدر وفهمته ممّا تقدم، أعط أمثلة أخرى!
أتعلّم:
أنّ الإيمان بالقدر يقومُ على أربعةِ أركانٍ، من أقرَّ بها جميعًا فإنّ إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختلّ إيمانُهُ بالقدر، وهذه الأركان الأربعة هي:
- الأوّل: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط.
- الثاني: الإيمان بكتابِ الله - قبل إيجاد الخلْقِ لكلّ ما هو كائن.
- الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التّامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
- الرابع: خلقه تبارك وتعالى لكلّ موجود، لا شريك لله في خلقه.
قصَّةٌ وعِبرةٌ:
عن عبد الله بن عبّاس: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لَقِيَهُ أهلُ الأجنادِ أبو عبيدةَ بن الجرّاح وأصحابهُ، فأخبروهُ أنَّ الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عبّاس فقال عُمرُ: ادْعُ لي المهاجرين الأولين فدعوتُهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمرٍ ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا نرى أن تُقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني، ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهُنا من مشيَخَةِ قُريشٍ من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إنّي مُصبِحٌ على ظهرٍ، فأصبحوا عليه،
*84*
فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبِلٌ فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهُما خصبة والأخرى جَدْبةٌ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجَدْبَةَ رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوفٍ، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إنَّ عندي من هذا عِلمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرضٍ، فلا تقْدُموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه). قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف. البخاري ومسلم.
ما العبرة المستفادة من هذه القصة؟
معاني المفردات:
(بِسْرَغ) قرية في طريق الشام ممّا يلي الحجاز. (الأجناد) أي الجند (الوباء) المرض العامّ وهو الطاعون. (بقية الناس) أي بقية الصحابة وسمّاهم الناس تعظيمًا لهم. (ارتفعوا عنّي) قوموا واذهبوا عني. (فسلكوا سبيل المهاجرين) مشوا على طريقتهم فيما قالوه. (مهاجرين الفتح) الّذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح (مُصبحٌ على ظهرٍ) مسافر في الصباح. (لو غيرّكَ) ممن ليس في منزلتك. (عُدْوَتان) طرفان والعدوة طرف الوادي المرتفع منه.
أفكر وأناقش:
أراد جلال أن يَعبر الطريق دون أن يلتفت يمينًا أو شمالًا بحيثُ يتأكد من إمكانيّة العبور، فنهتْهُ ختام عن فعله، وأرشدته، فقال جلال: لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولم يسمع لها. مع علمنا أنّه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فمن المحق منهما؟ ولماذا؟
*85*
التقويم
أجب عمَّا يأتي:
1. ما الّذي يرشد إليه حديث سيّدنا عمر رضي الله عنه المتقدم في شأن الطاعون؟
2. هل لفهم القضاء والقدر فهمًا صحيحًا ارتباط بنهضة الأمّة؟ وهل للخطأ في فهمه ارتباط بركود الأمّة أو انحطاطها؟ بيّن!
3- إذا خاطبك أحدهم بقوله: (لو شاء الله لهداني، ولهذا تراني لا أصلّي وأفعل الشر) فكيف تبيّن له خطأ مقولته تلك؟
4- اِرجع إلى مصادر المعلومات المختلفة، ثمّ اذكر بعض الأمثلة أو الشواهد الّتي تبيّن أنّ مؤاخذة العالم إذا فرّط وقصّر تكون أكبر من مؤاخذة غير العالم!
*86*
الفصلُ الثّاني اَلحديثُ اَلشريفُ وعُلومهُ
مفهوم السنّة النويّة صفحة 88
مِنْ مصادر التشريع الإسلاميّ: السنّة النبويّة صفحة 90
منزلة السنّة النبويّة مِنَ القرآن الكريم صفحة 93
مراحل تدوين السنّة النبوية صفحة 96
بعض رواة الحديث الشريف صفحة 101
أقسام الحديث الشريف مِنْ حيث صحّته صفحة 104
أقسام الحديث الشريق مِنْ حيث عدد الرواة صفحة 111
علماء الحديث وأشهر كتبهم صفحة 114
أحاديث مختارة للشرح والحفظ صفحة 120
*87*
تمهيد:
خلق الله الإنسان لعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)). سورة الذاريت. وأرسل الأنبياء لتعريفه بربّه وكيفية عبادته، قال تعالى:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78)) سورة غافر.
وبعث محمّدًا (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء، فكان المبلِّغ عن الله تعالى، المشرع لأمته بأمر الله عز وجل، فكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يشرح لأصحابه معاني القرآن الكريم، ويعلمهم أحكام الإسلام، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح أمورهم في الدنيا، وسعادتهم في الآخرة، فأصبح لِزاما على كل مسلم اتّباعه والعمل بهَدْيِه، وهو ما يسمّى بالسُنّة النبويّة، حيث جاءت السُنة النبوية شارحة ومبينة ومؤكدة للقرآن الكريم، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)). سورة النحل.
سنتطرق في هذا الفصل إلى التعريف بالسنّة النبوية، والتعرف على حجيّتها كمصدر مِنْ مصادر التشريع الإسلاميّ، والمراحل التي مرت بها من عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحتّى تدوينها في كتب الحديث المختلفة، كما نتعرف على أهميتها وعلاقتها بالقرآن الكريم، كما نقارن بين الأحاديث النبوية من حيث حال الرواة وعددهم، بالإضافة إلى شرح وتحليل بعض الأحاديث النبوية للتعرف على ما جاء فيها مِنْ أحكام وتوجيهات نبوية.
*88*
*88*
السنّة لغة: تأتي السنّة في اللغة بمعنى السيرة والطريقة، سواء كانت حسنة محمودة أمْ سيئة مذمومة، ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فعُمِلَ بِها بعدَهُ، كُتب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورهِمْ شيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئَةً فعُمِلَ بِهَا بعدَهُ، كُتبَ عليه مِثْلُ وِزرِ من عملَ بها ولا ينْقُصُ مِنْ أوزارهم شيءٌ) رواه مسلم.
السنّة اصطلاحًا: ما أُضيف إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) مِنْ قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
أقسام السُنة النبوية:
أ. السنّة النبوية القوليّة: وهي ما تكلّم بك النبي (صلى الله عليه وسلم) على وجه التبليغ.
مثال: قوله (صلى الله عليه وسلم): (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدهِ، وَالمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نهى اللهُ عَنْهُ). رواه البخاري.
ب. السنّة النبوية الفعليّة:
وهي ما نقله الصحابة رضي الله عنهم من أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) في شؤون العبادة، وغيرها من أمور التشريع.
مثال: ما روته عائشة رضي الله عنها: (إنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لَمْ يَكُنْ على شيءٍ مِنَ النَّوافِلِ أشَدَّ مُعاهدةً منهُ عَلى الرَّكعتينِ قبلَ الصُّبْحِ). رواه مسلم.
ومثال السنّة الفعليّة أيضًا، ما جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في كيفية أدائه للوضوء والصلاة.
*89*
ج. السنة النبوية التقريرية:
وهي ما أقره النبي (صلى الله عليه وسلم) مِنْ أفعال وأقوال صدرت عن بعض أصحابه، سواءً بسكوته مع دلالة الرضا أو بإظهار استحسانه وتأييده.
مثال: عنْ أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: (خَرَجَ رَجُلان في سفرٍ، فحضرتِ الصَّلاةُ وليسَ معها ماءٌ، فتيمَّمَا صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثُمَّ وجدا الماءَ في الوقتِ، فأعادَ أحدهما الوضوءَ والصلاة، ولم يُعد الآخرُ، ثُمَّ أتيا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكرا لهُ ذلك، فقال للذي لم يُعِدْ: (أصَبْتَ السنَّةَ وأجزأتكَ صَلاتُكَ"، وقالَ للذي توضأَ وأعادَ: (لكَ الأجرُ مَرِّتينِ). رواه أبو داود.
د. الصفة: وهي تشمل نوعين:
أ. الصفات الخُلقية: وهي ما كان فيه (صلى الله عليه وسلم) مِنَ الأخلاق الحميدة، كالحِلم والتواضع والرحمة والصبر والكرم ونحوها.
عن عليّ (صلى الله عليه وسلم): (كانَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دائم البِشر، سهل الخُلق، ليِّنَ الجانب، ليسَ بِفَظٍّ ولا غَليظٍ وَلا صَخَّابٍ، ولا فحَّاشٍ، وَلا عَيَّابٍ). البغوي في شرح السنّة. (صخّاب: شديد الصياح)
ب. الصفات الخَلقيّة: وهي صفاته الجسميّة التي خلقه الله عليها.
روى البّراء بن عازب (رضي الله عنه) قال: (كان النبي (صلى الله عليه وسلم) مَرْبُوعًا بَعيدا مَا بينَ المَنْكبينِ، لهُ شعرٌ يبلغ شحْمَهُ أذُنِه، ردأيتُهُ في حُلةٍ حمراءَ، لمْ أرَ قطّ أحسن مِنْهُ). متّفق عليه.
(مربوعًا: متوسّط القامة، بعيدًا ما بَيْنَ المَنْكبينِ: عريض أعلى الظَهر)
*90*
*90*
السُنّة النبويّة
مكانة السُنّة النبويّة:
السُنّة النبويّة هي كل قول أو فعل أو تقرير للرسول (صلى الله عليه وسلم) يبين أمرًا من أمور الدين، وهي بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي الشريف.
وللسنّة النبوية أهمية كبيرة ومكانة عظيمة، فقد بعث الله تعالى محمّدا (صلى الله عليه وسلم) وأمره بتبليغ الرسالة وبيان ما جاء في القرآن الكريم من تشريع، فكان القرآن المنزّل مِنَ الله تعالى، والسنّة النبوية التي ثبتت عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، يمثلان أساس التشريع في الإسلام، بحيث لا يمكن الإستغناء عنْ واحد منهما باعتبارهما وحيًا من الله تعالى، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) سورة النجم، فالسنّة النبوية هي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، اللّذان تُستنبط منهما الأحكام الشرعية، ولذلك فقد أوجب الله تعالى على المسلمين العمل بالسنّة، حيث قال تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)). سورة الحشر
واعتبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأحكام الواردة في السنة النبوية كالأحكام الواردة في القرآن، وحذّر مِنْ رفض السنّة النبوية، فقال (صلى الله عليه وسلم): (يُوشِكُ الرجلُ مُتَّكئًا على أريكته يحدثُ بحديث من حَديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ، فما وجدنا فيه من حَلالٍ استحللنَاهُ، وما وجدنا فيه من حرامٍ حَرَّمناهُ، ألا وإن ما حَرَّمَ رسولُ اللهِ مِثلُ مَا حَرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ). رواه أبو داود ماجة
فعلى المسلم أن يعلم أنَّ السنّة النبوية لازمة الاتّباع، ولا يجوز تَرْكها، أو الاستغناء عنها بالقرآن، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)). سورة المائدة
أمر الله سبحانه بطاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، بل جعل منْ يطيع الرسول (صلى الله عليه وسلم) مطيعًا لله تعالى، قال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فقدْ أطاعَ اللهَ (80)) سورة النساء
*91*
أفكر وأناقش
كيف يدلّ قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (31)) سورة آل عمران، على وجوب اتّباع السنّة؟
أتعلم:
واجبنا تجاه السنّة النبويّة:
1. العمل بما جاء فيها، لأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.
2. دراستها والسعي إلى نشرها بين الناس بكلّ الوسائل المتاحة.
3. التحقق بأنَّ ما نروية عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو من الأحاديث التي تجوز روايتها، وليست من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة.
*92*
التقويم
أجب عَمَّا يأتي:
1. عرّف السنّة النبوية لغة واصطلاحًا!
2. إبحث ثم اكتب مثالًا لكل من السُنة القوليّة، والفعليّة والتقريرية، لم يَرِد في الدرس!
3. للسنّة النبوية مكانتها العظيمة، وضّح ذلك!
4. اُذكر دليلا من القرآن الكريم، وآخر من السنة النبوية تردّ بها على مَنْ يدّعى الاكتفاء بالقرآن، والاستغناء عن السنّة النبوية!
*93*
*93*
للسنّة النبوية مكانة مرموقة في التشريع الإسلاميّ، فهي تُعدّ المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، وهما يمثلان أساس التشريع في الإسلام، بحيث لا يمكن الاستغناء عن واحد منهما، باعتبارهما وحيًا من الله تعالى، لذلك جاءت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تأمر بطاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والتمسّك بسنّته، ومنها: قوله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7)). سورة الحشر
وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (92)). سورة المائدة
وقال (صلى الله عليه وسلم): (ألا وإنّ ما حرَّمَ رَسولُ اللهِ مثْل ما حَرَّمَ اللهُ). أخرجه أحمد. وابن ماجة
ويتبين ممّا سبق أنَّ للسنّة النبوية أهميّة كبيرة بالنسبة للقرآن الكريم، ومِنْ ذلك:
1. تأكيد الأحكام اتتي جاءت في القرآن الكريم:
كالأحاديث التي تأمر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، وبرّ الوالدين، وغيرها. وكذلك الأحاديث التي تنهى عن الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والزنا، وقول الزور، وغير ذلك.
ومثاله قوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (44)). سورة الحجّ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ألا أنَبِّئُكم بأكبرِ الكبائِرِ؟) قُلنا: بلى يا رسول اللهِ. قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدينِ). وكان مُتَّكئًا، فجلسَ، فقالَ: (ألا وقوْلُ الزُّورِ، وشهادةُ الزُّورِ، ألا وقوْلُ الزُّورِ، وشهادةُ الزُّورِ.) قال: فما زال يقُولُها حتَّى قُلْتُ: ليْتَهُ سكتَ. متفق عليه
2. شرح وتفصيل الأحكام التي جاءت في القرآن الكريم مُجملة:
حيث قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)). سورة النحل، وقد فصّلت السنة النبوية ما أجمل من عبادات وأحكام، ومن ذلك: ما بيّنته السنة النبوية من تفصيلات الصلاة، حيث ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ (43)). سورةالبقرة، فجاءت السنّة لتبين كيفية الصلاة، وعدد ركعاتها، ومواقيتها، حيث قال (صلى الله عليه وسلم): (وصَلُّوا كَما رأيْتُمُوني أُصَلّي). رواه البُخاري، وكذلك ما جاء في كيفية الحجّ وأحكامه، ومبطلات الصوم، وشروط البيع، وغير ذلك.
*94*
3. اَلسنّة مفسّرة لما في القرآن الكريم، ومن ذلك:
أ. مخصّصة لعموم القرآن الكريم:
ومثاله قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (11)). سورة النساء، فهذا حُكم عامّ يثبت في كلّ أصلٍ مورِّث، إلّا أنّ السنة النبويّة قد خصّصت المورِّث بأن يكون مِن غير الأنبياء، كما قال (صلى الله عليه وسلم): (نَحن الأنبياء لا نُورِثُ، ما تركناه فهو صدقة). رواه مسلم، كما خصّصت الوارث بأن لا يكون قاتلًا لمورِثه، بقوله (صلى الله عليه وسلم): (القاتلُ لا يرثُ). رواه الترمذي
ب. مقيِّدة لِمُطلق القرآن الكريم:
ومثاله قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (38)). سورة المائدة، فاليد مُطلقة، لأنها تُطلق على الكف، وعلى الساعد، وعلى الذراع، فجاءت السنّة النبويّة وقيدت القطع بأن يكون من الرسْغِ.
4. اَلسنة مبيّنة لأحكام جديدة سكت عنها القرآن الكريم:
كتحريم أكل كلّ ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وتحليل ميتة البحر، وتحريم لبس الذهب على الذكور، وغير ذلك من الأحكام.
*95*
التقويم
أجبْ عما يأتي:
1. للسنّة النبوية أهمية كبيرة بالنسبة للقرآن الكريم، وضح اثنتين منها!
2. علل ما يأتي:
أ. نهي النبيّ (صلى الله عليه وسلم) الصحابة الكرام عنْ كتابة السنّة النبوية في بداية الإسلام.
ب. قلة تدوين السلة النبوية في عصر الصحابة رضي الله عنهم.
3. قال (صلى الله عليه وسلم): (نضّر الله امرأً سمِع منّا شيئًا فبلغه كما سمع فرُتّ مبلَّغ أوعى من سامع). رواه الترمذي. كيف تُترجم هذا الحديث في حياتك العمليّة.
اِبحث في مصادر المعلومات وأَجب:
هات ثلاثة أمثلة لم تُذْكر في الدرس، عن أمور حُرّمت على المسلمين عن طريق السنّة النبوية ولم ترد في القرآن الكريم!
*96*
*96*
إنَّ للسنة النبوية كونها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، ولذلك بذل العلماء جهودا كبيرة في حفظ حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ونقله، وقد اهتم المسلمون منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم بكتابة الحديث وتدوينه، وقد مرّت كتابة السنة النبوية بعدة مراحل حتى وصلت إلى مرحلة التدوين، واستقرت في الكتب الكثيرة والمصنّفات العظيمة، ومن هذه المراحل:
المرحلة الأولى تدوين السنّة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته رضي الله عنهم:
نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) الصحابة الكرام عنْ تدوين السنّة النبوية في بدء الإسلام، حيث قال: (لا تَكْتُبوا عَنّين وَمَنْ كَتَبَ عَنّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ). رواه مسلم
ؤنئ كتب غتي عجت الفرآني قلتئحه». رواه سطم
ولعل النهي عن تدوين السنّة في بداية الدعوة إلى الإسلام، حتى لا تختلط بالقرآن الكريم، وحتى تتوافر الجهود على حفظ القرآن الكريم وتدوينه. وبعد أن نزل معظم القرآن الكريم وأمن الصحابة رضي الله عنهم إلتباس آياته بغيرها وتمييز لديهم أسلوبه، أذِن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لبعض الصحابة بتدوين السنّة النبوية، وكان مِنْ أشهر ما دُوّن في العصر النبويّ:
1. الصحيفة الصادقة، التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما. قال عبد الله بن عمرٍو: كُنتُ أكتبُ كل شيء أسمعهُ مِنْ رسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، أُريدُ حفظهُ، فنهتني قريشٌ عن ذلك، وقالوا: تكتُبُ ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في الغضب والرِّضَا؟ فأمسكتُ، حتَّى ذكرتُ ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال:
(اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيدهِ، مَا خَرَجَ مِنْهُ إلَّا حَقٌّ).
2. اهتمّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بكتابة الكثير مِنْ سنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيرته في ألواح كان يحملها في مجالس العلم.
كما وُجد مِنَ الصحابة مَنْ كتب بعض الأحاديث، مثلُ صحيفة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وصحيفة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وغير ذلك من الصحف التي اعتمد عليها مَنْ جاء بعدهم في تدوين السنّة النبويّة.
*97*
المرحلة الثانية - تدوين السنّة النبوية في عصر التابعين:
لما تولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخلافة في عام (99) مِنَ الهجرة، أحسّ بالحاجة الماسّة لحفظ السنّة النبوية من الضياع أو التحريف، فبعث إلى ولاته في الأمصار يأمرهم بتدوين السنّة النبوية، وكان من أوّل مَنِ استجاب لهذا الأمر الإمام محمّد بن شهاب الزهريّ، ثمّ انتشر تدوين الحديث (السنّة) بعد ذلك، ولم يتم في هذه الفترة مِنَ التدوين مراعاة تبويب أو ترتيب معين للأحاديث الشريفة، حيث انصبّ الاهتمام في هذه المرحلة على جمع الأحاديث، وبذلك يكون تدوين عمر بن عبد العزيز أوّل تدوين رسمي للحديث الشريف.
المرحلة الثالثة - تدوين السنّة النبوية في عصر أتباع التابعين:
واصل علماء المسلمين اهتمامهم بالسنّة النبوية، وجاء دور التصنيف الذي اتخذت فيه كتابة الأحاديث النبوية طابع التبويب والترتيب، وبدأ ذلك في منتصف القرن الثاني الهجريّ، وبلغ ذروته في القرن الثالث الهجري، والذي يُعدّ العصر الذهبيّ لتدوين السنّة النبوية، فقد أُلّفت في هذا القرن أهمّ الكتب التي جمعت حديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد صارت علوم الحديث مِنْ أهمّ العلوم التي يُعنى بها علماء المسلمين، وأفردت للأحاديث النبوية كتب خاصة بها، وظهر في هذا العصر أهمّ كتب السنّة وأصحّها، ومن أهمّ هذه المصنّفات: صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن النسائيّ، وسنن ابن ماجة، وسُنن الترمذيّ.
وقد رتبت الأحاديث في هذه الكتب حسب موضوعاتها، فالأحاديث التي تتناول موضوعا واحدا تُجمع في مكان واحد يسمّى كتابًا، والكتاب يقسم إلى أبواب، ومثال ذلك: كتاب الأذان في صحيح البخاري، فمن الأبواب التي ذكرها فيه: باب بدء الأذان، باب فضل الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، وهكذا.
*98*
للتوضيح:
مثال ذلك مِنْ كتاب الإمام مسلم المسمّى ب: (الجامع الصحيح):
عنوان الكتاب ورقمه: 4. كتاب الصلاة
عنوان الباب ورقمه:1. باب بدء الأذان
1. رقم الحديث: (377)
حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إبْرَاهيمَ الْحَنْظَلِيّ: حَدّثَنَا مُحمّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدّثَنَا مَحمّدُ بْنُ رافِعٍ: حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزاقِ. قَالاَ: أَخبرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدثّني هَرُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (وَاللّفْظُ لَهُ) قَالَ: حَدَثَنا حَجّاجُ بْنُ مَحمدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُريْجٍ: أَخبرني نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أنهُ قَالَ: كانَ المُسلمونَ حِينَ قَدمُوا المَدينةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحينونَ الصّلَوَاتِ، وليسَ يُنادي بهَا أحَدٌ، فتكلّمُوا يَومًا في ذلكَ. فَقالَ بَعضُهُمْ: اتّخذُوا نَاقُوساً مِثْلَ نَاقُوسِ النّصارى. وقالَ بعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أولاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنادي بالصلاةِ؟ قالَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يَا بِلالُ قُمْ. فَنادِ بِالصّلاةِ). (خ: 6.4)
عنوان الباب ورقمه: 2. باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة
2. (378) عَنْ أنَسٍ، حدّثنا خَلفُ بْنُ هِشامٍ: حَدثنَا حَمّاد: قالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَحَدثنَا يَحيى بْنُ يَحيى. أخبرنَا إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ، جَميعاً عنْ خالدٍ الحذّاءِ، عَنْ أبي قِلابةَ، عَنْ أنسٍ قالَ: أُمرَ بِلالٌ أنْ يشفعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإقامةَ. (خ: 6.3)
*99*
اهتمام العلماء بالسنّة النبوية في العصر الحديث:
لم يتوقف المسلمون عن الإهتمام بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا يزال علماء المسلمين يقدّمون الجديد لخدمة دينهم، والمحافظة على سنة نبيّهم محمّد (صلى الله عليه وسلم)، وتتجلّى جهود العلماء وخدمتهم للسنّة النبوية في العصر الحديث في حُسن استثمارهم للتقنيّات الحديثة، كالحاسوب، وأصبحت موسوعات الحديث الشريف في متناول أيدي الباحثين وطلاب العلم، متميزة بسهولة الاستخدام، ويُسر التكاليف.
مِنْ أمثلة الموسوعات الحديثية الإلكترونية:
الموسوعة الشاملة: hxtp://islamport.com
الموسوعة الحديثية؛ الدرر السنيّة: http://www.dorar.net/hadith
الموسوعة الحديثية من موقع الشبكة الإسلامية: http://library.islamweb.net/hadith
نشاط بيتيّ:
اِرجع إلى مصادر المعلومات، وانظر في أحد الكتب الستّة السابقة، واكتب حديثًا منه، مبينًا اسم الكتاب، والباب الذي وَرد فيه.
مثال: صحيح البخاري كتاب: الإيمان، باب: حُبّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) مِنَ الإيمان.
*100*
التقويم
أجب عما يأتي:
1. ما الحكمة من نهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن تدوين السنّة النبوية في بداية الدعوة الإسلامية!
2. مَنْ أول مَنْ أمر بتدوين السنّة النبوية؟ ولماذا.
3. بماذا يختلف تدوين السنّة النبوية في عصر التابعين عن تدوينها في عصر أتباع التابعين!
4. اُكتب أهم ستّة كتب أُلفت في جَمع الأحاديث النبويّة!
*101*
*101*
بعض رواة الحديث الشريف مِنِ الصحابة
لم يكن الصحابة في الرواية سواء، فمنهم المُقلّ ومنهم المُكثر، وأكرهم رواية سبعة، وفيما يلي نبذة عن حياتهم:
أولًا أبو هريرة (رضي الله عنه):
هو الصحابيّ الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسيّ، كناه الرسول (صلى الله عليه وسلم) (أبو هريرة)، إذ شاهده يومًا يحمل هرّة صغيرة، وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس، أسلم في السنة السابعة من الهجرة عام خَيبر، لازَمَ النبي (صلى الله عليه وسلم) في الكثير من أحواله، وحفظ عنه أحاديث كثيرة، حتى غدا أكثر الصحابة رواية للحديث الشريف، حيث بلغت مرويّاته 5374 حديثًا. تفرّغ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) لنشر العِلم ورواية الحديث، وقصده الناس لذلك، حتى تجاوز عدد مَنْ رَوى عنه ثمانمائة من الصحابة والتابعين. تولى إمارة البحرين في خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وتوفى في المدينة المنوّرة سنة سبع وخمسين للهجرة، ودفن في البقيع.
ثانيًا عبد الله بن عمر (رضي الله عنه):
هو الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ، وُلد في مكة قبل بِعثة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، وأسلم وهو صغير، وهاجر إلى المدينة المنورة مع أبيه ولم يبلغ الحِلْم، وأوّل غزواته الخندق، ورُدّ يوم أحد لصغر سنّه، اشتهر بكوة روايته لأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث روى 2630 حديثا، عُرِف بشدة اقتدائه بالرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبسعة عِلمه، توفّي (رضي الله عنه) بمكة المكرمة عام 73 للهجرة.
ثالثًا - أَنس بن مالك (رضي الله عنه):
هو الصحابيّ الجليل، أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث خدمه عشر سنين، وصحبه أتمّ الصحبة، وشهد مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ثماني غزوات. كان حافظ سرّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حريصًا على التزود من العلم النافع، أكثر من رواية الحديث عنْ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فروى 2286 حديثا، دعا له النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بكثرة المال والولد، فاستجيب دعاؤه (صلى الله عليه وسلم)، توفي (رضي الله عنه) في البصرة سنة 93 للهجرة.
رابعًا - عائشة بنت أببي بكرالصديق رضي الله عنهما:
هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، زوج النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، وأشهر نسائه، تزوجها النبي (صلى الله عليه وسلم) وعمرها تسع سنين، في السنة الثانية للهجرة، اشتهرت رضي الله عنها بفقهها وعِلمها وحفظها وأدبها وذكائها، وأكثرت مِنْ رواية الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث روت 2210 حديثًا، توفّيت رضي الله عنها سنة 58 للهجرة، عنّ عمر قارب 66 سنة، ودُفنت في البقيع.
خامسًا - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
هو الصحابيّ الجليل، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، تُرجمان القرآن، وإمام التفسير، وابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وُلد بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين، انتقل مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، لازم النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، وأخذ عنه عِلمًا جمًّا، دعا له النبي (صلى الله عليه وسلم) بسعة العلم والفقه في الدين، بقوله: (اللهم فقّهْهُ في الدين وعلّمه التأويل). مسند الإمام أحمد، روى عنِ الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكثير مِنَ الأحاديث، بلغت 1660
حديثًا، وتوفي بالطائف سنة 68 للهجرة، وعاش إحدى وسبعين سنة.
*103*
سادسًا - جابر بن عبد الله (رضي الله عنه):
هو الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاريّ، شهِد مع أبيه بيعة العقبة الثانية، غزا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) تسع عشرة غزوة، وهو أحَد المكثرين لرواية الحديث عنْ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث روى 1540 حديثا، وكانت له حلَقة في المسجد النبويّ يجتمع الناس فيها ليأخذوا عنه العلم، توفي (رضي الله عنه) سنه 78 للهجرة، وعاش أربعًا وتسعين سنة، فهو مِنْ أواخر الصحابة الذين ماتوا بالمدينة.
سابعًا - أبو سعيد الخُدريّ (رضي الله عنه):
اسمه سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخُدريّ نسبة إلى خُدرة، وهو حيّ من الأنصار، غزا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم( اثنتيّ عشرة غزوة، كانت أولاها غزوة الخندق، ورَدّه النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم غزوة أُحُد لصغر سِنّه، كان من أذكياء الأنصار وعُلمائهم. عُرف بتتبعّه وحفظه لسنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أكثرَ مِنْ رواية الحديث الشريف، فروى 1170 حديثًا، توفي (رضي الله عنه) بالمدينة المنورة سنة 74 للهجرة، ودُفن في البقيع.
نشاط بيتيّ:
الصحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) كان أيضًا من المكثرين لرواية الحديث عنْ رسول الله (صلى الله عليه وسلم، اِرجع إلى مصادر المعلومات واكتب باختصار عنْ حياته.
*104*
*104*
اهتم المسلمون بجمع الحديث الشريف وتدوينه، وقد بحث علماء الحديث في حال الرواة الذين ينقلون الحديث، ووضعوا شروطًا عديدة لقبول الحديث عنهم، كالعدالة، والإسلام، والبلوغ، وإتقان الحفظ. وقسّموا الحديث الشريف من حيث قبوله وردّه إلى عدّة أقسام، وهي:
صحيح، وحسن، وضعيف، وفيما يلي بيان لهذه الأقسام:
أوّلًا: الحديث الصحيح
تعريفه: هو ما رواه عدلٌ، تامّ الضبط، عن مِثْلِهِ، بسند متّصل، من أوّله إلى آخره، غير مُعَلٍّ، ولا شاذٌ.
شرح التعريف:
أ. أن يرويه عدلٌ، والعدل من الرواة من ثبتت عدالته، وهو: المسلم، البالغ، العاقل، السالم من أسباب الفسق وما يخلّ بالمروءة.
ب. أن يتّصف راويه بتمام الضبط: والضبط هو الحفظ، ويكون في الصدر باستحضاره متى شاء، أي جيد الذاكرة، ويكون الحفظ أيضًا بكتابته منذ سماعه إلى حين أدائه.
ج. اتّصال السند: أي أن يكون كل راوٍ قد أدرك شيخه وروى عنه.
د. ألّا يكون مُعَلًّا، والمعل: ما فيه علة، والعلة: عيب خفيّ يطعن في صحّة الرواية، وكشف هذا العيب لا يستطيعه إلّا العلماء أصحاب الخبرة والاختصاص في هذا العِلم.
ه. ألّا يكون شاذًا، والشاذُّ: ما رواه الراوي العدل الضابط، ويكون مخالفًا لمن هو أوثق منه.
حُكم الحديث الصحيح: وجوب قبولهِ والعمل به.
*105*
والأحاديث الصحيحة كثيرة جدًّا ومن أشهر الكتب التي ألفت في الأحاديث الصحيحة: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكثير من الأحاديث الصحيحة حَوَتها كتب السنن الأخرى.
ومن أمثلة الحديث الصحيح: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب من أحق الناس بحسن الصحبة رقم (5971). ومسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب: باب بِرّ الوالدين وأنَّهما أحق به رقم (2548)، قالا: حدثنا قُتيبه بن سعيد، حدثنا جرير، عن عُمارة بن القعقاع بن شُبرمة عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أُمّك). قال: ثُم من؟ قال: ثم من؟ ققال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك).
هذا إسناد متّصل صحيح بسماع العدل الضابط عن مثله:
فالبخاري ومسلم، إمامان جليلان في هذا الشأن، وشيخهما قتيبة بن سعيد ثقة كبير المحل، ثبتٌ، وجرير - هو ابن عبد الحميد - ثقة صحيح الكتاب. وعمارة بن القعقاع ثقة أيضا، وكذا أبو زرعة التابعي - وهو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي.
رجال الإسناد كلهم ثقات احتج بهم الأئمة. (أي: توفر فيه شرطا العدالة والضبط).
وتسلسل الإسناد معروف عند المحدثين. (أي: توفر فيه شرط إتصال السند).
وليس ثمة ما يخالفه. (أي: ليس شاذا).
والمتن كذلك موافق لما وردت به الأدلة. (أي: لا علة فيه).
فهذا الحديث صحيح لتوفر شروط الصحة فيه - التي سبق ذِكْرها.
نشاط بيتي:
اِرجع إلى صحيح البُخاري، أو صحيح مسلم، وانقل منه حديثًا نبويًا في فضل العِلم!
*106*
ثانيًا: الحديث الحسن
تعريفه: هو ما رواه عدلٌ خفٌ ضَبطه، بسند متّصل، غير مُعَلٍّ، ولا شاذٍ.
حُكم الحديث الحسن: يجب على المسلم أن يقبله، وأن يعمل بما جاء فيه، كالحديث الصحيح، وأن كان دون الحديث الصحيح في القوّة.
مثال الحديث الحسن: ما رواه أحمد بن حنبل، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا بهز، حدّثني أبي عن جدّي، قال: (قُلت يا رسول الله من أبِرُّ؟ قال: أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب). رواه أحمد في مُسنده.
فهذا الحديث توافرت فيه شروط الحديث الصحيح، إلّا أنَّ أحد الرواة في السند، وهو بهز ابن حكيم، وثقه الأكثرون، وقال بعضهم: هو صدوق، وروايته عن أبيه عن جدّه، لا متابع لها في الصحيح، لذلك حُكِم عليه بأنّه حديث حسن.
والأحاديث الحسنة تكثُر في كتب السنن الأربعة، ومسند ألإمام أحمد بن حنبل.
ثالثًا - اَلحديث الضعيف
تعريفه: هو ما فقد شرطا فأكثر من شروط الحديث الصحيح.
وللحديث الضعيف أقسام كثيرة، حيث تتفاوت مراتبه بحسب الضعف الحاصل في الحديث، حيث يشتد ضعفه كلما فقد شرطًا من شروط صحّة الحديث السابقة.
حُكم الحديث الضعيف:
لا يُعمل به في الأحكام، ويجوز الأخذ به في فضائل الأعمال وفي الترغيب والترهيب. فالأحكام: كالحلال
*107*
والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك، لا تؤخذ من الضعيف: لأنه لا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح والحسن.
أما فضائل الأعمال فمذهب أكثر العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم، على جواز العمل بالحديث الضعيف بشروط ثلاثة:
أحدها: أنْ يكون الضعف غير شديد، فيخرج مَنِ انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.
الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
الثالث: أنْ لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
مثال الحديث الضعيف: ما رواه ابن ماجة، قال: حدّثنا جعفر بن مسافر، حدّثني كثير بن هشام، حدّثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إذا دَخلت على المريض فمُرْهُ أن يدعو لك، فإنَّ دعاءه كدعاء الملائكة). رواه ابن ماجة
فهذا الحديث ضعيف لأنه منقطع السند، فميمون بن مهران لم يُدرك عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، لأن مولده كان سنة أربعين للهجرة، ومقتل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سنة ثلاث وعشرين للهجرة.
أتعرّف:
اَلحديث الموضوع:
تعريفه: هوالخبرالمكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ويزعم واضعه أنه حديث، وهو ليس بحديث.
حُكمه: مردود، ولا تجوز روايته إلا لبيان أنه موضوع مكذوب على النبي (صلى الله عليه وسلم).
مثال على الحديث الموضوع: الزيادة التي وضعها محمد بن سعيد الشامي في حديث ينسبه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم): (أنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي إلّا أن يشاء الله). النكت على ابن الصلاح 851/2. وهذا الحديث بعضه ثابت، فقد أخرج الإمام مسلم وغيره من حديث ثوبان (رضي الله عنهم): (وإنّي خاتم الأنبياء، لا نبي
*108*
بعدي)، أما الزيادة: (إلّا أن يشاء الله)، فمكذوبه، وضعها الشاميّ المذكور، ورواياته مردودة عند العلماء.
أتعلّم:
التحذير من الكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم):
ليس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما صدر عنه كآحاد الناس، بل كلّ ما صدر عنه من قول أو فعل ونحوه، فهو مفيد حُكمًا شرعيًا، وذلك لأنّه المبلِّغ عن الله تعالى بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام، ولذلك فليس الكذب عليه كالكذب على غيره، وإن كان الجميع محرمًا، وقد نبّه النبي (صلى الله عليه وسلم) على ذلك فقال محذرًا ومتوعدًا: (إنَّ كضبًا عَلَيَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، مَن كَذَب عَلَيَّ مُتعمدًا فَلْيَتَبَوَأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النار). رواه مسلم
فليحذر المسلم من ذلك أشد الحذر، وليتجنب الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جادًّا أو هازلًا، وليتثبّت فيما ينسبه إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فلا يَنْسَبُ إليه قولًا بالظن والتخمين، وإنما يَنسب إليه ما علِم أنه قاله عليه الصلاة والسلام.
اهتمام علماء المسلمين وجهودهم في بيان الأحاديث الموضوعة:
هيأ الله تعالى الأسباب لحفظ السنّة، فسخّر لذلك من العلماء من قضوا جلّ أوقاتهم في جمعها وحفظها وتدوينها والعناية بها، والبحث عن رُواتها، ونَقْد مروياتهم، وأوْجدوا موازين يُعرف بها صحيح الحديث من سقيمه.
قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: (ولقد ردّ الله كيد هؤلاء الوضّاعين والكذابين بعلماء أخيار، فضحوهم وكشفوا قبائحهم، وما كذب أحد قط إلا وافتضح). الموضوعات لابن الجوزي 1/48.
وسُئِل ابن المبارك - رحمه الله تعالى - عن هذه الأحاديث الموضوعة، فقال: (يعيش لها الجهابذة). الموضوعات 1/49، (الجهابِذَة: مفردها: جِهْبِذ: وهو العارِف، المتضلع من المعارف، الخبير النَّاقِدُ).
ويمكن إجمال أهم ما قاموا به في الحفاظ على السنة، ما يلي:
*109*
1. الرواية بالإسناد، والرحلة لأجله، وعدم قبول الأخبار غير المسندة.
2. تدوين الأحاديث، وجمعها في الكتب.
3. حِفظ الأحاديث بأسانيدها، والمقارنة بين المرويات.
4. البحث عن أحوال الرواة، وبيان الكاذب من غيره، ووضع ضوابط لمن تُقبل روايته ممن لا تقبل.
5. حفظ الأحاديث الموضوعة، وتدوين الكتب فيها، والغرض من ذلك التحذير منها لئلا يظن من سمعها أنّها صحيحة.
ومن المصنّفات في الأحاديث الموضوعة:
أ. الموضوعات، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجَوْزي.
ب. اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، لجلال الدين السيوطي.
*110*
أثري معلوماتي
أسباب ظهور الكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم):
لم يكن الكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) معروفًا أوّل الإسلام، وإنما أدّى إلى ظهوره فيما بعد عوامل، منها:
1. اَلخلاف الذي دبّ، بين المسلمين: حيث انقسم الناس بسبب الخلاف إلى فرق مختلفة، وظهرت العصبيات للفرق والبلدان والمذاهب والأجناس وغيرها، فراح بعض المنتسبين يتجرّأ بالوضع على النبي (صلى الله عليه وسلم) حتّى يؤيد رأيه.
2. العداء للإسلام وقصد تشويهه: وذلك أن بعض الزنادقة من أبناء الأمم المغلوبة اندسوا بين المسلمين، وراحوا يحاولون إفساد هذا الدين من خلال وضع الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
3. قصد الترغيب والترهيب لحث الناس على الخير: وذلك أن قومًا من المنسوبين للزهد والتعبّد، لما رأوا بعد الناس عن الدّين، حملهم جهلهم على وضع أحاديث ليُرغبوا الناس في الخير، ويزجروهم عن الشرّ، كما زعموا.
4. اَلتوصّل إلى أغراض دنيوية: كترويج سلعة، أو لمصلحة خاصة بالواضع، وغير ذلك من الأغراض الدنيويّة.
*111*
*111*
اهتمّ المسلمون بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وتناقلوه فيما بينهم جيلًا بعد جيل، وقد وضعوا لذلك علومًا سمّوها علوم الحديث، ومن ذلك اهتماههم بتقسيم الحديث إلى أقسام عديدة، بالنظر إليه مِنْ نواحٍ مختلفة؛ منها: النظر إليه مِنْ حيثُ عددُ رواته أو طرق وصوله إلينا.
أتذكّر:
- سند الحديث: هو سلسلة الرواه الذين رووا الحديث واحدًا عن الآخر حتى رسول الله )صلى الله عليه وسلم).
- متن الحديث: هو ألفاظ الحديث المرويّة عنِ النبي (صلى الله عليه وسلم).
ينقسم الحديث من حيث عدد الرواة الذين نقلوه في كل مرحلة، إلى قسمين؛ هما:
أولًا - الحديث المتواتر:
وهو ما رواه جَمْع كثير يستحيل اتّفاقهم على الكذب، عن جمع كثير مثلهم، وهكذا إلى أن يصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم). ولابد من وجود هذه الكثرة في جميع طبقات السَنَد. والحديث المتواتر مقبول كلّه، ولا حاجة إلى البحث عن رواته، ويجب العمل بما جاء فيه من تشريع ويحرم إنكاره، وهو يفيد العلم اليقينيّ؛ لأنه منقول إلينا نقلًا يُؤمن معه الخطأ.
ويفهم ممّا تقدم أنه يلزم أن يتوافر في الحديث ليكون متواترًا شرطان، وهما:
اَلعدد الكبير من الرواه الذين يستحيل في العادة اتّفاقهم على الكذب.
أن يتوافر هذا العدد في كل مرحلة من مراحل نَقْل الحديث حتى يصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم).
*112*
مثال الحديث المتواتر: قوله (صلى الله عليه وسلم): مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتعمدًا فلْيتبوّأْ مقْعدهُ مِنَ النارِ. رواه البخاري وقد رَوى هذا الحديث أكثر من سبعين صحابيًّا.
ثانيا - حديث الآحاد:
وحديث الآحاد هو: الحديث الذي لم يجمع شروط المتواتر، وهو ينقسم من حيث عدد رواته إلى ثلاثة أقسام: مشهور، وعزيز، وغريب.
أمّا العزيز: هو الحديث الذي لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند.
مثاله حديث: (لا يُءمنُ أحدُكُمْ حتَّى أكونَ أحبَّ إليهِ مِنْ ولدِهِ ووالدهِ والنَّاسِ أجمعينَ. رواه البخاري
والمشهور: وهو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات السَنَد، ولم يصل إلى حدّ التواتر. ومثاله قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (المُسْلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ مِنْ لِسانِهِويدهِ). رواه البخاري
والغريب: فهو ما ينفرد بروايته راوٍ واحد، سول كان التفرّد في طبقة من طبقات السند، أو في كل الطبقات. ومثاله حديث: (إنما الأعمالُ بالنياتِ وإنما لكُلِّ إمرئٍ ما نَوى.). الحديث.
ومعظم الأحاديث النبوية مِنْ قبيل أحاديث الآحاد.
والعمل بحديث الآحاد واجب إذا استوق شروط القبول، وحكم بصحّته.
*113*
التقويم
أجبْ عَمَّا يأتي:
1. بيّن مواطن الاتّفاق والاختلاف بين الحديث الصحيح، والحديث الحسن؟
2. وضح شروط الحديث الصحيح التي وضعها العلماء؟
3. ما واجبك تجاه الحديث الضعيف؟
4. أذكر ثلاثة من أسباب ظهور الوضع في الحديث!
5. وضح المقصود بالمصطلحات التالية: (الضبط، العدالة، السند، المتن).
6. الحديث المتواتر يجب العمل به، علّل ذلك!
7. فرّق بين كّل مِنَ الحديث المشهور والعزيز والغريب!
*114*
*114*
بذل علماء المسلمين في عصر التدوين في القرن الثالث الهجريّ جهودا عظيمة في مجال جَمْع السنّة النبوية الشريفة، والحُكم على مدى صحّتها، وصنفوا هذه الأحاديث في كتب مختلفة سمّيت كتب الحديث، ومن أشهر هؤلاء العلماء وما ألّفوه مِنْ مصنّفات في الحديث الشريف:
أولا - الإمام البخاري (194 ه -256 ه):
هو الإمام أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري، رحمه الله تعالى، وُلد في مدينة بخارى (إحدى مدن أوزبكستان)، سنة (194) للهجرة، توفي والده وهو صغير، فتربى في كنف والدته، ونشأ محبًّا للعلم، حيث اشتهر بالحفظ والعلم والذكاء ومكارم الأخلاق، فحفظ القرآن الكريم، ثم حفظ كل الأحاديث التي رواها علماء بلده، وهو ابن عشر سنين، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره رحل إلى البلاد المختلفة طلبًا للعلم، فسافر إلى مكة والمدينة والشام ومصر والعراق، وكتب الأحاديث عن شيوخ هذه البلاد. بدأ التأليف منذ كان في الثامنة عشرة من عمره، وقد زادت مؤلفاته على عشرين كتابًا. توفي الإمام البخاري سنة (256 ه)، بعد أن بلغ الثانية والستين من عمره.
صحيح البخاريّ:
وهو من أشهر الكتب التي ألّفها الإمام البخاري، اسمه: (الجامع الصحيح)، المعروف (بصحيح البخاري)، وهو يُعد أصحّ كتب الحديث على الإطلاق، وقد استغرق الإمام البخاريّ في تأليفه ستّ عشرة سنة، متحرّيًا فيه العناية والدقّة، وكان لا يضع حديثا فيه إلا بعد أن يصلي ركعتين ويستخير الله سبحانه في وضعه. وقد جمع الإمام البخاري في صحيحه (9082) حديثًا. وهي بغير المكرر: (2761) حديثا.
ثانيا - الإمام مسلم (204 ه - 261 ه):
هو الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوريّ، رحمه الله تعالى، ولد سنة (204) هجرية في نيسابور (إحدى المدن الإيرانية)، كان أبوه غنيًّا ومن العلماء المعروفين، فنشأ ابنه محبًّا للعلم وأهله، فاجتهد في طلب العلم منذ صغره، فسمع من شيوخ بلده، ثم رحل في طلب العلم إلى الشام والعراق والحجاز ومصر، وتعلّم على أيدي أئمّة الحديث في عصره، كان أشهرهم: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري.
اشتهر الإمام مسلم في نشر العلم، وحبه للخير والإحسان، حيث كانت له أملاك وثروة يُنفق منها ويتصدق. توفي الإمام مسلم رحمه الله سنة (261) هجرية، وله من العمر سبع وخمسون سنة.
صحيح مسلم:
من أشهر مؤلفات الإمام مسلم كتابه: (الجامع الصحيح)، المعروف (بصحيح مسلم)، حيث انتقى فيه من الأحاديث الصحيحة، واستغرق في تأليفه خمس عشرة سنة، ولعو يتحرى الروايات الصحيحة، وقد امتاز كتابه الجامع الصحيح بالإيجاز وحسن الترتيب، وهو مرتّب على الأبواب والموضوعات، وشامل لأمور العقيدة والفقه والأدب والتفسير، مثل صحيح البخاري. وعدد أحاديثه بغير المكرّر: (3033) حديثًا.
أتعلم:
يُقال للحديث الذي اشترك الإمامان البخاري ومسلم في روايته في صحيحيهما: رواه الشيخان، أو متّفق عليه.
*116*
ثالثا - الإمام أبو داود (202 ه - 275 ه):
هو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، رحمه الله تعالى، المولود سنة (202) هجرية، في سجستان (شرق إيران). رحل في طلب العلم إلى العراق ومعبر والشام والحجاز وغيرها، وقد أخذ العلم في رحلاته عن العديد من العلماء، وكان الإمام أبو داود نابغة في العلم، حتى قيل عنه إمام أهل الحديث في عصره. توفي رحمه الله سنة (275 ه) في مدينة البَصرة.
سنن أبي داود:
مِنْ أشهر مصنّفات الإمام أبي داود في الحديث كتابه: (سنن أبي داود)، حيث يعدّ من أهم المصنفات في علم الحديث، فأقبل عليه العلماء ودرسوه، ورووه، وشرحوه.
تميز هذا المصنف بالاهتمام بالأحاديث التي تدل على الأحكام الفقهبة، وقد اقتصر عليها، فلم يذكر الأحاديث المتعلقة بالوعظ، والزهد، والقصص، وتجنّب في كتابه ذِكر الأحاديث الشديدة الضعف، وإذا ذكر حديثا ضعيفا نبّه إليه. وقد بلغت عدّة أحاديثه: (5274) حديثًا.
رابعًا - الإمام الترمذي (209 ه - 279 ه):
هو الإمام أبو عيس، محمد بن عيس الترمذي، رحمه الله تعالى، ولد سنة (209 ه)، في مدينة ترمذ من إقليم خراسان، أخذ العلم عنْ علماء بلده، ثم رحل في طلب العلم إلى العراق والحجاز، وقد أخذ العلم عنْ عدّة علماء ومنهم الإمام البخاريّ. اشتهر الإمام الترمذي بنبوغه واتقانه وحفظه، توفي الإمام الترمذيّ رحمه الله سنة (279 ه) في ترمذ.
*117*
سنن الترمذي:
يعتبر كتابه (السنن) من أهم المصادر في جَمع الأحاديث، حيث رتّبه بحسب المواضيع، وذكر في كتابه الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة، وكان يذكر بعد كل حديث درجة صحته من صحيح أو حَسن أو ضعيف، وإذا كان الحديث ضعيفا بين سبب ضعفه، شمل كتاب الإمام الترمذي على أحاديث الأحكام، والعقائد، والأدب، والزهد، والتفسير، والسيرة النبوية، وفضائل الصحابة، وغير ذلك، ولذلك يطلق عليه اسم: (جامع الترمذيّ). بلغ عدد أحاديثه:
(3956) حديثا.
خامسًا - الإمام ابن ماجة (290 ه - 273 ه):
هو الإمام أبو عبد الله، محمّد بن يزيد بن ماجة، القزويني، رحمه الله تعالى، وُلد سنة (209 ه)، في قزوين (شمال إيزان)، أخذ العلم منْ علماء بلده ثم رحل في طلب العلم إلى العراق والشام والحجاز، وقد شهد العلماء للإمام ابن ماجة بالتفوّق والنبوغ، توفّي رحمه الله سنة (273 ه).
سنن ابن ماجة:
ألّف الإمام ابن ماجة كتابه (السنن)، ورتّبه بحسب الأبواب كما فعل من سَبقهُ، واحتوى كتابه على الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة، وهو أقل مرتبة من باقي كتب السنن المذكورة، وغالب ما ينفرد به عنها من الأحاديث يكون ضعيفًا. وقد بلغ عدد أحاديثه: (4341) حديثًا.
سادسًا - الإمام النسائي (215 ه - 303 ه):
هو الإمام أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النَسائي، رحمه الله تعالى، ولد سنة (215 ه)، في بلدة نَسا من إقليم خراسان، أخذ عنْ علماء بلده، ثم رحل في طلب العلم إلى بغداد والحجاز ومعم والشام،
*118*
وسمع من كثير مِنَ العلماء، وقد شهد له علماء عصره بالنبوغ والإتقان. توفّي رحمه الله سنة (303 ه) في مدينة الرملة في فلسطين. وقبره معروف فيها، حيث يقع بجانب الجامع الأبيض، ملاصقًا للحائط الشرقي.
سنن النَسائيّ:
صنّف الإمام النَسائي كتابه: (السنن الكبرى)، ثم اختصره في كتاب سمّاه (المجتبى)، وهو المعروف "بسُنن النَسائي" وقد رتب الإمام النَسائيّ الأحاديث في كتابه بحسب الأبواب كما فعل الإمام الترمذي والإمام أبو داود، وما امتاز به الكتاب أن غالب أحاديثه صحيحة، حيث تميز بدقته وتحرّيه عن الأحاديث الصحيحة، لذلك لم يَذكر في كتابه الكثير من الأحاديث الضعيفة، وكان الإمام النَسائي يهتم في كتابه السنن بالأحاديث التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية. وقد بلغ عدد الأحاديث في كتابه بالمكرّر: (5761) حديثًا.
*119*
التقويم
أجِبْ عَمَّا يَأتي:
1. ما المقصود بالشيخين؟ ولماذا تعتبر كتبهما مِنْ أصحّ كتب الحديث؟
2. ما الصفات التي تميز بها علماء الحديث أصحاب الكتب الستّة؟
3. بين كيف رتّب الأئمة الستّة أحاديث كتبهم!
*120*
*120*
اَلحديثُ الأوّلُ
عِظَمُ الكلمة
عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(إنَّ العَبْدَ ليَتَكلَّمُ بِالكلمَةِ منْ رضوانِ اللهِّ لا يُلقي لهَا بَالًا يَرْفَعهُ اللهَّ بها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العبْدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ سخطِ اللهِّ لا يُلقِي لها بَالًا يَهْوِي بشها في جَهَنَّمَ). رواه البخاريّ
راوي الحديث
الصحابيّ الجليل أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسيّ (رضي الله عنه)، وقد تمّ التعريف به في مبحث رواة الحديث صحة 95.
معاني المفردات والتراكيب
- الكلمة: تشمل الكلمة الواحدة، والجملة المؤلفة من كلمات، كقول: كلمة التوحيد.
- من رضوان الله: ما يحبّه الله ويرضاه من الكلام.
- لا يلقي لها بالا: دون تأمّل فيها وتدبّرها.
مِنْ سخط الله: ما يبغضه الله من كلام قبيح.
- يهوى: يسقط.
*121*
مناقشة:
- ما الكلام الذي يحبّه الله تعالى؟
- ما الكلام اتذي يُبغضه الله تعالى؟
- ما أثر اللّسان على صاحبه في الدنيا والآخرة؟
شرح الحديث الشريف:
إنَّ الكلمة تصنع الكثير في مَيدان الخير، وفي مَيدان الشر، والناس قد ينظرون لمجرد الكلمة دون آثارها ونتائجها، فكم من كلمة طيبة جلبت الخير لقائلها، وكم من كلمة سيئة جلبت الشر لقائلها، ولذلك يخيرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث عنْ عِظَم شأن الكلمة وقيمتها. وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وسلم) من آفات اللسان في أحاديث عديدة، وبين أننا مؤاخذون بما نقول، ومحاسبون عليك، فقال لمعاذ بن جبل (رضي الله عنه): (كُفَّ عَليكَ هذا يعني لسانه - قُلتُ يا نبيَّ اللهِ وإنَّا لمُواخَذُونَ بما تتكلَّمُ بِهِ؟ فَقال: ثَكلتكَ أُمُّكَ يا مُعَاذُ. وهل يكبُّ النَاس في النَّار على وُجُوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائِدُ أَلسِنتهم؟). أخرجه البخاري
فما أحسن اللسان وأشدّ نفعه إذا استعمله صاحبك في الخير، كتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، ودعوة إلى الخير، وأمر بالمعروف، ونَهْي عنِ المنكر، وكل قول مفيد، فيكون سببًا في دخوله الجنّة.
وما أقبح اللسان وأشد ضرره إذا استخدم في الشر ومعصية الله تعالى، كاتّهام الناس بالباطل، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسّباب، والكفر، وكل قول سيء، فيكون سببًا لدخول النار إذا لم يتب صاحبه.
ففي هذا الحديث يحذرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) من خطورة اللّسان، مبينًا أنَّ العبد قد يتكلم بلسانه كلمةً أو عبارة لا يتأمل فيها، أو يفكر بنتائجها قبل قولها، تُغصب الله تعالى منه، وتكون سببًا لسقوطه في نار جهنّم.
وكلّما سببت الكلمة ضررا للناس، كان ذنبها أعظم، كأن توقع خصامًا بين المسلمين، أو شهادة زور تُؤكل
*122*
بها أموال الناس بالباطل.
أمّا إذا كان المسلم دائم الرقابة على لسانه والضبط له، يتأمّل الكلمة ويتدبرها بعقل واعٍ قبل أن ينطق بها، فتكون له النجاة والسلامة والخير في الدنيا والآخرة.
أثري معلوماتي
لا يجوز للمسلم أن يكذب حتى في مزاحه، فالواجب عليه قول الصدق حتى أثناء مزاحه، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (أنَا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لمنْ تركَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحقًا، وببيْتٍ في وسط الجنَّةِ لمن تركَ الكذبَ وإنْ كانَ مازحًا، وببيْتٍ في أعلى الجَنَّةِ لمنْ حَسُنَ خُلقه). رواه أبو داود.
نشاط بيتيّ:
اِرجع إلى سورة (ق)، واكتب الآية التي تتوافق مع معنى الحديث، وفسّرها!
ما يرشد إليه الحديث الشريف
ريمي
- اللسان الذي ينطق به الإنسان مِنْ نِعم الله تعالى عليه، فعلى المسلم أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة، باستخدامه في طاعة الله.
- المسلم يتدبّر كلامه قبل أنْ ينطق به، خشية أن يقع في الإثم.
- الخير العظيم لمن استخدم لسانه فيما يرضي الله تعالى.
- الوعيد الشديد لمن لا يحفظ لسانه من الكلام السيء.
- إذا لم يتكلم المسلم بما يرضي الله تعالى، فالسكوت أفضل.
*123*
التقويم
أجِبْ عمّا يأتي:
1. ما المقصود بالكلمة؟
2. ما هو المعيار الذي حدَّدَه الحديث الشريف، والذي تُعرَف به الكلمة السيئة الذميمة، من الكلمة الطيبة الحميدة؟
3. على ضوء دراستك للحديث الشريف، كيف تتصرف إذا سمعت زميلك يغتاب أحَد زملائك الآخرين؟
ابحث في مصادرالمعلومات وأجب:
واكتب حديقا نبويًّا غير ما ورد بالدرس، يحث المسلم على حفظ لسانه، أو يحذر مِمنْ خطره!
*124*
اَلحديثُ الثاني
فضلُ العِلمِ
عن أبي الدرداء (رضي الله عنه)، قال: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:
(مَنْ سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهَّلَ اللهَّ لَهُ طريقًا إلى الجَنَّةِ، وإن الملائكةَ لتضعُ أجنحتهَا لطالبِ العلمِ رِضًا بما يصنع، وإنَّ العالم ليستغفر لَهُ من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتَانُ في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابد كفضْلِ القمر على سائر الكواكب، وإنَّ العُلماء ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لمْ يُورِّثُوا دينارا ولا درهمًا، وإنَّمَا ورَّثُوا العِلمَ، فمنْ أخذهُ أخذ بحظِّ وافرٍ). رواه أبو داود والترمذيّ
راوي الحديث
أبو الدرداء هو الصحابي الجليل عُوَيمرِ بن مالك الخزرجيّ الأنصاريّ، أسلم يوم بدر، وكان من علماء الصحابة في المدينة، أشتهر بالزهد، وعُرِف بكثرة التفكّر في آلاء الله، تولّى قضاء دمشق أيّام عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وتوفي سنة 32 للهجرة.
معاني المفردات والتراكيب
- سَلَك: سار.
- يبتغي: يطلب.
- لتضع أجنحتها: تتواضع لطالب العِلم تقديرًا له.
- أخذ بحظّ وافر: حصل على الخير الكثير.
*125*
مناقشة:
- ما جزاء مَنْ سلك طريقا يبتغي فيه عِلما؟
- ما أثر طلب العِلم على الإنسان في الدنيا؟
- أيهما أفضل العالِم أم العابد؟ وما الدلالة من الحديث؟
- ما العلوم النافعة التي يحتاجها الإنسان؟
شرح الحديث الشريف:
في هذا الحديث الشريف توجيه عظيم من الرسول (صلى الله عليه وسلم) بحثنا فيه على طلب العِلم، مبينًا فضله ومنزلته، وديننا الإسلاميّ دين العلم، حيث اهتمّ به اهتمامًا كبيرا، ورغّب في طلبه، ولقد كانت كلمة (اقرأ) أوّل كلمة في القرآن الكريم نزل بها الوحي على رسولنا محمّد (صلى الله عليه وسلم) لِما للعِلم من أهمية عظيمة، وفوائد جليلة في حياة الفرد والمجتمع.
وجاء الكثبر مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحثّ على العِلم، وترفع من شأن العُلماء.
قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)). سورة المجادلة
وقال تعالى: (قلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (11)). سورة الزمر
وقال (صلى الله عليه وسلم): (طَلَبُ العِلمِ فريضةُ على كُلِّ مُسْلمٍ) رواه ابن ماجة
ولم يقتصر حضّ الإسلام على العِلم الذي يتّصل بالدين من العلوم الشرعية، بل اهتم بغيرها من العلوم، كالعلوم الاجتماعيّة والإنسانية والطبيّة، وغيرها من العلوم النافعة التي تحتاجها الأمة في نهضتها وازدهاهرها.
ومنْ سعى في طلب العِلم بجدّ وإخلاص، مبتغيًا رضا الله تعالى، ولينفع به نفسه ومجتمعه، فإنه ينال ثوابًا عظيمًا، ومن ذلك:
*126*
1. كلما ازداد العبد علمًا، زادت معرفته بالله تعالى وخشيته له، فيحرص العبد المسلم على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، ولهذا هو طريق الجنّة.
2. إنَّ الملائكة تفرش لطالب العِلم أجنحتها تواضعًا له، وتقديرًا لفضله، بل إنَّ من في السموات ومن في الأرض يستغفر له، حتى الحِيتان في أعماق البحار.
3. فضل العالِم على غيره كبير وعظيم، شبهه رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، بمكانة القمر الذي يضيء الأرض بنوره، وفضله على غيره من الكواكب.
4. اعتير (صلى الله عليه وسلم) العُلماء ورَثة الأنبياء، فالأنبياء هم خير خَلْق الله تعالى، فورثهم مِنَ العلماء هم خير الخَلق من بعدهم، وما ورثه العلماء عن الأنبياء هو العِلم، فالأنبياء لم يتركوا المال، وإنّما تركوا شريعة الله وتعاليم دينه، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم بتبليغ ما أُرسلوا به إلآ العلماء، فهُم يحمِلون العِلم في صدورهم، ويعملون به، ويدعون الناس إليه. ومَنْ أخذ العِلم فقد حصل عاى الخير الكثير مما ينفعه في الدنيا والآخرة.
أقرأ واستنتج:
- اِقرا الحديث الشريف واستنتج فضل العلماء على الناس!
(إنَّ مثلَ العُلماءِ في الأرضِ، كمثلِ النُجُومِ في السَّمَاءِ، يُهتدى بِها في ظُلماتِ البَرِّ والبحْر، فإذَا انْطمستْ النُّجومُ، أوشكَ أنْ تَضلَّ الهُدَاةُ). رواه أحمد
*127*
أناقش
عَرَفت في هذا الدرس أن للعلماء فضلا على غيرهم، وأنَّ علينا احرامهم، ومعلّموك ينقلون إليك العلوم النافعة. فما واجبك تجاههم؟
أتعرّف:
أهميّة العلم في الإسلام:
- هو الطريق لمعرفة الخالق عزّ وجلّ، وإدراك قدرته وعَظَمتك.
- رتّب الإسلام الثواب العظيم لمنْ يطلبه.
- هو الطريق إلى تنمية العقول والارتقاء بالأمم والنهضة بها.
- هو الأساس في إعمار الكون، والاستفادة من خيراته، ليعيش الناس في رخاء وهناء.
أفكّر:
قال تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(28)). سورة فاطر، ما علاقة طلب العِلم بعبادة الله تعالى مِن خلال هذه الآية الكريمة؟
*128*
ما يرشد إليه الحديث الشريف:
1. الإسلام دين العِلم، يقوم على العِلم ويحثّ عليه.
2. طلب العِلم من أعظم العبادات والقُرُبات.
3. بالعِلم النافع يعرف المسلم ما يضرّه وما ينفعه في دنياه وآخرته.
4. السعي في طلب العِلم يوصِل إلى الجنّة.
5. العِلم في الإسلام يجمع بين العلوم الشرعية وعلوم الحياة المختلفة التي تنفع الإنسان.
6. احترام العلماء واقديرهم والسير على طريقهم.
*129*
أجبْ عَمّا يِأتي:
1. لماذا اهتم الإسلام بالعِلم؟
2. كيف يصل العبد بالعِلم إلى الجنّة؟
3. قال (صلى الله عليه وسلم): (العُلماء وَرَثَةُ الأنبياءِ). وضّح ذلك!
4. ما العلوم التي حضّ عليها الإسلام؟
5. اِستنتج أربعة أمور استفدتها من الحديث الشريف!
6. اِستخرج من الحديث الشريف ما يدل على ما يلي:
أ. الحثّ على طلب العِلم والتعلّم.
ب. تجاوب كلّ المخلوقات مع طالب العِلم.
ت. علاقة العِلم بالنبوّة.
ث. علاقة العِلم بالعبادة.
اِبحث في مصادر المعلومات وأجب:
ما هي آداب طالب العِلم؟
*130*
الحديثُ الثالثُ
تربية الأولاد
عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:
(أدِّبُوا أولادكم على ثلاثِ خِصالٍ: على حُبِّ نبيِّكُمْ، وحُبِّ أهلِ بيتهِ، وعلى قراءة القُرْآنِ، فإنَّ حملةَ القُرْآنِ في ظِلِّ اللهِ يومَ لا ظِلِّ إلاَّ ظِلُّهُ، مع أنبيائِهِ وأصْفيائِهِ). رواه الديلميّ
مناقشة:
- ما حقك على والديك؟
- علام يحث النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث الشريف؟
- لماذا يجب على المسلم أنّ يحب النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
- اذكر بعضًا من أسماء مَنْ تعرفهم مِنْ آل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
- ما علامات محبّتنا للقرآن الكريم؟
شرح الحديث الشريف:
لقد أولى الإسلام رعاية الأبناء وتربيتهم اهتمامًا بالغًا، وأعتبر أنَّ الأبناء أمانة لدى الآباء والأمّهات، يجب رعايتها والمحافظة عليها من الضياع أو الهلاك أو الانحراف، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعيَّتهِ، وَالمَرْأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِهَا وَمسْؤولةٌ عَنْ رعيَّتِهَا). رواه البخاري
ومسؤولية الآباء عنْ أبنائهم لا تقتصر على الأمور الماديّة، كالإنفاق عليهم، وإنّما تتعدّى ذلك إلى ضرورة
*131*
تربيهم وتعليمهم وتوجيههم نحو ما يعودُ عليهم بالخير في الدنيا والآخرة.
وفي هذا الحديث الشريف يوجّه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الآباء أن يُربّوا أولادهم على ثلاث خصال، وهي:
أولًا - حبّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم):
إنّ محبة النبي محمّد (صلى الله عليه وسلم) أصل عظيم مِنْ أصول الدين، فهو أفضل خَلْق الله، وهو المبلغ عن الله، وصاحب المنزلة الرفيعة، والمقام المحمود، وهو سيّد ولد آدم، فلا إيمان هلمنْ لم يكن الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم) أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، حيث قال (صلى الله عليه وسلم): (لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحبَّ إليهِ مِنْ وَلدهِ وَوَالدهِ والنَّاسِ أجمَعِينَ). أخرجه البخاري. وهذه المحبّة تقتضي أن نتّبعه بكل ما قال وعمل، فنعمل ما أمر به، ونتجنب ما نهى عنه، ونصلّي عليه، وندافع عنه، وندعو إلى دينه.
ولمحبة النبي (صلى الله عليه وسلم) في قلوب المسلمين أسباب كثيرة، منها:
1. هو من أرسله الله تعالى لإخراجنا من الظلمات إلى النور، وإنقاذنا من النار ودخولنا الجنّة.
2. هو من لاقى الصعاب في سبيل تبليغ الرسالة، حتى وصلت إلينا كما جاءت من عند الله تعالى.
3. حبّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يثمر محبة الله تعالى لنا، قال تعالى على لسان نبيه الكريم (صلى الله عليه وسلم):
(قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونيِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ (31)). سورة آل عمران، فعندما نحب الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإننا نكسب محبة الله تعالى، وهذه درجة عظيمة يتمنى أن ينالها كل مسلم.
4. يجب أن نحب مَنْ يحبنا، فهو عليه الصلاة والسلام يحبنا حبًا عظيمًا، فهو الذي أخّر دعوته لأمته إلى يوم القيامة حتى يشفع لها، وما مِنْ باب خير إلا ودعا إليه لنناله.
5. نحب الرسول (صلى الله عليه وسلم) لكمال خُلقه، فقد وصفه الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) سورة القلم
*132*
أثري معلوماتي:
مِنْ أخلاق الرسول (صلى الله عليه وسلم): (الرحمة).
أرسل الله تعالى نبيه محمّدًا (صلى الله عليه وسلم) رحمة للعالمين، فهو الذي قال فيه ربنا عز وجل: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)). سورة التوبة، بل هو الرحمة المهداة للكون بأسره وليس بني آدم فقط، يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). سورة التوبة، وهو ما يشمل الإنس والجن والحيوان والمخلوقات أجمعين.
وقد تجلّت رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالحيوان في مواقف كثيرة، ومن ذلك: (دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) بستانًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جَمَل، فلما رأى الجملُ النبي (صلى الله عليه وسلم) ذرفت عيناه، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمسح عليه حتى سكن، فقال: (لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى مِنَ الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال له: أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها، فإنه شكا لي أنّك تجيعه). رواه أبو داود
أتعرّف:
وسائل زيادة محبّة المسلم للرسول (صلى الله عليه وسلم):
استشعار ما قدمه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأوصله لنا من الخير العظيم، وطاعته ومتابعته، والاقتداء به، وكثرة ذِكره والصلاة عليه، والاستشهاد بأقواله وأفعاله، وطالعة سيرته، وسيرة أصحابه، وكيف كانت محبّتهم
*133*
ثانياً - حبّ أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وسلم):
أهل البيت هم آل النبيّ (صلى الله عليه وسلم) الذين حُرّمت عليهم الصدقة، وهم: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل؛ أبناء عمّه أبي طالب، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب، وأزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) وبناته.
وإنَّ محبة أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) مِنْ محبته، وما دامت محبته واجبة فمحبّة ما يحبّ واجبة.
ومن أدلّة فضل أهل البيت:
قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33). سورة الأحزاب
ففي هذه الآية الكريمة تعظيم آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وإنَّ الله أذهب عنهم الرِجس.
وقوله (صلى الله عليه وسلم): (أُذَكّركُمْ الله في أَهْلِ بَيْتي). رواه مسلم
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للحسن بن علي رضي الله عنهما: (اللهمَّ إني أُحبُّهُ فأحِبهُ وأجبَّ مَنْ يُحبه). متفق عليه
ثالثا - قراءة القرآن
عندما نتحدث عن القرآن، فلا بد أن نستشعر أنه ليس كلام بَشر، بل هو كلام الله تعالى، المنزل على محمّد (صلى الله عليه وسلم)، المتعبد بتلاوته، الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أُنزل ليكون منهاج حياتنا، وطريق عزّنا، وسبيل رفعتنا ومجدنا.
وقد حثّ النبي (صلى الله عليه وسلم) على قراءة القرآن وتدبره، وشجع على الاجتماع على تلاوته، ودراسته، والبحث عن معاني آياته، فقال (صلى الله عليه وسلم): (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونهُ بينهم، إلا نزلت عليهم السَّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم اللهُ فيمن عندهُ). رواه مسلم كما بين النبي (صلى الله عليه وسلم) المنزلة العالية في الجنّة لقارئ القرآن، فقال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنتَ ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها). رواه الترمذي
*134*
كما أن لقارئ القرآن بكل حرف منه حسنة، حيث قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ قَرَأَ حَرفًا من كتاب اللهِ فَلهُ به حسنةٌ، والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أقولُ (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرف ولآم حرفٌ وميم حرفٌ). رواه الترمذي
أتذكر:
احترامًا لكتاب الله، والتزامًا للأدب معه، على المسلم:
أنْ لا يمس القرآن إلا طاهرًا، ولا يقرؤه من عليه حدث أكبر حتى يغتسل، ولا يُهان في حَمله ووضعه، ويحافظ عليه، ولا يكتب عليه، ولا يمزّقه، ويجعله أعلى من غيره، ولا يتّكئ عليه، ولا يجلس على شيء فيه مصحف، كالحقيبة.
قصة وعِبرة:
جاء في الأثر عن سبب ما حصل لبِشْر بن الحارث من الرفعة العظيمة في الدنيا، حتى صار اسمه في الناس كأنه اسم نبي، وبات أحد أعلام الأمّة العظماء؛ حيث سُئل بِشر بن الحارث: ما كان بدء أمرك؟ لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبي؟! قال: (هذا من فضل الله، وما أقول لكم؟! كنت رجلا عيارا (1) صاحبَ عَصبةٍ، فجزتُ يومًا، فإذا أنا بقرطاس في الطريق، فرفعته فإذا فيه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ)، فمسحته وجعلته في جيبي، وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما، فذهبتُ إلى العطارين، فاشهريت بهما غالية (2) ومسحته في القرطاس، فنمتُ تلك الليلة، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول: (يا بِشْر بن الحارث؛ رفعتَ اسمنا عن الطريق وطيَّبته، لأُطيِّبنَّ اسمك في الدنيا والآخرة)، ثم كان ما كان!). أخرجه أبو نُعيم في حِلية الأولياء، (8 / 336)
(عيَّار: أي: كثير الحركة والتطواف. غالية: أؤ: يليب).
ما الدروس المستفادة من القصة؟
*135*
ما يرشد إليه الحديث الشريف؟
1. على الآباء أن يهتمّوا بتوجيه أبنائهم لِما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة.
2. مِنْ كمال الإيمان حبّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أكثر من أنفسنا ووالدينا وولدنا والناس أجمعين.
3. محبّة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته واجب على كل مسلم.
4. الاهتمام بقراء ة سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وآل بيته، والاقتداء بهم.
5. الحرص على تلاوة القرآن الكريم وحفظ آياته.
6. لتلاوة القرآن الكريم أثر عظيم في إصلاح الفرد والمجتمع.
7. على المسلم أن يلتزم الأدب في التعامل مع كتاب الله تعالى.
*136*
التقويم
أجب عما يأتي:
1. بعد دراستك للحديث الشريف، وضّح مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم!
2. ما واجبك تجاه رسولك الكريم محمّد (صلى الله عليه وسلم)؟
3. أُذكر بعضًا من الوسائل المُعينة على تنمية محبّة الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم)!
4. مَنْ هم آل البيت؟ وما الذي يجب في حقهم؟
5. وضّح فضل تلاوة القرآن الكريم!
اِبحث في مصادر المعلومات وأجب:
اكتب عن حياة راوي الحديث عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)!
*137*
الحديثُ الرابعُ
الاستئذان
عن أبي موس الأشعري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(الاِسْتِئْذَانُ ثلاثٌ فإنْ أُذِنَ لكَ وإلا فَارجِعْ). أخرجه البخاري ومسلم
راوي الحديث:
هو الصحابّي الجليل عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى الأشعري، قدم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مكة فأسلم، كان من علماء الصحابة، وكان حسن الصوت في قراءة القرآن الكريم، أرسله النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى اليمن، يدعو الناس ويعلمهم ويفقههم في الدين، هاجر إلى الحبشة وقدم منها ليالي خيبر، وشارك فيما بعدها من الغزوات، روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الكثير من الأحاديث، وجمع بين العلم والعبادة والجهاد، حتى توفي سنة 44 للهجرة، وعمره 63 سنة.
معنى الاستئذان: هو طلب الإذن بالدخول إلى مكان لا يحقّ دخوله إلا بإذن.
مناقشة:
- ما الحكمة من تشريع الاستئذان عند دخول بيوت الآخرين.
- بيّن آداب الاستئذان المذكورة في الحديث الشريف!
- اِعط آدابًا أخرى للاستئذان لم ترِد في الحديث!
- هل الاستئذان يكون فقط على البيوت؟ وضح!
*138*
شرح الحديث الشريف:
نظم الإسلام علاقات الناس ببعضهم، ودعاهم إلى التحلي بالأخلاق التي تَنشر المحبة بينهم، كما راعى خصوصيات كلّ منهم وأحواله، فجعل البيوت حرمًا آمنًا، لا يستبيحها أحد إلا بعلم أهل البيت وإذنهم، فيأمن أصحابها فيها على أسرارهم وحرماتهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبّون، لذلك شرّع الله عز وجل أحكامًا وآدابا تحفظ لهذه البيوت حُرمتها، ومن هذه الآداب: أدب الاستئذان. والاستئذان لدخول البيوت المسكونة واجب، لقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)). سورة النور
ويبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث كيفية الاستئذان عند الدخول إلى بيوت الآخرين بأن يكون ثلاث مرات، سواء أكان الباب مفتوحا أو مغلقا، ولا مانع من الزيادة على ثلاث إذا غَلب على ظنه عدم سماع صاحب البيت لطرقه، ويكون بين كلّ مرة ومرّة فاصل زمني - يُقدر بصلاة ركعتين - ليعطي فرصة لإجابة من يسمعه.
وينبغي أن يكون دق الباب أو قرع الجرس بلطف، حتى لا يسيب الازعاج لأصحاب البيت، فلا يدق الباب بقوة، أو يضغط على الجرس بشكل متواصل.
كما بيّن الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث الشريف، بأن على المستأذن أن يرجع إذا لم يؤذن له بالدخول بعد الاستئذان ثلاثًا، سواء أكان صاحب البيت موجودا أم لا، وإذا طلب أصحاب البيت من الزائر الرجوع، أو اعتذروا عن استقباله، فيجب عليه الرجوع، فهو أطهر وأكرم له، ولا يتضايق من ذلك، لأن الناس لهم ظروفهم الخاصّة التي يجب أن تُحترم. قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ (28)). النور
*139*
أتعرف
آداب أخرى للاستئذان:
1. التسليم على أهل البيت: ويكون ذلك بإلقاء تحية الإسلام على صاحب البيت، قبل أي حديث معه، حيث يُلقي التحية بقوله: (السلام عليكم ورحمة الله)، ثم يطلب الإذن بالدخول، أو يطلب حاجته.
2. أن يذكر اسمه صراحة عند الاستئذان: فإذا سأل صاحب البيت مَنِ الطارق؟ فليصرّح باسمه ولا يقول: (أنا).
3. غضّ البصر عند الاستئذان: من الأدب ألا يستقبل الزائر الباب بوجهه أثناء الاستئذان، وخاصة إذا كان الباب مفتوحا، بل يجعله عنْ يمينه أو شماله، والحِكمة مِنْ ذلك ألا يقع نظر الزائر على ما في البيت مما لا يحبّ أهله أن ينظر إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما جُعلَ الاستئذانُ مِن أجلِ البَصرِ. رواه البخاري
*140*
أثري معلوماتي:
الاستئذان عند دخولك إلى بيتك:
إذا كنت خارج بيتك وأردت الدخول إليه، وكان أحد داخل البيت، فعليك التحلّي بما يلي:
أ. طرق الباب أو قرع الجرس مرّة واحدة ثم الدخول، دون انتظار الإذن، والحكمة مِنْ ذلك أن يستأنس مَنْ في البيت، ويعلم أن هناك من دخل.
ب. إلقاء تحية السلام على مَنْ في البيت.
أمّا إذا كنت أول من يدخل البيت، ولم يكن أحد بداخله، فعليك أن تسمي الله تعالى عند الدخول، ثم تُلقي تحية السلام على من حضر مِنَ الملائكة.
الاستئذان يكون لدخول البيوت المسكونة، أو الأماكن الخاصّة، كالمكاتب، أمّا الأماكن العامة، كالمحلات التجارية، فلا يُشرط لها الاستئذان.
ما يرشد إليه الحديث الشريف:
1. على الزائر أنْ لا يدخل بيوت الآخرين إلا بإذن.
2. للاستئذان آداب متعدّدة، على المسلم أن يحرص على تطبيقها.
3. من أدب الاستئذان أن يطرق الباب ثلاث مرات، مع فاصل زمني بينهما.
4. إذا لم يُؤذن للزائر بالدخول، فليرجع دون أن يتضايق مِنْ ذلك.
*141*
التقويم
أجبْ عمّا يأتي:
1. ما معنى الاستئذان؟ وما الحِكمة من مشروعيته؟
2. اُذكر خمسة من آداب الاستئذان عند دخول بيوت الآخرين!
3. عند عودتك من مدرستك، ما هي الآداب المطلوبة منك للدخول إلى بيتك؟
4. قال (صلى الله عليه وسلم) (إنّما جُعلَ الاستئذانُ منْ أجلِ البَصرِ). رواه البخاريّ، وضّح ذلك!
*142*
الحديثُ الخامسُ
اَلكسب الحلال الطيّب
عنْ أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(يا ايها النَّاسُ إن اللهَّ طيبٌ لا يقبلُ إلا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَّ أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسلُ كلوا من الطيباب واعملوا صالحًا (51)) المؤمنون، وقالَ:
(يا أيها الذينَ آمنوا كُلوا من طيباتِ مَا رَزقناكمْ (172)) البقرة، ثُمَّ ذكر الرَّجلُ يطيلُ السَّفرَ أشعتَ أغبر يَمُدُّ يديه إلى السَّماءِ يا رَبِّ يا رَبِّ، ومطعمُهُ حرام، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسهُ حرامٌ، وَغُذَّيَ بالحرامِ، فأنَّى يُستجابُ لَه). رواه مسلم
راوي الحديث:
الصحافي الجليل أبو هريرة، عبد الرحمن بن صَخْر الدوسي (رضي الله عنه)، وقد تم التعريف به في مبحث رواة الحديث صحة 95.
معاني المفردات والتراكيب:
- طيّب: طاهر منزّه عنِ النقائض والعيوب.
- لا يقبل إلا طيبًا: لا يقبل التقرب إليه إلا بما هو حلال وخالص النية له.
- أشعت أغبر: شعره ملبّد مُغبر غير ممشّط.
*143*
مناقشة:
- ما الطيبات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه؟
- بماذا أمر الله تعالى رسله عليهم السلام كما جاء في الحديث؟
- كيف كانت حالة الرجل عند توجهه إلى الله تعالى بالدعاء؟
- هل استجاب الله لدعاء الرجل؟ ولماذا؟
شرح الحديث الشريف:
أولا - إنَّ الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا:
لقد وصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) الله تعالى في هذا الحديث الشريف بأنه طيب، أي طاهر منزّه عنْ كل نقص أو عيب، والله تعالى يحبّ أن يكون عبده طيبًا في أعماله وأقواله ومعتقداته، فإذا أراد المسلم أن يتصدّق فيجب عليه أن يتحرّى المال الحلال، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى بالعبادة، فيجب أن تكون نيته خالصة لله تعالى، بعيدة عن الرياء، حتى يُقبل عمله، ويُثاب عليه، وكذلك عليه أن يتحرّى في أقواله ما يرضي الله تعالى، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10)) سورة فاطر
اكتشف:
قال (صلى الله عليه وسلم): (ما تَصدَّقَ عبدٌ بِصدقةٍ مِنْ مالٍ طيِّبٍ إلا أخذها الرحمنُ بِيمينهِ). رواه البخاري ومسلم.
علام يدلّ الحديث الشريف؟
*144*
ثانيا - الأكل مِنَ الطيبات:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا (168)). سورة البقرة
إنّ على المؤمن أن يتحرى في كسب ماله، ويحرص أن يكون من حلال، ويبتعد عن التعامل بالحرام، وذلك حتى يكون مأكله ومشربه حلالا طيبًا، وقد أمَر الله المؤمنين بما أمَر به الرسل عليهم السلام ألا يأكلوا إلا الطيّبات مِنَ الرزق، وعلى المؤمنين أن يمتثلوا كما امتثل المرسلون، وأن يقتدوا بهم لنيل رضا الله ومحبته.
وقد أمر الله تعالى باجتناب الخبائث، كأكل الميتة، ولحم الخنزير، والمأكولات الضارّة المؤذية. وتشمل الخبائث: شرب الخمر، وتعاطي المخدرات، وكل مشروب مضرّ بالصحة؛ كالتدخين وغيره. وقد نهى سبحانه الإنسان عن تحصيل المال بطريق غير مشروع؛ كالقمار والربا والغش والسرقة.
ثالثا - أثر الأكل من الحرام؟
يبيّن لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حال ذلك الرجل المسافر الذي ترك أهله وأحبابه لكسب المال، فشعره ملبّد مغبر، لانشغاله بطول السفر وجَمْع المال، وقد مدّ يده إلى الله تعالى ملحًّا بالدعاء بأن يتقبل الله دعاءه، ولكن بالرغم مِنْ حالته وحاجته إلا أن الله تعالى لم يستجب لدعائه لأنه عاش على الحرام في مأكلِهِ ومشربه وملبسه.
*145*
أتعلّم:
ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث:
أ. من شروط استجابة الدعاء: الالتزام بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه.
ب. بعض آداب الدعاء، والتي هي من أسباب الاستجابة، وهي:
- رفع الأيدي عند الدعاء: قال (صلى الله عليه وسلم): (إن الله تعالى حيِيٌّ كريمٌ يَستحي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أن يَرُدها صِفرًا خاليتينِ). أخرجه أبو داود والترمذي
- الإلحاح في الدعاء: فعلى المسلم أن لا يملّ من الطلب، بل يُكثر من توجهه إلى الله بالدعاء في ما يطلبه.
ج. بعض المواطن التي يُستجاب بها الدعاء، وهي:
السفر: حيث قال (صلى الله عليه وسلم): (ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لا شَكَّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة الُمسافر، ودعوةُ الوالدِ لولدهِ). أخرجه أبو داود والترمذيّ
أتعرف:
مِنْ آداب الدعاء أيضًا:
1. أن يفتتح دعاءه ويختمه بالحمد لله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
2. يستحب أن يكون الداعي على طهارة، وأن يستقبل القبلة.
3. الاستمرار بالدعاء، وعدم استعجال الاستجابة، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) )يُستجابُ لأحدكُمْ مَا لمْ يعجلْ، يقولُ: دعوتُ فلمْ يُستجبْ لِي). رواه البخاري ومسلم
*146*
اَستنتج:
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَا مِنْ مُسلمٍ يدعُو بدعوةٍ ليسَ فيا إثمٌ وَلا قطيعةُ رَحمٍ، إلأ أعطاهُ اللهُ بِها إحدى ثلاثٍ؛ إمَّا أن تُعجلَ لَهُ دعوتهُ، وإما أن يدخرها لهُ في الآخرةِ، وإما أنْ يصرفَ عنهُ من السُّوءِ مِثلها، قالوا: إذًا نُكثر؟ قال: اللهُ أكثرُ). رواه أحمد
استنتج مِنَ الحديث الشريف الفوائد التي ينالها المؤمن عندما يدعو ربّه!
ما يرشد إليه الحديث الشريف
1. لا يقبل الله تعالى مِنَ الأعمال إلا ما كان طيبًا خالصًا لوجهه الكريم.
2. اَلمؤمن يحرص أن يكون مأكله ومشربه وملبسه حلال.
3. اَلمعاصي وأكل الحرام سبب في عدم استجابة الدعاء.
*147*
التقويم
1. ما معنى قوله (صلى الله عليه وسلم) بأن الله تعالى: (لا يقبل إلا طيبًا)؟
2. من خلال دراستك للحديث الشريف، لِمَ لَمْ تُقبل إجابة الرجل الداعي؟
3. ما شروط إجابة الدعاء كما جاء في الحديث الشريف؟
4. اكتب بلغتك ما استفدته مِنَ الحديث الشريف!
اِبحثْ في مصادر المعلومات عن:
- الأحوال والأزمنة التي يُستجاب فيها الدعاء.
- موانع استجابة الدعاء.
*148*
الحديثُ السادسُ
حلاوة الإيمان
عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(ثلاثُ مِنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حلاوة الإيمان؛ أنْ يكونَ اللهَّ ورسولهُ أحبَّ إليهِ مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحبَّ المَرْءَ لا يُحبُّهُ إلا لله، وأنْ يكره ان يعودَ في الكُفر كما يكرهُ أن يُقذقَ في النارِ). متفق عليه
راوي الحديث:
هو الصحابيّ الجليل، أبو حمزة أنس بن مالك الأنصارى الخزرجي، خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد تمّ التعريف به في مبحث رواة الحديث صفحة 95.
معاني المفردات والتراكيب:
- ثلاث: ثلاث خِصال أو صفات.
- حلاوة الإيمان: لذّة الإيمان وهي: الطمأنينة في القلب، وراحة النفس، وحبّ القيام بالطاعات.
- لا يحبّه إلا لله: لا يحبه إلا مِنْ أجل الله تعالى.
*149*
مناقشة:
- ما أسباب سعادة الأنسان؟
- ما الأمور التي إذ وُجدت عند المسلم وَجد حلاوة الإيمان؟
- ما رأيك بمن يشغله اللّعب عن أداء الصلاة في وقتها؟
شرح الحديث الشريف:
يبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث الشريف أنه إذا اجتمعت في المسلم ثلاث خصال فإنه يذوق حلاوة الإيمان، حيث يشعر بلذة وسعادة تملأ قلبه وحياته، فتراه يحبّ القيام بالطاعات، ويكره فعِل المعاصي، والخِصال الثلاث التي ذكرها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث هي:
أولا - أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما:
وهذا الحبّ لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) إنّما يكون بطاعتهما، وذلك بالاستجابة لأوامرهما، والابتعاد عن نواهيهما، فيقدم المسلم طاعة الله ورسوله على اتباع هواه وشهواته الدنيوية، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) سورة آل عمران، وقال (صلى الله عليه وسلم): (لا يُؤمنُ أحدكمْ حتى أكونَ أحَبَّ إليهِ مِنْ ولدهِ ووالدهِ والنَّاسِ أجْمعينَ). أخرجه البخاريّ
أتعرّف:
أ. العلامات الدالة على محبة المسلم لله تعالى:
1. اَلحرص على الالتزام بالفرائض، كالصلاة والصيام وغيرها.
2. التقرب إلى الله تعالى بالنوافل.
3. قراءة القرآن وتدبّره.
4. دوام ذِكر الله تعالى.
*150*
ب. العلامات الدالة على محبّة المسلم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم):
1. امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
2. تعتم سنّته، والعمل بها ونشرها.
3. كبرة الصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم).
4. التخلّق باخلاقه.
5. الاطلاع على سيرته (صلى الله عليه وسلم)، وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم.
ثانيا - أن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله:
ينبغي أن تكون العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم قائمة على المحبة في الله تعالى، فالمسلم يحب كل من يتقي الله تعالى ويعمل الصالحات، ويبتعد عن المحرّمات، فمن أحب لله وليس لمصلحة دنيويّة فهذا دليل على إيمانه بالله تعالى، ولهذه المحبة أجر عظيم، ومنزلة عالية عند الله تعالى، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إنَّ اللهَ يَقولُ يَوْمَ القِيامةِ: أينَ المُتحابونَ بجلالي؟ اليومَ أُظلهُمْ في ظلي يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلّي). رواه مسلم
أتعرف:
من علامات محبّة المسلم لأخيه المسلم في الله:
1. مساعدته على قضاء حاجاته، فخير الناس أنفعهم للناس.
2. أن يحبّ له ما يحب لنفسه.
3. عدم ذِكر عيوبه.
4. التماس العذر له عند وقوع الخطأ منه.
5. عدم الحقد عليه وحسده.
6. الدعاء له بالخير في ظَهر الغيب.
7. السؤال عنْ أحواله وتفقده.
*151*
ثالثا - أنْ يَكره أنْ يعود في الكفر كما يَكره أنْ يُقذف في النار:
إنَّ الإسلام نعمة عظيمة، وعلى المسلم أن يحمد الله تعالى أن جعله مِنَ المسلمين، ويحمد الله كذلك أن جعله مؤمنًا يكره الكفر، كما يكره أن يُلقى في النار، فالكفر سبب لدخول النار، والمسلم يكره الكفر؛ لأنه يستوجب غضب الله تعالى والبعد عنه والطرد من رحمته.
أتأمّل:
موقف بلال بن رباح (رضي الله عنه) الذي منَّ الله عليه بالإيمان، وذاق حلاوته، حين وضع المشركون الصخرة على صدره، وضربوه بالسياط وسحبوه على الرمال الحارّة، حتى يترك دينه ويعود إلى الكفر، فما زاده ذلك إلا التمسك بدينه وهو يردّد: أحَدٌ أَحَدٌ.
ما يرشد إليه الحديث الشريف
1. للإيمان طعم لا يجده إلا مَنِ اتّصف بصفات المؤمن الصادق.
2. المسلم يقدّم طاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) على ما سواهما.
3. مَنْ أحبّ الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) أطاعهما باتّباع أومرهما، واجتناب نواهيهما.
4. اَلمسلم يحبّ كل مَنْ يطيع الله تعالى ويطيع رسوله (صلى الله عليه وسلم).
5. على المسلم أن يحبّ لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه.
6. يجب على المسلم أن يكره الكفر والمعاصي كما يكره أن يُلقى في النار.
*152*
نشاط بيتي:
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلِّ إلا ظِلُّهُ...). الحديث
اِرجع إلى مصادر المعلومات المختلفة، وأكمل الحديث الشريف، ثم عين الصنف الذي له علاقة بحديث هذا الدرس!
*153*
التقويم
أجبْ عمَّا يأتي:
1. ما الخصال التي إذا اجتمعت في المسلم ذاق حلاوة الإيمان؟
2. كيف تظهر حلاوة الإيمان على سلوك المؤمن؟
3. ما العلامات الدالة على محبة المسلم لله تعالى؟
4. ما واجبك تجاه أخيك المسلم؟
5. اُكتب بلغتك ما اتسفدته من الحديث الشريف!
*154*
الحديثُ السابعُ
تحريم الظلم
عن أبي ذرّ الغفاريَّ (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه عن ربّه عز وجل أنه قال:
(يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلتهُ بينكمْ مُحرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديتُهُ، فاستهدوني أهْدِكمْ، يا عبادي! كلكم جائع إلا مَنْ أطعمتهُ فاستطعموني اطعِمْكم، يا عبادي! كلكمْ عَارٍ إلا من كسوتُهُ، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرالذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكمْ لنْ تبلغُوا ضَري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعونِي، يا عبادي! لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكمْ كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلك في مُلكي شيئا، يا عبادي!
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئا، يا عبادي! لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأَعطيتُ كل واحد مسألته ما نقصَ ذلك ممَّا عندي إلا كما ينقص المِخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، أُوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمدْ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلُومنَّ إلا نفسهُ). رواه مسلم
*155*
راوي الحديث:
هو الصحابي الجليل أبو ذر الغِفاري (رضي الله عنه)، واسمه جُندب بن جُنادة؛ من قبيلة غِفار، وهو مِنَ السابقين إلى الإسلام، حيث رحل إلى مكة يبحث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعدما سمع برسالته، ولما اجتمع به وسمع منه القرآن الكريم أعلن إسلامه، ثم عاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، التحق بالرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته إلى المدينة المنورة، حيث جاء إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومعه حشد كبير قد أسلم مِنْ قبيلته غِفار
وقبيلة أسلم.
معاني المفردات والتراكيب:
- اِستَهْدوني: اطلبوا مني الهداية.
- اتقى قلب رجُلٍ: من بلغ الغاية في التقوى.
- أفجر قلب رجلٍ: من بلغ الغاية في الفجور.
- في صعيد واحدٍ: في مقام واحد، والصعيد المكان المرتفع المستوي.
- الِمخْيَط: الإبرة.
- أُحصيها: أحفظها.
- أُوَفيكم إياها: أجزيكم عليها.
مناقشة:
ما الصيغة الدالة على أن هذا الحديث قدسي؟
- ما المقصود بظلم الآخرين؟ أعطِ أمثلة على ذلك!
- لم حَرَّم الإسلام الظلم؟
- ورد في الحديث الشريف حاجات الإنسان التي يلجأ فيها إلى الله تعالى، اُذكرها!
*156*
شرح الحديث الشريف:
إنّ لهذا الحديث الشريف قَدْر عظيم المنزلة، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: (هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدّث به جثا عاى ركبتيه).
تضمّن هذا الحديث القدسي عدة أمور:
أولًا - تحريم الظلم:
اَلظلم هو: مجاوزة الحدّ الذي وضعه الشرع، والاعتداء على حقوق الآخرين.
فالإسلام دعا إلى العدل والرحمة، وحذّر مِنَ الظلم، وذلك كي يكون المجتمع صالحًا فاضلا، لأنَّ الظلم سبب في نشر العداوة والبغضاء بين الناس. فكما حرّم الله الظلم على نفسه بأنه لا يظلم عباده، حيث قال: (وَمَا رّبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46)). سورة فصّلت، يوجّهنا في هذا الحديث أن نتجنب الظلم، لأن الظلم سبب في سخط الله وعذابه، وفي الحديث الشريف: (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيامةِ). أخرجه مسلم
ومِنْ صُور الظُلم:
1. ظُلم النفس: وإذ أعظم ظلم للنفس: الكفر بالله تعالى أو الإشراك به، قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)). سورة لقمان، ومن ظلم النفس أيضا: اتباع الشهوات وترك الطاعات، وكذلك فعل كل ما يؤدّي إلى الإضرار بالجسد.
2. ظلم الآخرين: حرّم الله تعالى ظُلم الآخرين والاعتداء عليهم بأيّ شكل كان، كأخذ أموالهم، أو سفكِ دمائهم، أو النَّيْلِ مِنْ أعراضهم، وكذلك الاعتداء على الممتلكات العامّة، أو الاعتداء على مخلوقات الله تعالى؛ كالطير والحيوان بإيذائه وتعذيبه.
*157*
قصّة في عاقبة الظُلم:
قصّة أزوى بنت أُويس مع سعيد بن زيد:
سعيد بن زيد (رضي الله عنه) هو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وقعت له حادثة في زمن بني أميّة. يُروى أن بنت أويس زعمت أن سعيد بن زيد (رضي الله عنه) قد غضب شيئًا من أرضها وضمّه إلى أرضه، وجعلت تلوك ذلك بين المسلمين وتقول: انظروا إلى سعيد، ظلمني وأخذ أرضي. ثم رفعت أمرها إلى مروان بن الحكم والي المدينة، فأرسل إليه مروان أناسًا يكلمونه في ذلك، فصَعِب الأمر على صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: (يرونني أظلمها! كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (مَنْ ظَلَمَ مِنْ الأرضِ شِبْرًا فإنَّهُ يُطوقُهُ مِنْ سَبْعِ أرضينَ) أخرجه مسلم. اللهم إنها قدزعمت أني ظلمتها، فإن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، وألقها في بئرها التي تنازعني فيه، فأظِهر مِنْ حَقّي نورًا يبيّن المسلمين أني لم أظلمها). فلم يمضِ على ذلك قليل حتى سال وادي العقيبِ بسيلٍ لم يسلْ بمثلهِ قبل، فانكشف الحد الذي كانوا يختلفون فيه، وظهر للمسلمين أن سعيدًا (رضي الله عنه) كان صادقًا، ولم تلبث المرأة بعد ذلك إلا أشهر حتى عمِيَت، وبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها.
ثانياً - افتقار الإنسان إلى الله عز وجل:
يعلم الله تعالى ضَعْف عباده وحاجتهم إليه في قضاه حوائجهم، سواء في جلب النفع لهم أو دفع الشرّ عنهم، ولذلك يوجّه الله عباده في هذا الحديث أن يتوجّهوا إليه لطلب حاجاتهم. ومن الحاجات التي أمرنا الله عز وجل بأن نطلبها منه بحسب ما جاء في الحديث الشريف:
1. اَلهداية: وهي الاستقامة على أمر الله تعالى، فإنِ اهتدى الإنسان إلى طريق الخير والصلاح حاز على رضا الله تعالى.
2. اَلرزق: يأمرنا الله تعالى أن نتوجّه إليه بطلب ما ييسّر عيشنا من كِساء وطعام، ولا بد لتحقيق ذلك من التوكل على الله تعالى، والأخذ بالأسباب الموصلة لذلك.
*158*
3- اَلمغفرة: فيحثنا الله تعالى على الاستغفار من الذنوب، لأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، إلا أن يشرك به، وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يُكثر من الاستغفار، وعلينا الاقتداء به، لما للاستغفار من فوائد عظيمة تعود على الفرد والمجتمع، كنزول المطر، والبركة في الأموال والأولاد.
ثالثا - استغناء الله عن خَلقه:
إن الله تعالى مُستعن عن عباده، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم، فلو سأله عباده مِنْ إنس وجنّ، وأعطاهم كل ما سألوه، لما نقص ذلك من مُلك الله شيئا، والإنسان هو الذي بحاجة إلى ربّه، لأنَّ النفع والضرر بيد الله تعالى وحده، فهو الذي يُطعمنا ويسقينا ويشفينا، وهو الذي يقبل توبتنا ويحيينا ويميتنا، ويبعثنا مِنْ بعد الموت.
رابعًا - جزاء العمل:
إنَّ كلّ ما يقوم به الإنسان في الدنيا مِنْ طاعات أو معاصٍ، يعلمها الله تعالى، وتُسجل الملائكة كل أعمال العباد، حتى يُحاسب العبد عليها يوم القيامة، فإنْ كان مصيره إلى الجنة فليحمد الله على هذه النعمة، وإنْ كان مصيره إلى النار فلا يلومنّ إلا نفسه.
ما يرشد إليه الحديث الشريف:
1. تحريم ظُلم النفس وظُلم الآخرين.
2. إن الظلم من كبائر الذنوب التي تجعل فاعلها في عقاب أليم يوم القيامة.
3. إن الله تعالى غني عن خَلقه، فطاعاتهم لا تزيد في مُلكِه شيئًا، ومعاصيهم لا تُنقص من مُلكه شيئًا.
4. على العباد أن يلجأوا إلى الله تعالى بالدعاء لجلب النفع أو دَفْع الضرر.
5. إن ما يقوم به الإنسان في الدنيا سيحاسب عليه يوم القيامة.
*159*
التقويم
أجب عما يأتي:
1. للظلم نوعان أساسيان، وضح كلًا منهما بمثال.
2. أين تجد المعاني التالية في الحديث الذي درسته، أكتب النصّ مِنَ الحديث:
أ. قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)). سورة الفاتحة
ب. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هَوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)). سورة فاطر
ت. قوله (صلى الله عليه وسلم): كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ). رواه أحمد في مسنده
3. أكتب بلغتك ثلاث فوائد استفدتها مِنَ الحديث الشريف!
4. اقرأ الآيات العشرة الأولى مِنْ سورة المائدة، واستخرج الآيات التي تأمر بالعدل، واكتبها في دفترك.
*160*
اَلحديثُ الثامنُ
حقّ المسلم
عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن وسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:
(حَقٌ المسلمِ على المسلم سِتٌ. قِيلَ ما هُنّ يا رسولَ اللهِّ؟ قالَ: إذا لقيتَهُ فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبْهُ، وإذا استنْصَحَكَ فانصَحْ لَهُ، وإذا عَطَسَ فحمدَ اللهَّ فشمتهُ، وإذا مَرِضَ فعُدْهُ وإذا ماتَ فاتّبِعْهُ. رواه مسلم
راوي الحديث:
الصحابي الجليل أبو هريرة، عبد الرحمن بن صَخْر الدوسي (رضي الله عنه)، وقد تمّ التعريف به في مبحث رواة الحديث صحة 95.
معاني المفردات والتراكيب:
- حق المسلم على المسلم: ما لا ينبغي للمسلم تَرْكهُ تجاه أخيه المسلم، فيكون فِعْله واجبًا أو مستحبًا.
- دعاك: وجّه لك دعوة لحضور وليمة.
- اِستنصحك: طلب منك النصيحة.
- فشمّته: قل له: يرحمك الله.
- عُدْه: زُره.
- إذا مات فاتّبعه: سِر في جنازته حتّى الدفن.
*161*
مناقشة:
- ما الحقوق الستّة التي عليك لأخيك المسلم بحسب ما جاء في الحديث الشريف؟
- ما موقفك فيما لو حصل لك واحد مِنَ المواقف التالية:
- سلّمت على زميل لك فلم يرّد عليك.
- مَرِضْت فلم يسأل عنك أحد.
- دعوت زملاءك لزيارتك فتغيّب بعضهم.
شرح الحديث الشريف:
حَرِص الإسلام أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا متماسكا تسوده الألفة والأخوّة والمحبة، ولذلك جعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) حقوقًا مشتركة بين المسلمين تؤدّي إلى الألفة والمحبّة بينهم، وقد بيّن الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث ستةً مِنْ هذه الحقوق، وهي:
1. اَلسلام:
فعلى المسلم أن يُسلم على أخيه الحطم إذا لقيه، فإشاعة السلام مِنْ مظاهر الودّ والمحبة بين المسلمين، فبدء السلام سُنة مؤكدة، وردّه واجب، لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُم بتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86)). سورة النساء، وأقل السلام أن يقول: (السلام عليكم)، وأكمله أن يقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، ففي السلام الكامل ثلاثون حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وفي أقلّه عشر حسنات، فعنْ عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال: (جاء رجلٌ إلى النبيِّ (صلى الله عليه وسلم)، فقال: السَّلامُ عليكمْ فَرَدَّ عليهِ، ثُمَّ جلس، فقالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (عَشرٌ). ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمةُ اللهِ، فردِّ عليهِ، فجلسَ، فقال: (عشرُونَ). ثُمَّ جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، فردَّ عليهِ، فجلسَ، فقالَ:
(ثلاثونَ). رواه أبو داود والترمذيّ
*162*
2. إجابة الدعوة:
تمرّ على المسلم بعض الأفراح من زواج وإنجاب ونجاح ونحوها، ويحب أن يشاركه في فرحته بعض أقاربه وأصدقائه، فيولِم بوليمة يدعوهم إليها، فينبغي لمن دُعي أن يستجيب لدعوة أخيه المسلم ويشاركه فرحته ويهنّئه، لأن ذلك يُدخل السرور على قلبه.
3. النصيحة:
النصيحة واجبة عند طلبها، وتستحب إذا لم تُطلب، والمسلم ينصح أخاه المسلم دالًّا إياه على الخير، ومحذرًا إياه مِنْ كل شر، ومن آداب النصيحة: أن تكون سرًّا بين الناصح والمنصوح، وأن تكون بلين ورفق، وحِكمة، وأسلوب مناسب، وعليه أن يتجنب في النصيحة التجريح والألفاظ الفظة.
4. تشميت العاطس:
يمرّ على الإنسان في بعض أحواله العطاس، وهو نعمة من الله تعالى لما فيه من الفوائد على صحة الإنسان تستلزم شكرَ المنعم سبحانه وتعالى والثناء عليه، فإذا عطس المسلم فإن عليه أن يحمد الله تعالى بقوله: (الحمد لله)، وحينئذ يرد عليه من سمِعه بقوله: (يرحمك الله)، ثم يجيبه العاطس بقوله: (يهديكم الله ويصلح بالكم)، لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (إذا عَطَسَ أحدكُمْ فليقُلِ: الحمدُ لله، وليَقُلْ لَهُ أخُوهُ أو صاحبُهُ: يرحمكُ اللهُ، وليَقُلْ هُوَ: يَهْديكُمُ اللهُ ويُصلحُ بالكُمْ. أخرجه البخاريّ
5. زيارة المريض:
المريض هو الشخص الذي ابتلاه الله تعالى في جسده أو نفسه، وهو في هذه الحالة يحتاج إلى مَنْ يواسيه ويقوي عزيمته، ولذلك جعل الإسلام له حقًّا بزيارته، ورتب على هذه الزيارة الأجر العظيم.
ومن آداب زيارة المريض أن يختار الأوقات المناسبة للزيارة، ويذكر المريض عند زيارته بنِعم الله تعالى عليه، ويدعو له بالشفاء، ويبين له الثواب العظيم من الله تعالى إنْ صبر على مرضه.
ويستحبّ أن يدعو للمريض بما وُرد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم( بقوله:
(اللهُمَ ربَّ النَّاسِ، أذْهب البأس، واشْفِ أنتَ الشافي، لا شِفاء إلا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادرُ سقمًا). رواه البخاري ومسلم
*163*
6- اتباع الجنازة:
اَلموت هو نهاية كل حيّ، فبه ينقطع الإنسان عن الدنيا، وتنقطع أعماله، ويكون محتاجا إلى كل خير، فجعل الإسلام للميت حقوقا؛ ومنها: الصلاة عليه، واتباع جنازته، لكي يُدعى له بالرحمة والمغفرة، وهذا من أعظم حقوقه على الأحياء. وترغيبًا بهذا العمل الجليل أعظم الله تعالى فيه الأجر، حيث قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ شَهِدَ الجنازةَ حتَّى يُصَلَّى عليهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، ومن شهدهَا حَتَّى تُدفنَ فَلهُ قيراطانِ. قيلَ: وما القيراطانِ؟ قال: مثلُ الجبلينِ العظِيمينِ. رواه البخاريّ ومسلم
أفكر وأناقش:
هناك واجبات أخرى على المسلمين تجاه بعضهم، اُذكر عددًا منها!
ما يرشد إليه الحديث الشريف؛
1. إفشاء السلام من مظاهر الود والمحبة بين المسلمين.
2. على المسلم أن يشارك أخاه المسلم في أفراحه وأحزانه.
3. إسداء النصح للمسلمين بما فيه الخير والنفع.
4. تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى.
5. زيارة المريض تخفيفًا عنه ومواساة له.
6. اِتباع الجنازة حتى توضع في القبر، لما في ذلك من الأجر العظيم.
*164*
I
التقويم
أجبْ عمَّا يأتي:
1. ما الفوائد التي تعود على المجتمع المسلم إذا أدّى أفراده الحقوق الواردة في الحديث الشريف؟
2. ما أقلّ السلام؟ وما أكثره؟ وما الأجر المترتب على ذلك؟
3. إذا أردت نصيحة زميلك، فما الآداب المطلوبة منك؟
4. ما آداب زيارة المريض؟
5. لماذا حثّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) على اتباع الجنائز؟
*165*
الحديث التاسعُ
حقُّ الوالدينِ
عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(منَ الكبائر شتمُ الرَّجُل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسُبُّ أبا الرجل فيسبُ أباه، ويسبُ أُمهُ فيسبُ أُمه). أخرجه البُخاري
راوي الحديث
هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص القُرَشي (رضي الله عنه)، كان من فضلاء الصحابة وعلمائهم، فهو صاحب صحيفة قد جمع فيها كثيرا من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد أن استأذنه في أن يكتب عنه، فأذن له، قال أبو هريرة (رضي الله عنه): (ليس أحد من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) أكثر حديثًا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مني، إلّا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب).
أسلم قبل أبيه عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، واشترك في أكثر غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان مشهوؤا بكثرة العبادة،
وروى كثيرًا من الأحاديث النبوية، توفي سنة 64 للهجرة.
من معاني المفردات
الكبائر: الذنوب والمعاصي العظيمة.
الشتم: السبّ، وهو التكلّم في الإنسان بما يعيبه أو يؤذيه.
*166*
مناقشة
- اُذكر بعضًا من الذنوب التي يرتكبها الشخص بلسانه!
- كيف يتسبب أحدنا في شتم والديه؟
- كيف تتصرّف إذا شتم أحد والديك؟
- ما واجبك تجاه والديك؟
شرح الحديث الشريف
اَلمعاصي والذنوب درجات متفاوتة، منها الصغائر ومنها الكبائر، والكبائر هي: الذنوب الكبيرة التي جاء الدليل على تغليظ تحريمها، إما بلَعن مرتكبها، أو غَضَب من الله تعالى عليه، أو توعدّه بالعذاب، أو بإدخاله النار، أو يترتّب عليها حدّ في الدنيا.
ويبيّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث الشريف عِظم حق الأبوين، قمجرد التسبب في شتم الوالدين أو أحدهما، فهو يعتبر من الكبائر، فكيف بمن يشتمهما بنفسه، أو يضربهما، أو يؤذيهما؟
إنّ الصحابة رضوان الله عليهم لم يتصوروا، ولم يخطر على بالهم أن هناك من يشتم والديه، ولذلك تساءلوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ لأن الطبائع السليمة تأبى ذلك، فبيّن لهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه وإن لم يفعل السبّ بنفسه في الأغلب، لكن قد يقع منه التسبب في شتم والديه، بأن يختلف مع شخص فيشتم والديه أو أحدهما، فيقابله الشخص الآخر بالمثل، ويشتم والديه، لذلك لما كان سببًا في سب والديه، كان عليه إثم ذلك.
*167*
أفكر وأناقش:
أصبح شتم البعض لوالدي الآخرين ظاهرة منتشرة في المجتمع، فما أسباب هذه الظاهرة؟ وما الطرق المقترحة لعلاجها؟
أتعلّم:
جعل الله تعالى برّ الوالدين من أبرز الحقوق الاجتماعية، وقد عظم الله من شأن الوالدين وجعل برّهما تاليًا لتعظيمه، حيث قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (36)). سورة النساء، والبرّ هو: اسم جامع لكلّ خير، ومن ذلك الإحسان إليهما، وطاعتهما، وتقديم أمرهما، وترك عقوقهما، والتلطف في الخطاب معهما، والإنفاق عليهما عند الحاجة، والقيام بخدمتهما ورعايتهما، وملاطفتهما، والدعاء لهما، وعدم التسبب في لعنهما أو شتمهما، والحرص على إسعادهما بكل ما هو مشروع ومباح، فهما يحبانه صالحًا، مصليًا، مجتهدًا، حريصًا على دراسته، مرافقًا للصالحين، ونحو ذلك مما يُدخل السرور إلى قلبيهما.
قصّة وعبرة
عن عبد الله بن أبي أوْفى قال: (كُنّا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فأتاهُ آتٍ فقال: شابٌ يجودُ بنفسه. - أي أنه ينازع - فقيل له: قُل لا إله إلا الله، فلم يستطع، فقال عليه الصلاة والسلام: (أكان يُصلّي؟). قالوا: نعم: فنهض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونهضا معه، فدخل على الشاب فقال له: (قُل: لا إله إلا الله). فقال: لا أستطيع. قال: (لِمَ؟). قيل له: كان يَعُق والدته. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أَحِيَّةٌ والِدَتَهُ؟). قالوا: نعم. قال: (ادْعوها). فَدَعَوْها فجاءت، فقال: (هذا ابنكِ؟). فقالت: نعم. فقال لها: (أرأيتِ لو أُجِّجت نارٌ ضخمة فقيل لك: إن شفعت له خلَّيْنا عنه وإلا حرقناه بهذه النار، أكنتِ تشفعين له؟). قالت: يا رسول الله إذًا أشفع. قال: (فأشهدي الله وأشهديني أنكِ قد رضيتِ عنه). فقالت: اللهم إني أُشهدك وأُشهد رسولك إنِّي قد رضيت عن ابني. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا غلام قُل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله). فقالها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الحمد لله الذي أنقذهُ من النار).
*168*
أتعرّف:
فضل برّ الوالدين:
1. برّ الوالدين مفتاح الخير كلّه، وسبب لدخول الجنّة.
2. سبب لطول العمر، وسعة الرزق. قال (صلى الله عليه وسلم): (من سَرَّهُ أن يُمدَّ له في عمره، ويزادُ له في رِزقِه، فليَبُرَّ والديه وليصِلْ رَحمِهِ). أخرجه أحمد في مسنده
3. سبب من أسباب مغفرة الذنوب.
4. من أسباب استجابة الدعاء.
5. منجاة من مصائب الدنيا، وتفريج للكروب، وذهاب للهمّ والحزن.
6. سبب في حصول بِرّ الأبناء لِمَن برّ والديه.
ما يرشد إليه الحديث الشريف
1. المعاصي والذنوب درجات متفاوتة، منها الصغائر ومنها الكبائر.
2. تحريم السبّ والشتم.
3. ردّ السبّ بسبّ مثله يفوّت الأجر، ويوقع في الإثم.
4. من الذنوب الكبيرة: سب الوالدين وشتمهما مباشرة، أو بالتسبب في ذلك.
5. يجب على المسلم أن يحرص على سلامة لسانه من كل لفظ سيء وبذيء.
*169*
اَلتقويم
أجب عما يأتي:
1. ما المقصود بالكبائر؟ أعْطِ أمثلة على ذلك!
2. كيف يعق المسلم والديه بحسب ما جاء في الحديث الشريف؟
3. ما البرّ؟ وكيف يبرّ أحدنا والديه؟
4. بيّن أثر تعلّم هذا الحديث الشريف على سلوكك؟
*170*
اَلحديثُ العاشرُ
حُقوقُ الطريقِ
عن أبي سعيد الخُدري (رضي الله عنه)، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:
(إيّاكم والجلوس في الطُرُقات، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدثُ فيها، فقال: فإذا أبيْتُم إلا المجلس فأعطوا الطَّريق حقَّهُ، قالوا: وما حقُ الطريقِ يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصرِ، وكف الأذى، ورَدُّ السَّلام، والأمرِ بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكر). متّفق عليه
اسمه سَعد بن مالك بن سِنان الأنصاري، أبو سَعيد الخُدْريّ، نسبة إلى خُدرة، وهو حيّ من الأنصار، غزا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اثنتي عشرة غزوة، كانت أولها غزوة الخندق، ورَدّه النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم غزوة أحُد لصغر سِنّه، كان من أذكياء الأنصار وعُلمائهم. عُرِف بتتبعه لسنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحفظها، أكثر من رواية الحديث، فرَوى 1170 حديثًا، توفي (رضي الله عنه) في المدينة المنورة سنة 74 للهجرة، ودُفن في البقيع.
من معاني المفردات والتراكيب
إياكم: احذروا.
ما لنا من مجالسنا بدّ: يشق علينا ترك الجلوس.
غضّ البصر: كفّه عن النظر إلى المحرمات.
كفّ الأذى: تَركه ومنعه.
اَلمعروف: اسم جامع لكلّ خير.
اَلمنكر: اسم جامع لكل شرّ.
*171*
مناقشة
- ما الحكمة من نهي الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أوّل الأمر عن الجلوس في الطرقات؟
- عدّد حقوق الطريق المذكورة في الحديث الشريف؟
- كيف تتصرّف عندما ترى شخصًا يتعمّد إيذاء من يمرّ في الطريق؟
شرح الحديث الشريف
يهدف الإسلام إلى الرقيّ بالمجتمع المسلم إلى معالي الأمور، وسموّ الأخلاق، وينأى بأفراده عن كل خُلُق سيء، أو عمل مشين، ويريد أن يكون المجتمع مجتمع محبة وألفة، تربط بين أفراده الأخوّة والمحبة.
وفي هذا الحديث الشريف نرى المناقشة الهادفة بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبعض أصحابه حول ظاهرة اجتماعية مهمّة، وهي الجلوس على الطرقات، والمقصود: الجلوس في الشوارع والأسواق والأماكن العامة، والتي يحتاجها الناس ليبلغوا حاجاتهم، ويصلوا إلى بيوتهم، فلا بدّ من ضمان السلامة لهم، فلا يتعرضون للإيذاء من الآخرين بأيّ شكل من أشكال الأذى قولًا أو فعلًا.
ولذلك عرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث بعض حقوق الطريق، إن يحتاجون الجلوس في الطرقات، وذلك لضمان حياة كريمة للمجتمع، وهذه الحقوق هي:
1. غضّ البصر:
فعل المؤمن أن يكف بصره عن النظر إلى المحرمات، ومراقبة المارّين في الطرقات، وتتبّع أحوالهم. كما عليه أن لا ينظر إلى داخل بيوت الآخرين، وخاصّة عند جلوسه في فناء بيته، فغضّ البصر من الواجبات
التي على المسلم أن يتقيد بها في كل الأحوال والظروف، لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)). سورة النور
*172*
2. كفّ الأذى:
فعلى المؤمن أن يكف أذاه عن المارّة في الطريق، بجميع أنواعه، كبيرًا أو صغيرًا، فلا يجلس في مكان يضيق على المارّة، لأن الطريق حق عام لا يجوز التعدّي عليه، ومن كف الأذى أيضًا: ألّا يسيء إلى أحَد بيده، ضاربًا أو مفسدًا للممتلكات، ولا بلسانه، شاتمًا أو مستهزئًا أو مغتابًا، وأن لا يرمي القاذورات والأوساخ في الطريق، للحفاظ على بيئة صحية سليمة، وكذلك لا يزعج الناس بالسهر لساعات متأخرة من الليل، وخاصّة بالأصوات العالية، ولا يسبب لهم الخوف والقلق، لقوله (صلى الله عليه وسلم): (لا يَحِل لمسلم أن يرَوِّعَ مسلمًا). أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
أفكر وأكتشف:
اُذكر صورًا أخرى يمكن أن تؤذي الآخرين جراء الجلوس في الطرقات!
3. ردّ السلام:
رغّب النبي (صلى الله عليه وسلم) المسلمين بإلقاء السلام ضمانًا للمودّة والمحبّة فيما بينهم، فهو سنّة يؤجر فاعلها، أمّا ردّ السلام فهو واجب يأثم تاركه، وذلك منعًا لحدوث التنافر والتباغض بين أبناء المجتمع، قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)). سورة النساء
4. اَلأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
اَلأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان شرعيان، وقد حث الإسلام عليهما في كثير من النصوص في الكتاب والسنّة، منها قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)). سورة آل عمران
والطريق مظنّة لوجود النكرات فيه، وعلى المسلم إذا كان في الطريق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن ذلك: فضّ الشجار ومنع المعتدي إن أمكن، ونصح الناس بالابتعاد عن الإضرار بالمرافق العامة، ويعين من يحتاج إلى الإعانة، ونحو ذلك.
*173*
أقرأ وأستنتج:
اِستنتج حقوق الطريق من خلال الأبيات الشعريّة التالية، الّتي نظّمها الحافظ ابن حَجَر رحمه الله:
جَمَعت آدابُ من رامَ الجُلوسَ على
الطرَّيقِ من قولِ خَيرِ الخلقِ إنسانًا
أفْشِ السَّلامَ وأحسِنْ في الكلامِ
وَشَمَّت عاطِسًا وسلامًا رُدَّ إحسانًا
في الحملِ عاوِنْ ومظلومًا أعِن وأغِث
لَهْفَانَ وَارْشِد سبيلًا واهْدِ حَيْرانا
بالعُرفِ مُرْ وَانْهِ عن نُكرٍ وَكُفَّ أذَّى
وَغُضَّ طَرْفًا وأكثِر ذِكْرَ مَوْلانا
فتح الباري 11/11
أقرأ وأطبق:
عن أبي برزة الأسلميّ (صلى الله عليه وسلم) قال: قلتُ: يا رسول الله، دُلَّني على عَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ، أو انْتَفِع به، قال: (اِعزِل الأذى عن طريقِ المسلمين). رواه مسلم
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (تعدِلُ بينَ الاثنين صدقةٌ، وتُعيّنُ الرَّجلَ في دابَّتِهِ وتَحْمِلُهُ عليها، أو ترفعُ لهُ عليها متاعهُ صدقةٌ، والكلمة الطيّبةُ صدقةٌ، وَكلُّ خُطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة). رواه مسلم
ما يرشد إليه الحديث الشريف
1. حرص الإسلام على رعاية حقوق الآخرين.
2. عدم الجلوس في الطرقات والأسواق لغير حاجة.
3. وجوب غضّ البصر عما حرّم الله تعالى.
4. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
5. إنّ قيام كل إنسان بواجبه تجاه الآخرين يساعد في القضاء عل الفساد الخُلقيّ والاجتماعيّ.
*174*
اَلتقويم
أجب عما يأتي:
1. ما واجب المسلم في الطريق والأفنية العامة؟
2. التزام آداب الطريق يساعد على إيجاد بيئة صحية سليمة، وضح ذلك!
3. استخرج آداب المشي في الطرقات من خلال الآيات التالية:
قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)). سورة الفرقان
وقال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)). سورة لقمان
4. الأمر بالمعروف واجب من الواجبات، أذكر بعض فوائده!
5. ما الفوائد الّتي تعود على الفرد والمجتمع عند الالتزام بآداب الطريق؟
*175*
اَلفصلُ الثالثُ
تَزْكيةُ اَلنفْسِ
مِنْ آفاتِ اللّسانِ صفحة 176
غَضُّ الأبْصَارِ صفحة 183
المُخدراتِ والمُسْكِراتِ صفحة 186
وَسائلِ الإعْلامِ والتقنيّاتِ الحَديثةِ صفحة 189
*176*
*176*
الغيبَة والنميمة
قال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)) سورة الحجرات.
وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)) سورة الهمزةز ويكون الهمزُ بالفعل، واللمزُ بالقول.
وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) سورة ق.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أتدرون ما الغيبَة؟) قالوا: الله ورَسوله أعْلَم. (ذِكرك أخاكَ بِما يكرههُ)، قالَ: أفرأيت إنْ كانَ في أخي ما أقول:
(إن كان في أخيك ما تَقول فقدْ اِغْتَبْته، وإن لمْ يكنْ فيهِ ما تقول فقدْ بَهته). مسلم
وقال (صلى الله عليه وسلم): (يا مَعشَرَ مَنْ آمن بلسانه ولم يدخُلْ الإيمانُ قلبهُ لا تغتابوا المُسلمينَ ولا تتَّبعوا عَوارتهم فإنه من اتَّبع عوْراتهِمْ يتَّبع اللهُ عورتهُ ومن يتبع اللهُ عورتهُ يفضحهُ في بيتهِ). رواه داود.
مفهوم الغيبة والنميمة والدافع إليهما:
الغيبة، هي: ذكر الإنسان بما يكرهه لو بلغه، سواء كان ذلك في بدنه أو في لبسه، أو في خُلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، أو في ولده، أو في ثوبه، أو في داره، أو في سيّارته.
دوافع الغيبة: تتعدّد الدوافع الحاملة على الغيبة، فقد يعمد المغتاب لشفاء غيظه ممّن يغتابه بذكر مساوئه وكشف عيوبه، أو ليجامل جلساءه ورفاقه فيشاركهم في حديثهم في فلان أو علّان، أو يحمله على الغيبة ظنّه السيئ بالمغتاب، أو ليرفع مِنْ نفسه ويزكيها بتنقيص غيره، أو ليبرىء نفسه مِنْ شيء وينسبه إلى غيره، أو حسدًا منه لمن يثني عليه الناس ويذكرونه بخير، أو بدافع الاستهزاء والسخرية وتحقير الآخرين.
*177*
النميمة: هي نَقْل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، وإفشاء أسرارهم، وكشف الستر عمّا يكرهون إظهاره وكشفه.
دوافع النميمة: وقد يبعث على النميمة إرادة السوء بالمحكّي عنه، والتقرب إلى المحكي له، وقد يحمل عليها فضول النمّام وخوضه فيما لا يعنيه ولا شأن له فيه.
قال النبي )صلى الله عليه وسلم): (ألا أُخبركُمْ بِخِيارِكُمْ؟) قالوا بَلى يا رسول الله قال: (الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تَعالى) ثُمَّ قالَ: (ألا أخبركم بِشراركُمْ؟ المَشّاءون بالنميمة، المُفسدون بين الأحبةِ، الباغون للبراءِ العَنتِ). أحمد.
معاني المفردات: (البُرآء): الأبرياء (العَنِت) المَشقَّة.
حكم الغيبة والنميمة: إن الغيبة والنميمة حرام بإجماع العلماء، بل يعتبرها جمهور الفقهاء من كبائر الذنوب نظراً لما تسبّبانه من تقطيعٍ لأواصر المحبّة وتدمير للعلاقات الإنسانية وتهديد لاستقرار المجتمع وأمنه.
الفرق بين الغيبة والنميمة:
الغيبة هي تكلّم في إنسان حال غيابه بما هو فيه ممّا يكرهه، أمّا النميمة فهي نقل كلام صادر عن الغير بغية الإفساد. وعلى هذا تكون الغيبة صادرة عن المغتاب في الأصل، أمّا النميمة فهي كلام ينقله النمام صادر عن غيره.
آثارالغيبة والنميمة:
لقد حذّرت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة من الغيبة والتميمة لما يترتب عليهما مِنْ أخطار ولما تحدثانه مِنْ أضرار، ولما تتركانه من قبيح الآثار، سواه كان ذلك على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع، أو كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة.
فمن آثار الغيبة والنميمة ما يلي:
استئصال روح الأخوّة والمحبّة والألفة والترابط والتعاون والإيثار مِنَ المجتمع، ليحلّ محلّها روح الكراهية والبغضاء والوقيعة والفتنة والتناحر والتنافر، فتركه مجتمعًا ضعيفًا مفككًا.
*178*
تبطلان ثواب الصيام أو تنقصانه.
تجعلان الفرد فاسدا لنفسه بجعله مغتابا نماما حاسدا وحقودا، وتجعلانه مُفسدا لغيره بإثارة العداوة والبغضاء والفرقة بين الناس.
جعل المجتمع ساحة للعداوات، فمن يُغتاب قد يصله الكلام بشكل أو بآخر، فيسعى للانتقام أو للدفاع عن نفسه، وكذلك الحال بالنسبة إلى مَنْ نُقل إليه الكلام في النميمة.
تستوجبان العقاب والعذاب الأليم في الآخرة، ودليل ذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (لمّا عُرجَ بي مَرَرْتُ بقومٍ لهُم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمُشون وُجوههم وصدورهم فقلتُ مَنْ هولاءِ يا جِربيل قال هؤُلاء الذين يأكُلونَ لُحوم الناسِ ويقعون في أعْراضهمْ). أبو داود.
توجب النميمة لصاحبها عذاب القبر، ففي الحديث أن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) مرَّ بقبريْنِ فقال: (إنهما ليُعَذبانِ وما يُعذبانِ في كبيرٍ أمّا أحدهُما فكانَ لا يَسْتترُ من البَوْلِ وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة). البُخاريّ.
أفكّر وأتأمّل:
كيف يكون حال المجتمع والعلاقات بين الناس، إذا تاب المغتابون والمشّاؤون بالنميمة وتركوا الغيبة والنميمة؟
من وسائل علاج الغيبة والنميمة:
أن ينشغل الفرد بعيوبه عن عيوب الآخرين.
أن يدافع عن أخيه الغائب إذا وُقعَ فيه، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ رَدَّ عن عرض أخيه ردَّ اللهُ عن وَجْهِهِ النارَ يوم القيامةِ. الترمذي.
أن يستشعر بأنّ مجاراة الجلساء والتحبب إليهم بمشاركتهم في الغيبة جلبٌ لسخط الله تعالى، وأن رضا الله يجب أن يُقدم عاى رضا الآخرين، قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ التَمَسَ رِضا اللهِ بِسخط الناسِ كفاهُ الله مُؤْنَةَ الناسِ ومن التمسَ رِضا الناسِ بِسخط اللهِ وكلهُ الله إلى الناسِ). الترمذي.
*179*
أن يَشغل الفرد وقته بالطاعات والعبادات والتعلّم وقراءة سير الصالحين، والنظر في سلوكهم، ومعرفة كيفية مجاهدتهم لأنفسهم بدلا مِنَ الطعن في أعراض الناس وتتبع عيوبهم.
أن يجتنب أصدقاء السوء، والاقتصار على مصاحبة الأتقياء والرفقة الصالحة التي تُعين على الخير، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلُ الجَليسِ الصَالحِ والسَوْءِ كحامِلِ المِسْك ونافخِ الكيرِ فَحامل المِسْكِ إمّا أن يُحْذيكَ وإما أنْ تبْتاع مِنه وإما أن تجد منهُ رِيحًا طيبةً، ونافخُ الكيرِ إمّا أنْ يُحرقَ ثِيابكَ وَإمّا أنْ تجدَ ريحًا خبيثَةً). البُخاريّ.
أن يستحضر أن مَن تتبع عورات الناس تتبع الله عورته وفضحه ولو في جوف بيته، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (يا معشر من آمَن بلسانهِ ولمْ يدخلِ الإيمانُ قَلبهُ لا قغْتابوا المُسلمينَ وَلا تتَّبِعوا عوْراتهِمْ فإنهُ من اتَّبعَ عوراتهم يتبعُ اللهُ عورتهُ ومن يتبع اللهُ عَورتهُ يَفضحهُ في بيتهِ). أبو داود.
أن يستشعر أن كل ما يتكلم به فإن الملكينِ يقومان بتسجيله، وأنّه محاسب به فمثاب على طيبه، ومؤاخذ على سيئه، قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) سورة ق.
أن يستشعر بأن سلامة اللسان مِنْ كمال الإيمان، قال (صلى الله عليه وسلم): (لا يستقيم إيمانُ عَبْدٍ حَتى يَستقيمَ قلبُهُ ولا يستقيمُ قلبهُ حَتى يستقيمَ لِسانهُ وَلا يدخلُ رجلٌ الجنةَ لا يأمنُ جارُهُ بَوائِقهُ). أحمد.
أن يراعي حقوق الأخوة فإنْ وجد عيبًا في أخيه فلا يبادر إلى اغتيابه بل ينصحه بلطف ولين، مراعيًا الوقت المناسب لنصحه وإرشاده.
نشاط بيتي:
اكتب رسالة إلى زملائك تُوجِّهُهُم فيها إلى ضرورة التواصل، والاحتراز مِنْ الغيبة والنميمه والسخرية مِنَ الآخرين؛ قولاً واستماعًا!
*180*
السخرية والمزاح للتهكّم
لقد خلق الله تعالى الناس وجعلهم متساوين في أصل الخِلْقة وفي إنسانيتهم، فكلهم لآدم وآدم (عليه السلام) مِنْ تراب. وجعل سبحانه للإنسان كرامة، هي حقٌّ له، فمن حقّه على أخيه المؤمن أن تُصان كرامتُه وأنْ يحترم فلا يُنتقص ولا يُمتهن، ومن صور الانتقاص والامتهان؛ السخرية والتهكّم والاستهزاء.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)) سورة الحجرات.
قوله تعالى: (وَلا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ)؛ نزل في بني سلمة - وهم من الأنصار - لما قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة وليس فيهم رجل إلّا وله اسمانِ أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا، فنزلت: (وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ). مسند أحمد. والمعنى: لا تدعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعُها.
وقوله تعالى: (بِئْسَ الاِسْمُ الفُسوقُ بَعْدَ الإيمانِ)؛ أي: بئس الصفة أو الاسم الفسوقُ، وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهليّة يفعلون، (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ)؛ أي: من هذا، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمونَ).
مفهوم السخرية:
السخرية مأخوذة من الفعل (سَخِرضَ وتعني: الاستهزاء والتهكم والاستخفاف والتحقير وقول ما يثيرُ الضَحِك، أو فعل ما يستدعيه على سبيل الاستهانة.
والسخرية بالناس: هي احتقارُهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهو حرام؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ الناس). مسلم. والمراد من ذلك احتقارهم.
معاني المفردات:
(بَطَرُ الْحَقِّ): أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. (غمَط الناس): الاستهانة بهم واحتقارهم.
*181*
المزاح بقصد التهكم، والكَذِبُ فيه:
ومن السخرية؛ التنبيه إلى العيوب والنقائص على مَنْ يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وقد يكون بالضحك، كأنْ يضحك على كلامه إذا تخبّط فيه أو غلط، أو على صنعته، أو لشيء في منظره ومظهره وصورته، ونحو ذلك، وقد روى الحسن البصرى رحمه الله، عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (إنّ المستهزئين بالناس ليُفتحُ لأحدهم بابُ الجنّة، فيُقال: هلمَّ، فيجيء بكَرْبِهِ وغمِّه، فإذا جاء أُغلقَ دُونَه، ثم يُفتحُ له بابٌ آخرُ، فيقال: هلم هلّم، فيجيء بِكَرْبِهِ وغمّه، فإذا جاء أُغْلِقَ دونه، فما يزالُ كذلك حتى إنَّ الرَجُلَ ليُفتحُ له البابُ، فيقال: هلمّ هلمّ، فلا يأتيه مِنَ اليأس). خرّجه البيهقيّ في شُعب الإيمان مُرْسَلًا.
وقد جاء الوعيد الشديد لمن يسخر من غيره أو يغتابه ليضحك سامعوه، أو يكذب في مزاحه ليضْحَك مُجالِسوه، قال (صلى الله عليه وسلم): (وَيْلٌ لِلَّذي يُحدثِ بِالحديثِ لِيُضحكَ بِهِ القَوْمَ فيَكذِبُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ). الترمذي
أستنتجُ:
1. السخرية تُفكّك عرى المجتمع وتثير نزعات الانتقام.
2. السخرية تفقد الساخر الوقار وتسقط عنه المروءة.
3. الساخر يظلم نفسه بتحقير مَنْ وقّره الله عزّ وجلّ واستصغار مَنْ عظّمه الله.
4. السخرية انتهاك صريح لحقوق الإنسان عامّة، ومخلة بمبدأ تكريم الإنسان.
*182*
التقويم
أجب عما يأتي:
1. عرّف كلًّا مِنَ: الغيبة، النميمة، والسخرية!
2. وازن بين الغيبة والنميمة مِنْ حيث المفهوم والحكم!
3. قال الله تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)، بين معنى الهمزة، ومعنى الهمزة!
ووضّح المشترك بينهما!
4. ماذا تفعل في المواقف الآتية:
- سمعت أختك تغتاب زميلة لها.
- طلب منك زملاؤك أن تقلّد أحد التلاميذ في طريقة كلامه؛ كي يَضحكوا.
- لا يبالي أخوك أن يذكر جاركم بسوء، بحجّة أن الجار متّصف بذلك.
- طلب منك أحدهم أن تبيّن له حقيقة الغيبة.
*183*
*183*
إنّ البصر نعمة كبرى أنعم الله بها على عباده المُبصرين، وهو أكبر باب إلى القلب، إنْ أحسن الإنسان في استعمال بصره ورعاه وحفظه؛ سَلِمَ قلبه مِنْ كثير من الآفات، وازداد إيمانًا ويقينًا وفهمًا ونورًا وفِكرةً حسنة وخاطرًا طيبا. ومن ترك باب بصره مُشرعا إلى القلب، من غير حفظ ولا صيانة ولا رعاية؛ دخلت منه إليه سهام النظرات الحرام؛ فأفسدته، ولصوص الشياطين؛ فعبثت به وأعطبَتْهُ، ومن رعى ووقى فقد اتّقى.
قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ (31)) سورة النور. وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)) سورة غافر.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (إياكم والجلوس بِالطرقاتِ)، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدث فيها، فقال: (إذْ أبَيْتُمْ إلّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّريق حَقَّهُ) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (غضُّ البَصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَلامِ، والأمرُ بِالمَعْروفِ، والنهي عن المنكَر. البخاري ومسلم.
قال عيسى عليه السلام: (إياكم والنظرة، فإنّها تزرع في القلب شهوة وكفى بها فِتنة).
وعن جرير بن عبد الله (رضي الله عنه) أنه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري). مسلم. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لعليّ: (يا عَلِيُّ لا تُتْبِع النَظرةَ النَظْرَةَ، فإنَ لَكَ الأُولى وليستْ لكَ الآخرةُ)، أبو داود والترمذي. يعني أن النظرة الأولى نظرة الفجأة مِنْ غير قصد يمنح لك عفوًا بلا إثم، وليس لك أن تُتْبعها أخرى، فإن الثانية عليك.
قال بعض العلماء: (مَنْ حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته).
*184*
أتعلّم
أن غضّ البصر:
- يمنح الله صاحبه نورًا يجد حلاوته في قلبه ثم فِراسة. وإذا استنار القلب، صحّت الفراسة.
- فيه طاعة لله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، يترتب عليها محبة توصله إلى الجنّة.
- يصون المحارم، ويجنّب الوقوع في الزلل. ويحمي المجتمع من انتشار الفاحشة.
- يجعل المجتمع المتحلّي بهذه الصّفة مجتمعًا آمنًا متحابًّا.
- يقهر الشّيطان وأعوانه ويستجلب العفة.
- فيه راحة للنفس والبدن.
*185*
اَلتقويم
أجب عما يأتي:
1. ما المراد بغضّ البصر؟ وما حكمه؟
2. برأيك، كيف يبدو المجتمع لو التزم الناس بخلق غضّ البصر؟
3. صوّر في ذهنك مثالا لغض البصر، ثم بيّنه في عبارة موجزة!
4. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (النظرة سهم مسموم)، لم شبّه (صلى الله عليه وسلم) النظرة بالسهم؟ علّل!
5. اقرأ الآيتين الكريمتين الآتيتين، ثم أجب عمّا يليهما:
قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُروجَهُنَّ (31)) سورة النور
أ. لماذا قدّم الله تعالى غضّ الأبصار على حفظ الفروج؟
ب. ما المقصود بالتزكية في قوله تعالى: (ذَلِكَ أَزْكى لَهُمْ)؟
*186*
*186*
جعل الله تعالى العقل مركزًا للتفكير عند الإنسان، وربط به التكليف، فبه يميز النافع من الضار، والخير من الشرّ. لذلك أمَر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على العقل، وحرّم الاعتداء عليه بما يضرّه من تناول المخدرات أو المسكرات، وغير ذلك من أنواع الضرر المختلفة، لأن الإنسان إذا ما أصيب بعقله أصبح عبئًا على المجتمع، ومصدرا للشرّ والأذى.
وتسمّى المخدرات والمسكرات خمرًا فهي تخمّر العقل وتستره، أي تغطيه وتفسد إدراكه. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكر حرام). رواه مسلم.
حُكم تناول المخدّرات والمسكرات
حُكم تناول المخدرات والمسكرات:
يُحرم على المسلم تناول المخدرات والمسكرات، والدليل على ذلك ما ورد في الكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)) سورة المائدة.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لُعنت الخمر على عشرة أوجهٍ، بعينشها وعاصرها ومُعتصرها وبائعها ومُبتاعها وحاملها والمحمولةِ إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها) رواه ابن ماجة.
أفكّر وأناقش:
عن أبي موسى الأشعريّ (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إنّما مثلُ الجليس الصالح والجليس السوءِ كحامل المسك، ونافخ الكيرِ فحاملُ المسك، إما أنْ يُحذيكَ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منهريحًا طيِّبةً، ونافخ الكيرِ: إما أن يحرقَ ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثةً). رواه البخاري ومسلم.
ما سبل الوقاية من الادمان على المخدرات والمسكرات من خلال فهمك للحديث الشريف؟
*187*
أقرأ وأستنتج:
قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)) سورة المائدة.
استنتج مضّار الخمر وما يلحق به من مخدّرات ومسكرات وفق ما جاء في الآية الكريمة!
أضرار المخدّرات والمسكرات
- اَلأضرار الجسمية: بحيث تضعف الجسم وتوهنه، وتَفْتَكُ بالأعصاب، وتتسبب في ضعف القلب والجهاز الهضمي.
- إضعاف قوّة التركيز، وعُمق التفكير، وصلابة الإرادة، وتؤدّي أحيانًا إلى الجنون.
- تدفع شاربها إلى إضاعة المال، فقدْ يبيع او يشتري أو يتصرف بما يجلب عليه الضرر، ويُتلف بسببها كل ما يملك، ولوعلى حساب زوجته وأولاده، ممّا يهدّد الأسرة جميعها بالفقر والتشرد.
يقع الشارب تحت سلطان الخمر فيسهل إخضاعه لما يراد به، ولو أدّى إلى الإضرار بنفسه وبأهله ومجتمعه.
تؤدّي إلى العنف من مثل السب والشتم، والضرب والقتل، وارتكاب جريمة الزنى.
أتعلّم:
عقوبة شارب الخمر والمخدرات والمسكرات:
كانَ حدّ شارب الخمر في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر (رضي الله عنه) وبداية عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أربعين جلدة. فعن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) (ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكرٍ أربعين). رواه البخاري. ثم استشار عمر (رضي الله عنه) الصحابة في حدّ شارب الخمر بعد تساهل الناس، فأشار الصحابي الجليل عبد الله بن عوْف (رضي الله عنه) بقوله: (اِجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب إلى الولاة في الأمصار بذلك).
*188*
التقويم
أجب عمّا يأتي:
1. عرّف الخمر، ثم أذكر الدليل على تحريمها!
2. ما عقوبة من يتناول المخدرات والمسكرات؟ علل إجابتك!
3. أمر الله تعالى المسلم بالمحافظة على عقله من خلال تشريع حدّ الشرب، علل ذلك!
4. بيّن أضرار المخدرات والمسكرات على الفرد!
5. بين أضرار المخدرات والمسكرات على المجتمع!
6. أكتب فِقرة تقدّم فيها نصيحة إلى الشباب تدعوهم فيها إلى الابتعاد عن المخدرات والمسكرات بأنواعها!
اِبحث في مصادر المعلومات وأجب:
يثبت حدّ شُرْبِ الخمر بأمرين، ما هما؟
*189*
*189*
وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة من أهم الوسائل الحديثة التي توصّل إليها الإنسان، وابتكرها العقل البشريّ، وتعدّ من أهم الأمور التي سهلّت التواصل بين بني الإنسان، حيث قربت القاصي، وأصبح العالم قرية صغيرة يعلم كل واحد منها كل ما وقع فيها، بل ويقع في اللحظة ذاتها، كما أنَّ هذه الوسائل يسّرت سبل البحث العلمي، وجعلته في متناول الجميع بأسهل الوسائل وأقرب الطرق. وهكذا أصبحنا نعيش في عصر تلاشت فيه الحدود الثقافية بين الدول، وفي ظل ثورة علمية تكنولوجية واسعة تلعب فيها هذه الوسائل دورًا كبيرًا في تربية الناشئ المسلم ثقافيًا ودينيًا واجتماعيًا، مما يدعو إلى بيان فوائدها، وأثرها في قوة العلم والصناعة، وكيفية الاستفادة منها لاكتساب الأخلاق الاجتماعية الحميدة من جهة، والتحذير من مخاطرها من جهة أخرى.
أفكر وأناقش:
- (لوسائل الإعلام والتقنيات الحديثة فوائد كثيرة في حياتنا العملية والاجتماعية والتربوية). ناقش هذا القول؟
- ما مدى ارتباط وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة بارتفاع نسبة الجريمة ونسبة الطلاق؟
فوائد وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة
1. تلعب وسائل الإعلام المعاصر وتقنياته المتطورة دورًا مهمًا في حياة الأمم والشعوب، وتعدّ رمزًا من رموز التحضّر، ومعلمًا من معالم التقدم بين الأمم، ولها فوائد عديدة أخرى، منها:
2. حفظ المعارف والعلوم والمفاهيم والقيم، وبناؤها وترسيخها.
3. توفّر موارد الحصول على المعلومات وكثرتها.
4. تمكن من نشر الثقافة، والتقريب بين الثقافات المختلفة وتيسير التواصل فيما بينها، ممّا يساعد على نشر روح الاحترام.
*190*
5. عرض المشاريع والإبداعات التي تحقق أهداف المجتمع، وتساعده على التقدم والنمو.
6. التواصل مع العالم الخارجي وتبادل الآراء والأفكار ومعرفة ثقافات الشعوب وتقريب المسافات.
مخاطروسائل الإعلام والتقنيات الحديثة
لوسائل الإعلام والتقنيات الحديثة مخاطر عديدة، منها:
1. نشر بعض المذاهب الفاسدة، والعقائد الباطلة، مع الترويج لها من خلال بيان صورة معتنقيها، وإبراز شعائرهم.
2. نقل أخلاق ونمط حياة وقيم وعادات وتقاليد غريبة عن حياتنا وثقافتنا، فنتصادم معها.
3. اَلدعوة إلى الجريمة والعنف بعرض مشاهد العنف والقتل من جهة، والتحريض ضمن الشبكات العنكبوتية من جهة أخرى.
4. ضياع الأوقات وذهابها هدرًا، حيث يقضي الفرد أوقاتًا طويلة أمام هذه الوسائل، وبالتالي الغفلة عن أداء الواجبات المطلوبة منه.
5. زوال الشعور بالمسئولية تجاه الأسرة، واللامبالاة بحال أفرادها.
6. انتشار الألفاظ البذيئة مما يستخدم في الأفلام والمسلسلات، وعبر الشبكات.
أستنتج:
علينا البحث عن الوجه المشرق في وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة من حيث الاستخدام، وتوظيفها فيما يعود على الفرد والمجتمع والأمة بالنفع في جميع الجوانب.
*191*
التقويم
أجب عمّا يأتي:
1. هات مثالًا على إحدى القنوات التلفزيونية التي تفضلها مبينًا فوائدها!
2. شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) تعد من التقنيات الحديثة التي لها فوائدها، كما لها من المخاطر ما لا تُحمد عقباها. أكتب فوائد هذه
الشبكة ومخاطرها موضحًا ذلك من خلال الأمثلة!
3. كيف تساهم وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة الاجتماعي في اكتساب الأخلاق الاجتماعية الحميدة؟
4. كيف تؤثر التقنيات الحديثة على العلاقة بين أفراد الأسرة؟ وضّح رأيك!
5. أكتب فقرة تقدّم فيها نصيحة إلى زملائك تدعوهم فيها إلى الاستخدام النافع لوسائل الإعلام والتقنيات الحديثة!
نهاية الكتاب